الثورة المصرية بين القلق والنوايا الحسنة والحذر

حجم الخط
0

محمد عبد الحكم دياب

القلق السائد خوفا على الثورة المصرية منطقي ومشروع. والثورة حين تنتصر تفرض شرعيتها ومشروعيتها بقوة الناس وإرادة الشعب، وتعيش الثورة في مراحل انتصارها الأولى معتمدة على زخم تحقق بفعل التفاف الجماهير والمؤيدين حولها، وهذا هو حال ثورة مصر الآن. وعدم إمساك الثوار بمفاتيح القرار السياسي يجعل الثورة في حاجة إلى مدى زمني أطول من غيرها لتغيير الأوضاع لصالحها. وأصعب المراحل هي مرحلة يوضع فيها بلد في منطقة حرجة بين حكم قديم بعفنه وسوءاته ومؤامراته، وقوى شابة متطلعة لبناء نظام جديد ينعم فيه الشعب بالحرية والمساواة والأمان والديمقراطية. وفي الملعب الآن قوتان أساسيتان هما قوى الثورة من جانب وفلول حكم بائد في الجانب المقابل، القوة الأولى تعتمد على حالة معنوية وروحية عالية لدى الناس، وقدرة إعجازية من الشباب على التحدي، عوضت البعد عن ناصية الحكم وامتلاك القرار السياسي، والفلول ما زالت تعيش صدمة قطع رأس الحكم، وتسعى جاهدة لتركيب رأس بديل يعيدها إلى الحياة مرة أخرى، وهو شيء صعب إن لم يكن مستحيلا.

وبين القوتين يقف المجلس الأعلى للقوات المسلحة في منطقة ضبابية ولا نقول محايدة، فما زال هو الجسر الرابط بين الاثنين، والأمل في أن ينتصر للثورة بشكل نهائي، وعليه أن يعلم أن هذا النوع من الثورات تصعب هزيمته، في الوقت الذي نذكره فيه بما للقوات المسلحة من رصيد تاريخي ووطني، وما لها من تقدير واحترام في نفوس المواطنين، وقد يكون ذلك الرصيد وراء إقرار المجلس بعدم توجيه السلاح ضد الثوار، وبسلامة مطالبهم وتأييد شعاراتهم، وفوت الجيش بموقفه هذا والثورة بسلمية تحركها، فوتا على حسني فرصته في تفجير معركة دموية ضد المعتصمين في ميدان التحرير، وحين فاتته الفرصة تنحى مرغما مذموما مدحورا. ولا يغيب عن الذهن التغييرات الجوهرية التي شهدتها القوات المسلحة في نظمها القتالية وعقيدتها العسكرية، المتعلقة بتحديد العدو والصديق، وذلك بعد حرب 1973، وبناء عليها صارت الدولة الصهيونية من دول الجوار الصديقة! وأضحى الجوار العربي الشقيق خصما وعدوا، خاصة ضد فلسطين ودول الممانعة وإيران. وبتأثير تلك التغييرات أدخلها حسني مبارك معارك لحساب المنظومة الصهيو ـ غربية، وكانت حرب الخليج الثانية أبرزها وغزو العراق ذروتها وأخطرها. وهذه الثورة تحرر القوات المسلحة من مثل ذلك التوريط المشين.

وخلاص القوات المسلحة من عبء حسني مبارك وفساده وتبعيته فتح باب الفرز فيها، إما الولاء للوطن أو الارتباط بفلول حكم بائد انتهى ولن يعود، ويبدو أن هذا الفرز هو الذي أحدث توازنا أدى إلى تلبية كثير من مطالب الثورة، وإن كانت قد تمت مجزأة ولم تأت كحزمة واحدة تتكفل ببعث الطمأنينة في النفوس، وعموما فإنها صبت في خانة المكاسب، ونهج التعامل بالتجزئة وليس بالجملة ـ على طريقة التجار ـ قد يعود إلى عدم استيعاب طبيعة الثورة، وأنها لم تقم من أجل أنصاف الحلول، ولم تندلع ليكون الحكم قسمة بينها وبين أعداء الشعب، وسقف الثورة هو الأعلى دوما. وعزاؤنا أنها تعيش وضعا انتقاليا طلبه الثوار أنفسهم. ولم يكن ما نشرناه السبت الماضي اعتباطا، وقد كان من أجل استشراف المخاطر المحدقة. قلنا فيما نُشر إن مهمة وزارة أحمد شفيق الأولى هي جمع فلول الحكم البائد وإعادة تنظيمها وتوفير الإمكانيات لها لإجهاض الثورة، إذا أمكن، بالإضافة إلى ترميم قواعد الحكم البائد في الشهور الستة القادمة. ومهمتها الثانية تأمين خروج أموال عائلة مبارك ومن معها، وتحصين حساباتها وحماية ممتلكاتها الخارجية. والمهمة الثالثة ضمان استمرار التبعية وحماية وتأمين الدولة الصهيونية، والإبقاء على اتفاقية كامب ديفيد، واستمرار تصفية القضية الفلسطينية، والمجلس الأعلى وهو يحل محل رئاسة الدولة أبقى وزارة أحمد شفيق واستمرارها ليس في صالح المجلس الأعلى ولا صالح الثورة. وإن كان المجلس قد واجه منظومة العادلي البوليسية، ومليشيات جمال – عز الإجرامية، فلماذا استمر محافظا على الفلول التنفيذية الممثلة في الوزارة الحالية، وعلى مرتكزها القانوني وهو استمرار العمل بقانون الطوارئ؟

وحتى كتابة هذه السطور لم يكن المجلس الأعلى للقوات المسلحة قد لبى طلب إيقاف العمل بقانون الطوارئ ولا استكمل الإفراج عن المعتقلين السياسيين، ولا حل الحزب الحاكم، ولا اتخذ موقفا من جهاز أمن الدولة، ولم تبد منه بادرة لإعادة تأهيل الشرطة، أو وضع خطة لجهاز بديل. ولم يعلن عن بدء محاكمة رموز الفساد ومجرمي مجزرة ميدان التحرير، ولم يقر مطلب تكوين مجلس حكم انتقالي مدني، يضم ممثلا عن القوات المسلحة، ولا بمطلب تشكيل الجمعية التأسيسية. ولنتوقف قليلا أمام هذا المطلب ومستوى استجابة المجلس له. فقد تمخض الجبل وولد لجنة لتعديل الدستور، وهذا زاد الخوف من عودة حكم مبارك في قالب جديد (نيولوك)، وهناك من يرى أن تشكيل اللجنة التفاف مقصود، بدا استجابة لمطالب إصلاحية سبقت قيام الثورة، وكانت من أحزاب وجماعات سياسية ودينية تقليدية وليبرالية، كأحزاب الوفد والغد والجبهة الديمقراطية والإخوان المسلمين والجمعية الوطنية للتغيير. ولم تكن الثورة في وارد أي منها، ولا في تصور جماعات وأحزاب أخرى صغيرة، كان كثير منهم لا يريدها ولا يتوقعها، كانت الثورة لدى هؤلاء رجس من عمل الشيطان، حرمتها مذاهبهم السياسية والدينية تحريما قاطعا. وتغير الحال. فبعد الأحاديث المكررة والمملة عن خطر الثورجية والوطنجية والقومجية والحنجورية رُد للثورة اعتبارها. وكما أثار متعصبون دينيون الفتن الطائفية، نشر أولئك الفتن الوطنية وبثوا الفرقة السياسية، في وقت كانت الحاجة فيه ماسة إلى كلمة سواء وإلى وحدة صف في مواجهة وحشية حكم عائلة مبارك وعصابتها.

وفي كل الأحوال يبقى الحذر مطلوبا. فمصر تتطلع إلى دستور جديد، يستوعب ويلبي المطالب كافة. والثورة لم تقدم الشهداء لإزاحة حسني مبارك وعائلته وعصابته فحسب، إنما استهدفت إسقاط النظام برمته من أجل بناء دولة حديثة، أساسها المواطنة والديمقراطية وسيادة القانون والمساواة وعدم التمييز بين مواطن وآخر، وإقامة نظام ديمقراطي برلماني. وإن لم تستطع قوى الثورة استخلاص وإبداع النظام الملائم، فلا بأس من الاستعانة بنظم عدة في العالم، يمكن دراستها واختيار ما يناسب منها، في الهند وألمانيا وفرنسا، رئيس الجمهورية في الهند وألمانيا هو رأس الدولة ورمز وحدتها، وتُوكل السلطة التنفيذية للحزب الحائز على الأغلبية البرلمانية وتتشكل الحكومة من بين أعضاء البرلمان، والحكم في فرنسا حصيلة قوة رئيس الدولة ورئيس الحكومة، ويبدو أن هذا سببه الحضور المؤثر (الكاريزما) لعدد من الرؤساء، ديغول وبومبيدو وميتران وديستان وشيراك، ولم يهتز وضع الرئاسة الفرنسية إلا على يد ساركوزي. ومع حسن الظن بالقوات المسلحة المصرية إلا أن البعض يعاني من عقدة العسكر، وأخص هنا مصر على وجه التحديد، ونتج عن هذه العقدة خلط، إما عن جهل أو عن عمد، بين عمل المؤسسة العسكرية ووحشية الحكم البوليسي، جاهلا أو متجاهلا أن الشرطة بنص الدستور المصري جهاز مدني وليس عسكريا، وترتبط هذه العقدة بموقف البعض من جمال عبد الناصر وثورة 1952، وقد يخفف من هذه العقدة التضافر من أجل تطوير النظام السياسي، والالتفاف حول هدف الحكم المدني الديمقراطي، كسبيل يحصر دور القوات المسلحة في المهام القتالية دفاعا عن الأرض والحدود والسيادة الوطنية. بذلك تستقيم الأوضاع، ويرتقي عمل المجلس الأعلى إلى مستوى حسن الظن بمؤسسته، وإلا يصبح عبئا عليها كما كان حسني مبارك، الذي أساء لها وشوه صورتها وتاريخها.

وأخيرا لنتعرف على الأجواء التي أحاطت بتشكيل لجنة تعديل الدستور. حيث جاء تشكيلها بعد اجتماع عقد الأحد الماضي بين ممثلين عن شباب الثورة وأعضاء بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهو اللقاء الأول للطرفين، واستمر زهاء أربع ساعات. وفيه أكدت القوات المسلحة على الدولة المدنية كسبيل وحيد للتقدم، وأن الجيش تسلم السلطة حماية للثورة. وحول هذا المعنى صرح المنسق العام لحركة 6 أبريل وعضو ائتلاف الثورة، أحمد ماهر لقناة ‘سي إن إن’ باللغة العربية، فقال إن قيادات القوات المسلحة رأت في التعديل بديلا عن مشروع دستور جديد يستلزم وقتا أطول من مدة الأشهر الستة، التي وعد فيها المجلس بتسليم السلطة. وفي ذلك الاجتماع تم الاتفاق على تعديل عشر مواد بشكل مبدئي، ومنح اللجنة حرية العمل وطرح التعديلات الجديدة في استفتاء شعبي عقب الانتهاء منها. ويبدو من تصريحات ماهر أن الجيش قدم ضمانات للدولة المدنية، وحماية الديمقراطية، وعدم التدخل في العملية السياسية، وملاحقة المتسببين في سقوط الشهداء والجرحى بين المتظاهرين، فهناك أكثر من 70 متهما في مجزرة ميدان التحرير في الثاني من شباط (فبراير) الحالي. والتحقيق مع المسؤولين الفاسدين واللصوص – سواء من استمر في منصبه أو من رحل – ومن يثبت تورطه يقدم للمحاكمة، وهناك قائمة ضمت عددا من الوزراء والمسؤولين – سابقين وحاليين – للتحقيق معهم كما حدث مع وزراء آخرين منعوا من السفر وتم التحفظ على أموالهم. وختم منسق حركة 6 أبريل حديثه إلى الفضائية الأمريكية بقوله: إن الائتلاف وجد تجاوبا كبيرا من قيادات المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

كان على المجلس أن يشير إلى مرحلية التعديلات، وأنها خطوة تمهد لقيام الجمعية التأسيسية، خاصة أن ميزان القوى السياسي ما زال على اختلاله، مما قد يغري فلول الحكم البائد، بجهالتهم وحماقتهم المعهودة، بشن هجوم مباغت لإجهاض الثورة، فما زالوا يملكون المال والنفوذ والبلطجة والمليشيات، وكلها إمكانيات، إذا ما بقيت، تؤثر على العملية السياسية وسير الانتخابات القادمة. وتعديل ميزان القوى مطلوب قبل الانتخابات، ولن يعود له توازنه إلا بإزاحة وزارة أحمد شفيق وإعلان حكومة وطنية موسعة، أو تشكيل وزارة من الفنيين (التكنوقراط)، وعليه نقول إن النوايا الحسنة مطلوبة والحذر مطلوب أيضا، واستمرار الضغط هو الحل.’ كاتب من مصر يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية