السياسة بين الحاكم والمحكوم في عالمنا العربي لا تقوم على عقد اجتماعي حقيقي يحفظ للجانبين حقوقهما، بشكل حضاري، رغم اشكال التعاقد الاجتماعي القائم اليوم مع اختلاف طرق صياغته بين الطرفين تاريخيا، إلا انه لم يكن يوما عقدا بين متعادلين أو متكافئين. الرقابة في النظام السياسي الديمقراطي تقوم على مراقبة القيم في أداء النظام، القيم في شكل أرقام وإنجاز. ما تخوضه شعوب الأمة من صراع مع أنظمتها اليوم، سواء كان حيا معاشا، كما هو واضح في تونس ومصر، أو ما يعتمل تحت الرماد في اليمن والاردن أو ما هو مؤجل لحينه في البقية الباقية، يمكن ايجازه في الآتي:
أولا: قامت الشعوب وتحركت عندما ادركت أن هذه الانظمة لا تخجل، لقد وصلت السكين حتى العظم. المراهنة على القيم وحدها من دون رقابة لم يعد ممكنا، والاعتماد على الصلاح الفردي ‘نموذج الخلافة الراشدة’ لم يعد ممكنا اليوم.
ثانيا: تكدس الثروات يحول الأمر الى ثورات. فالثروات الخيالية لمرتكبي السلطة في أنظمتها صادمة لأي شعور إنساني محتمل لدى الشعوب يتحول معه الإنسان الى شيء، حيث لا يمكن للذات الانسانية أن تقبله أو تقبلها، أي الثروة، كأرقام في ظل ما يعايشه الفرد من حطام حوله وبين ارجاء معيشته.
ثالثا: الشعور بالخجل صفه انسانية مترفعة ليس بالامكان إدراكها بسهولة، وإنما تتطلب تجردا ذاتيا وسموا أخلاقيا كبيرين، أن يأخذ النظام بيد الشعب وأن يقوده لا ينفصل عنه أو لا يستعبده أو يستجيره. الامثلة هنا قليلة، ربما يمكن تصور الشيخ عبدالله السالم ضمن ذلك، حينما وضع دستورا ديمقراطيا تفخر به الكويت وتتمايز به عن غيرها حتى اليوم، يمكن كذلك إدراج سوار الذهب الذي وعد وأنجز في السودان، ولد الفال كذلك في موريتانيا.
رابعا: عندما لا يخجل النظام يسلم رقاب الناس لمن لا يخجل من مسؤولين فيأتونه بالتقارير المزورة والبراهين المدسوسة، ورأينا اليوم كيف تتكشف الحقائق وكلٌ يلقي بالتهمة على الآخر.
خامسا: عندما لا يخجل النظام ينشئ اقتصادا بديلا يقوم على الخدماتية والوساطة والوكالة، حيث لا حاجة له بالاقتصاد القومي، فالهدف تقويه النظام فقط.
سادسا: عندما لا يخجل النظام يقوم بإدراج فكرة الحلولية الصوفية على قائده وعلى نظامه، في ما بعد فيصبح غير البشر فيه تتحرك الارادة الالهية، فيكتسب بالتالي صفتي الابدية والنقاء الالهيتين. سابعا: عندما لا يخجل النظام تصبح الاستفتاءات والانتخابات دليلا ملموسا على ذلك بأرقامها ونسبها المبسترة التي تتجافى مع الواقع المشاهد والمعاش لكل ذي بصيرة أو نظر.
ثامنا: عندما لا يخجل النظام لا يعترف بالزمن ولا بالعمر ولا بالمرض، وربما ولا بالموت فيبحث عن وريث، والمرأة التي تلده ويتوج قبل يومه لأن الشعب يخجل أن يقول غير ذلك.
تاسعا: عندما لا يخجل النظام يتصور من الشعب والمجتمع اعتماد الخجل في ممارساته مع النظام، لا بل ويراهن على ذلك وهنا تمام المفارقة، لا بد أن يخجل الشعب أمام إنجازات الرئيس والنظام، وعطاياه، وكراماته وهباته، وحقه الالهي في الحكم كقدر من الله.
إن المواجهة اليوم في ميدان التحرير ومدن مصر كلها تأتي لكي تضع حدا بين الإيمان والسياسة، لا يكفي الإيمان متمثلا في قيَمه ومعانيه، وفي مقدمتها الخجل والخوف من الله، وغيرهما أن ينشئ نظاما مستمرا ومتواترا، وذلك لاختلاف الأوعية التي تنساب داخلها هذه القيم وتلك المعاني من النفوس، لابد من السياسة والرقابة وصوت الشعب وعينه وربما سوطه كذلك، وهو ما تحاول هذه الجموع أن تضعه اليوم على أجندة السياسة والحكم في عالمنا العربي. لا يمكن بعد اليوم لنظام أن يتوقع من الشعوب أن تخجل منه، في حين يقوم باغتصاب حقها في الوجود والعيش الكريم بلا خجل وبكل صفاقة.
عبدالعزيز الخاطر[email protected]