السينما المغربية: الحكاية والصورة والخطر

حجم الخط
0

محمد بنعزيز

في المسابقة الرسمية للمهرجان الوطني للفيلم في طنجة في كانون الثاني ( يناير) 2011، في 13 فيلماً من أصل 19، كتب المخرج السيناريو بنفسه. في 13 فيلماً قصيراً من أصل 19 كتب المخرج السيناريو بنفسه. النتيجة هي أن في 26 فيلماً من أصل 38 كتب المخرجون السيناريو. انعكس هذا الوضع على تماسك الأفلام المعروضة. وهذا مشكل سبق طرحه، فقد خلص الملف الذي أعده الراحل نور الدين كشطي ( مجلة ‘سيني ماج’ CINEMAG العدد العاشر كانون الأول/ديسمبر 2009) عن أزمة السيناريو في المغرب إلى أن السيناريو يكتب في المغرب دون مرجعية روائية، دون معرفة قواعد الحكي الأرسطية. بينما سينما المؤلف الأوروبية هي في جزء منها ابنة القرن التاسع عشر روائيا وصناعيا. أما في مصر فبدأت كتابة السيناريو ضمن تقاليد روائية، بل رواية شعبية كانت تنشر في الصحف والمجلات. نشأت السينما الآسيوية في نسيج ثقافي مشبع بتقاليد الحكي والسرد. وحسب الملف المذكور، تبين هذه المقارنات مشكل السيناريست المغربي مع الحكاية. لذا تعاني السينما المغربية من أزمة حكي رهيبة. أزمة تترسخ لأن كل مخرج يعتبر أنه يعرف أن يحكي سيناريو، وهذا ما لم يفعله حتى ستانلي كوبريك وصلاح ابو سيف. جرت العادة على أن نقرأ في الجنريك ‘قصة سيناريو وحوار’، عندما يتقدم المخرج لكتابة سيناريو فيلم طويل، هل سبق له أن كتب قصة قصيرة واحدة لنعرف من أين جاء بمهارة الحكي؟ هل يستطيع أن يشرح لنا في ربع ساعة قانون القصة القصيرة؟ هل تأليف القصة أمر متاح؟ كم من كاتب تمكن من تأليف مثل حبكة الإلياذة ولا تزيد عن سطر؟ قائد صنع هدية خشبية للأعداء فأدخلوها مدينتهم من فرط الطمع، فسهل هزمهم.

من يستطيع أن يصنع سطرا كهذا؟ مَن بعد هوميروس؟ حسب الروائي الكولومبي غارسيا ماركيز يمكن تعليم تقنيات كتابة السيناريو في ورشات. ولكن المُقـْدِم على كتابة السيناريو يجب أن يكون حكّـــــاء، يعرف أن يحكي، له خيال واسع وثقافة ومعرفة بنفسيات الشخصيات. وهذه أشياء تصنع مع الزمن ومنذ الصغر ولا يمكن تعليم فن الحكي حسب ماركيز. مع ذلك، 66 في المئة من أفلام مهرجان طنجة كتبها مخرجوها، منهم من بدأ المغامرة بكتابة فيلمه الأول الطويل. لو كتب فيلمه الرابع أو الخامس لربّما قدرنا خبرته السردية. نتيجة هذا الوضع، فإن الكثير من الأفلام التي عرضت في مهرجان طنجة تعاني من قصة مهلهلة، قصة من حدث أو حدثين وتم حشوها بحوادث ليست من صلب الحبكة أو تطور الشخصية. وهذا يؤثر على المتفرج، يجد أنه بسبب غياب القصة يتم تصوير الخواء، لا يظهر للمتفرج لماذا تتبع الكاميرا الشخصية. وهذا يسبب الضجر ومحنة المشاهدة. آخر مثال لهذا هو فيلم ‘ماجد’ لنسيم عباسي، وفيه طفل يتيم يبحث عن صورة، وبما أن أحداث القصة قليلة، ولا تليق لفيلم مدته 116 دقيقة، فقد لجأ السيناريست إلى تطويلها بإضافة أحداث غير نابعة من جوهر الحبكة. أما فيلم هشام العسري ‘النهاية’ والذي كتبه بنفسه، فإن تفككه يجعل متابعة مناظره محنة… علما بأن درجة إهانة العسري للإنسان في فيلمه مقرفة. في النقاشات الجانبية التي دخلت فيها مع الكثير من الحاضرين، وحين أبين لأحدهم الخلل في القصة، تأخذه العزة ويرد دفاعا عن فيلم ما ‘إنه جيد على الصعيد التقني’ أعرف أنه يوافقني أن الفيلم فارغ على الصعيد السردي. طيب الفيلم بلا قصة وجيد على مستوى الكاميرا والإضاءة. هذا متوفر أفضل في نقل مقابلة بين ريال مدريد وبرشلونة. فهل نعتبر المخرج الذي ينقل مقابلة كرة قدم بـ 20 كاميرا فنانا؟

ماذا يصير الفيلم بلا قصة؟

مجرد مناظر مملة مهما كانت المهارة في استخدام حركة الكاميرا وتلوينات الضوء والظل. مناظر مملة لأنه لا توجد قصة تجمعها. وحين تغيب القصة يغيب التخييل والتشويق الذي يأسر مشاعر المتفرجين.

قبل أن آتي إلى طنجة شاهدت أفلام كوبريك وفيليني وإيليا كازان… وحتى فيلم REMPARTS DARGIL، فيلم مدته 80 دقيقة عن الجنوب التونسي الذي انطلقت منه شرارة الاحتجاجات… فيلم شاركت فيه ممثلة مغربية وفاز بأوسكار أحسن فيلم أجنبي… فيلم صامت ومع ذلك القصة واضحة… في بعض أفلام مهرجان طنجة شعرت بالصداع لأني لم أتمكن من متابعة قصة الفيلم لأنه لا وجود لها بكل بساطة… وهذا لا يستجيب لأفق انتظار المتفرج المغربي… وهنا أشيد بفيلم ‘الوتر الخامس’ الذي قدم قصة بسيطة واضحة عن شاب يحب الموسيقى، طموح ومعتز بنفسه… يتماهى معه الجمهور بحب. إذا ألقينا نظرة على الأفلام المغربية الناجحة نجد:

البحث عن زوج مرأتي.

في انتظار بازولينيعلي زاوا.

ما الذي جلب الجمهور إليها؟ تماسك القصة وواقعية الموضوع.

الجمهور يريد قصة وموضوعاً. تمويل الأفلام في المغرب من المال العام، من مال الجمهور. لنعطه ما يطلب، لنعطه الفرجة. بالنسبة إلى المخرج الذي يريد التجريب السينمائي، له كامل الحق. الذي يريد أن يصير غودار – من فيلمه الأول، رغم أن مخرجنا لا يميز بين فلسفة الرأسمالية والاشتراكية مثل غودار ـ أهلا وسهلا. له الحق في التعبير عن نزواته الفنية لكن التمويل من جيبه. أنا أفهم المخرج الذي يريد إحداث ضجة. يكفي أن يصور نفسه يمشي بلا سروال في الشارع وسيحدث ضجة، أما أن يتكرر لفظ ‘سير تقود الله ينعل دين امك الزامل’ في كل فيلم فهذا متجاوز. نحن نريد ضجة فنية لا فضيحة. وهذا موجه للعاملين داخل حقل السينما، لكنهم أعداء فنهم من الداخل. هذا على المستوى الفني. أما على مستوى السياق السوسيولوجي، وهو سياق يسيطر عليه المحافظون، فإنه لا يحق للمخرج أن يستغل التمويل العام ليصور الفضائح باسم الجرأة فيعطي الفرصة لأعداء السينما من خارجها، من محافظين ورجعيين، ليسددوا علينا جميعا. وكم من مرة حصلوا على فرص مجانية للتسديد ( لن يكون المخرج الذي يريد أن يصبح رئيس جمهورية المغرب آخر مغفل يتطوع). وهم بالمرصاد، يستغلون الجرأة على استخدام تعابير من تحت الحزام للتحريض ضد الإبداع، يستغلون جرأة غير المؤهلين على الكتابة بهدف معارضة سياسة الدولة في دعم السينما، بهدف التشهير بالسينمائيين المغاربة وتلطيخ صورتهم في كل محطة. ومع الأجواء التعبوية العالية التي خلقتها ثورة تونس، والتي رفعت مستوى الغضب الشعبي، أرى كرة الثلج تكبر بهدف نزع كل شرعية عن تمويل الأفلام، بهدف حذف سياسة دعم الإنتاج الرائدة في افريقيا حسب الكثير من المخرجين الأفارقة. إذا كان الملك محمد السادس يحب السينما ويدعمها، فهذه فرصة ومسؤولية للفنانين. وأذكر هنا بمغزى حكاية القرد والغيلم لسيد الحكي ابن المقفع، ومفاد الحكاية أن الحصول على الشيء أسهل من الاحتفاظ به. من لا يلاحظ ذاك الخطر أو لا يحس به فلا حاسة شمّ سياسية لديه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية