أسباب غضبة بيير بورديو: ماكسيم روفر لقد سبب عمل وشخصية واندفاع بيير بورديو إلى وقت موته في 2002، جدالات عاصفة. خلف كل المناوشات، جدَّدَ بتفكيره إبستومولوجيا العلوم الإنسانية بإدخاله مفاهيم دائمة التدقيق إلى علم الاجتماع، تُساعد حاليا في إعادة التفكير في العلاقات بين الأفراد والمجتمع، الموضوع والبنية، الحتمية والحرية. ستخصص ماري آن ليسكوري Marie-Anne Lescourret ‘ للرجلالكبير’ ترجمة ذاتية لا يظهر فيها عالم الاجتماع، للأسف، داخل ورشة الأبحاث والمضاربات (بورديو:’ سير كبرى’) . سنحاول إذا العثور في ركام الثناء والقدح المحيط به، عن آليات التفكير والتساؤلات الجوهرية التي أفضى بها إلينا.
لقد كان بورديو منشقا اجتماعيا، ابن لأب عامل في البريد في بييرن B’arn ومزداد باليوم الأول لشهر غشت سنة 1930، سيُلحق بالمدرسة العادية العليا قبل أن يقضي عدة سنوات في موقع بالجامعة في الجزائر. وهناك سيبدأ اهتمامه بالأحداث الاجتماعية بنشره كتاب ‘علم اجتماع الجزائر’ وبعد ذلك ‘الاقتلاع، أزمة الزراعة التقليدية في الجزائر’ وأخيرا ‘موجز لنظرية التطبيق’. وسيكمل بورديو مشواره في كلية فرنسا بنيل ميدالية ذهبية بالمركز الوطني للبحث العلمي سنة 1993، بعد أن ترك بصمته العميقة في علم اجتماع التربية والعالم الثقافي بكتبه: ‘التميز’ la Distinction ،1979، ‘قوانين الفن. مولد وبنية الساحة الأدبية’les r’gles de lart. gen’se et structure du champ li’raire 1992 ، ‘تأملات باسكالية’M’ditations pascaliennes ، 1997. بهذا يكون قد خَبِر من الأسفل إلى الأعلى كل النظام التربوي والثقافي الذي لم يتوقف يوما عن مساءلته في كتبه ‘الورثة. التلاميذ والثقافة’، و’الإنتاج. عنصر لنظرية للنظام التعليمي’ وكذلك كتاب ‘نبل الدولة. مدارس كبيرة وروح الجسد’ . نظريا يتموضع موقفه بين الحتمية والذاتية. من جهة، يعترف بـ’تواجد بنيات مجردة ومستقلة عن الوعي ورغبة الفاعلين، قادرة على توجيههم أو معارضتهم’. فبفعل تطبيقها داخل المجتمع تكون الرغبات الفردية معرضة للحتميات الاجتماعية. لكن بورديو يتميز عن البنيويين الآخرين بقوله انَّ لا الأسطورة (ليفي ستروس) ولا اللغة (لاكان) يمكن أن تقدم أشكالا قادرة على مناقشة الممارسات الاجتماعية. فالحركة الملموسة تشمل المفاجأة والارتجال والإبداع.
من جهة أخرى برغم رفضه لتجريد كل ما هو إنساني، يبعد بورديو فكرة وجود ذات طاهرة مستقلة بتجرد، إذ تتشكل اجتماعيا كل حركة حسب منطق محايد (لكن ليس بالضرورة من طرفها). ستُحدد الذات في قلب الظروف الاجتماعية لحركتها إذا أردنا أن نفهم اختياراتها وقراراتها، لأن تصوراتها (الذات) بحد ذاتها قد أسَّسها المجتمع. لذلك يجب تقبُّل أن كل استراتيجية ليست واعية وأن كل عملية حسابية ليست عقلانية، لأن كل واحدة منهما له دور في الحركة حتى الرعناء منها. فطموح علم الاجتماع هو إبراز هذا المنطق الخاص بالممارسة. وقد أعطى بيير بورديو لهذا العلم الوسائل التي لم يكن يتوفر عليها. سنذكر منها ثلاثة: الحقول Champs ، رأس المال Capital، هابتوس Habitus يقترح بورديو أن نتصور المجتمع بصفته ‘فضاء اجتماعيا’ قبل أن نفكر في المؤسسات والسلطة والأفراد. وهذا الفضاء ينقسم أيضا إلى ‘مجالات’ (التربية والفن والاقتصاد….) مُعرَّفة بالعلاقات بين الفاعلين. وكل مجال لديه قواعد خاصة تتعلق بقانون مركزي. مثلا: في مجال الاقتصاد ‘الأعمال هي الأعمال’، لكن في مجال الأدب ‘الفن من أجل الفن’ يبقى هو الأصوب. وكل مجال يحاول أن يُثبت استقلاليته بفرضه لتعريفه الخاص للتقسيم الاجتماعي. العالم الاجتماعي هو ديناميكي إذن، وفئات التصور التي تسمح بمقاربته (مثلا الاختلاف بين المرشحين لاجتياز المباريات في المدارس الكبرى) هي أيضا بنيات اجتماعية. وبذلك، يمكن أن تتطور بالبحث عن مجال جديد تُقدَّر قيمتها فيه حين تكون في مجال آخر مغلوبا على أمرها. قيمة الفاعلين تسمى ‘رأس المال’. وهذا الأخير يمكن أن يكون اقتصاديا (وسائل الإنتاج والممتلكات المادية) وأيضا ثقافيا (جدارة فكرية) واجتماعيا (نسيج العلاقات). وكيفما كانت طبيعته، يتراكم رأس المال وينتقل ويوفر فوائد. ويسمى الرصيد الذي يخوله الاعتراف برأس المال الخاص بالفاعل، ‘رأس مال رمزي’ أيضا. فعمل التحديث اليومي الذي يقوم به عالم الاجتماع يعتبر هنا من الأهمية بمكان لأنه بذلك يستطيع لف القيم داخل دساتيرها الاجتماعية. وهذا لا يقع بدون عراقيل، إذ لكي يصبح رأس مال ما رمزيا لا يجب أن يُعرَف، أو بطريقة أخرى يجب أن لا يُعرف بصفته رأس مال بل أن يمحُوَ أصوله المادية. يبقى إذن هدف كل الفاعلين أن يرفعوا من ‘رأس مالهم الرمزي’. كيف ذلك؟ الجهد الذي يقوم به كل واحد يرتبط بما يسميه بورديو ‘الهابتوس’. ‘مبدأ مُوَلِّدٌ للارتجال المقنن’، الهابتوس هو طريقة لرؤية العالم وللاستجابة للوضعيات التي هي أيضا نتيجة لمسار اجتماعي. فهي إذن مبدأ للحركة الفردية المؤَسَّسَة على المجال إذ يمثل حلقة الوصل بين المحيط والحركة وبين البنيات المجردة والاختيارات الشخصية. يخترع بورديو بذلك علاقة جديدة مع القواعد إذ لا تطبق تصرفاتنا الأعراف بطريقة ميكانيكية بل تترجم منحى لِلُّعبة يسميه بورديو ‘المنحى العملي’ le sens pratique. فتصرفاتنا وتمثلاتنا ليست محددة كليا (الفاعلون يختارون) وليست حرة كليا (هذه الاختيارات موجهة من طرف الهابتوس). سيفتح هذا نوعا من ‘اقتصاد الأفعال’ ما يعني نوعا من ‘عقلنة ساطعة للأفعال لا تجد أصلها في حساب جلي ولا في قرارات خارجية’. ذكاء وخصوبة هذه المبادئ بعيدة عن كل شك. حتما، يمكن أن نلاحظ أن نظرية ‘المجالات’ لا تأخذ بعين الاعتبار مختلف أشكال تدخل الفاعلين ولا تَعَدُّدَ العوالم التي تدور فيها، وأن الهابتوس يقتضي تعايشا اجتماعيا منسجما بينما تعتبر الأسرة تجمعا يتمثل فيه المستقبل ممكنا، للعديد، وأخيرا فكرة ‘رأس المال الثقافي’ (التضامن وتحريف أشياء الاستهلاك صفات خاصة بـ’التلاميذ السيِّئين’) . المبادئ التي تبناها بورديو يجب أن تُحَسَّنَ.
لكن لم كل هذه الاهتمامات؟ عمله كمناضل، الذي سيواكب بداية الإضرابات سنة 1995، لا يشرح كل شيء، فمن كان مع أو ضد بورديو كان نتيجة لكتبه التي أوقدت الرغبة في التحرك حيث كانت(كتبه) تحاول أن ‘تُحوِّل البؤس الاجتماعي لأعراض مقروءة قابلة للمعالجة سياسيا’. إذا ما تقبلنا هذه النتائج ستتوجه ردة الفعل ضد الأجهزة المحدثة (التفرقة الاجتماعية والهيمنة الذكورية…)، وإلا سنَحْسِب عالم الاجتماع بنفسه مسؤولا عن هذا الغموض.
لقد أعاد بورديو تعريف الارتباط بين العلم والمجتمع. رافضا ‘التزام سارتر الذي حوَّلَ أخْذَ موقف المثقف إلى قضية سياسية، وأراد أن يستعمل السياسة في علم الاجتماع بتعرية استراتيجيات الهيمنة التي عليها أن تعطي آليات للفهم تساعد الفاعلين الاجتماعيين في المقاومة. مدفوعا برغبته في تغيير المجتمع سيجعل من علم الاجتماع أكثر من نظرية للأحداث الاجتماعية بل عملا اجتماعيا حقيقيا ‘رياضة للصراع’. رغم الخطر في هذه الحالة أن تكون فوق الصواب أو الخطأ.
عن مجلة Le Magasine Li’raire avril 2008 n 474ترجمة أنس شاكر العمراني، أستاذ مبرز، مترجم من المغرب