هي اللحظة

حجم الخط
0

أسامة كماللست أدري لماذا يحاولون افراغ اللحظة الفارقة من مضمونها. في تونس أرجعوها إلى بوعزيزي، وفي مصر أرجعوها إلى شباب الانترنت وحادثة مقتل خالد سعيد، ومع الاحترام والانحناء لما يمثله بوعزيزي وخالد سعيد، لكن اللحظة تتعداهما وتتعدانا، تتجازهما وتتجاوزنا.هي لحظة محملة بغضب ثلاثة وعشرين عاماً في تونس، وثلاثين عاماً في مصر، وحان وقت لمعتها وتفجرها الحي .. ففي مصر التي أعرفها باعتباري أحد أبنائها، وأحد المهمومين بحلمها، لم يكن خالد سعيد يحمل اسمه فقط، كان يحمل أسماء جيله كله، لقي حتفه على أيدي ضباط شرطة، لا يعرفون إلا التنكيل والبطش . كان لا يعمل، مثله مثل الملايين من أقرانه، وعائشاً مثلهم في فضاء افتراضي بريء وحالم وأيضاً معبأ بثورة تنتظر لحظة انطلاقها .. وليس هو وأقرانه من صنعوا الثورة فقط، هم من أطلقوا رنة جرسها الأول، وسمعه كل من في قلبه وجيعة، وجيعة خبأها في ظل ثلاثين عاماً، لم تتحرك فيهم خطوة واحدة، فالدولة المصرية طوال ثلاثين عاماً، لم تتحرك عن مكانها، وباتت كسلحفاة لا تريد أن ترى بعينيها أي بصيص للضوء، أو حتى تحاول البحث عنه.. فالرئيس الذي نعتوه بالأب، جمد مصر كثلاجة قديمة، وحفظ فيها أوجاعنا جميعاً : نظام تعليمي لم يعد يقدم شهادات تعليمية بقدر ما يقدم اوراقاً يتبادلها المتخرجون كأوراق كوتشينة في لعبة وهمية وعبثية، فلا عمل ولا تعليم، وفاسدون يسدون الشمس، ويمنعون شروقها على أي أرض، ويضعون أرجلهم وفسادهم على طول الخريطة المصرية، ولا يمكن بأي حال حصرهم في مقال قصير، فهم يحتاجون الى سجل وفير الصفحات، وملايين مصابون بأمراض مستعصية، سببها المبيدات المسرطنة، التي أدخلها وزير زراعته، وأمين حزبه السابق : يوسف والي، في العقدين الأولين من حكمه، ومصريون يتنقلون في اليوم الواحد بين أكثر من عمل، كي يستطيعوا فقط أن يقضوا شهرهم، بعيداً عن العوز والحاجة، غير الذين يفتحون أدراجهم للرشاوى الصغيرة .. وعشوائيات تحاصر المدن كمتاريس لحرب جوعى قادمة .. ومع ذلك تحمل المصريون وجيعتهم، حتى تصدر المشهد الرئيسي الابن، وسخرت الدولة المصرية كل أدواتها، ليبدو في الصورة وحده، وكأن شعب الثمانين مليوناً، لم ينجب غيره، ولا يرى سواه، في ظل أحزاب ليست بأحزاب، ومعارضين ليسوا بمعارضين، في دولة أسلمت مقودها للفاسدين، وجعلت المعارضين مجرد ديكور، يظهرون فقط وقت الحاجة اليهم ( عشان الصورة تطلع حلوة)، أو حتى تكتمل ملامح الصورة لدولة عصرية، ليس لها في العصرنة إلا الصورة فقط .. ووصلت الأمور في الخمس سنوات الاخيرة الى حد التبجح في الفساد أو بالتعبير الشعبي المصري ( عيني عينك)، ودون خشية من أحد، وكأن الاب سلم للابن مصر كضيعة له ولأصدقائه، يعيثون فيها بأفكارهم وبفسادهم .. ما حدث في تونس ومن بعدها مصر جاء نتاج تراكمات عديدة، من فقر وجهل ومرض وفساد، فليس وحده بوعزيزي، وليس وحده خالد سعيد .. هي اللحظة التي اكتملت فيها كل عناصر مركب انساني نبيل مكون من ستة أحرف: ا ل ث و ر ة … والأجمل أنها شعبية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية