زهرة مرعي
قالت نوّارة أحمد فؤاد نجم في كلمتها الأخيرة لغسان بن جدو، ومنه طبعاً لقناة الجزيرة ‘أوصيكم بثورة اليمن وليبيا والبحرين’. قالتها نوارة في برنامج ‘حوار مفتوح’ وهي المشغولة مع زملائها الثوار بمحاصرة وإزالة كل ما يقلق ثورة مصر من بقايا النظام القديم، وغيرهم من حراس الجمود، لم تكن قد رأت أن الجزيرة مع ثورة البحرين تتعامل بمقاييس إعلامية انتقائية ومختلفة.
بكل بساطة أوردت الجزيرة في شريطها المتحرك أن تويتر خصص أرقاماً لتلقي تسجيلات الليبيين، ولم يخصص مثيلها للبحرانيين. فبعد ثورة مصر، وذلك الانحياز الذي لا لبس فيه لرأي الشعب من قناة الجزيرة، اعتقدنا أن ذلك الموقف بات ‘مبدئياً ومعتمداً’ في كل ثورات الوطن العربي المأمولة، ومن المحيط إلى الخليج.
ففي الأسبوع المنصرم كتبت وفي هذه الزاوية بالتحديد، وفي ما يخص الاحتفاء بنجاح الثورة المصرية، ‘أن الجزيرة أم الصبي’، وقد أخذ علي قارئ ما قلته ولم يهن عليه القول بأن ثورة مصر ‘صبي’ وهذا ما لم أكن أقصده. فالمثل بحد ذاته يعني الاحتفاء بالمولود، وقد استعرت له الجزيرة أماً. أما في ما يعني ثورة البحرين فكان للجزيرة موقفها المختلف تماماً في الصورة والكلمة والمتابعة. هي تحدثت عن ‘مواجهات’. ولم يكن خبر البحرين مكتمل العناصر من صور الضحايا ورأي للثوار. ورغم ذلك الهجوم الضاري الذي شنه الجيش فجراً على النيام في دوار اللؤلؤة، ووقوع قتلى وجرحى بالعشرات، لم يكن كل ذلك محركاً لاستنفار إعلامي في القناة القطرية، يتساوى مع ما يستحقه الحدث. بثت الجزيرة مراراً وتكراراً تصريح وزير الداخلية البحريني ‘كان على الجيش أن يتدخل ليحمي الشعب من الانقسام’. إنما الرأي الآخر لم يكن موجوداً بالقدر نفسه، ليؤكد أو ينفي وجود ‘انقسام’ بنيوي خطير ومخيف في صفوف الشعب. مع أهمية التأكيد أن أي شعب لن يكون موحد الكلمة بالكامل حول اي موضوع. في تغطية الجزيرة لثورة البحرين كان الوضوح ظاهرا بقبولها مجازر الحكام في مكان، ورفضها في آخر تحت حجة ‘درء الفتنة الداخلية وردع المؤامرات الخارجية على حدود الأوطان’، أو لنقل بكل بساطة ‘درء المؤامرات الخارجية على حدود الخليج برمته’. إنه مفهوم ‘الأمن الخليجي’ الذي تداعى لحمايته، وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، فاجتمعوا سريعاً وفي المنامة تحديداً، ليقولوا: STOP الثورات لن تقترب من ضفافنا. إنه إذاً ‘التوافق أو التواطؤ’ الخليجي على ثورة البحرين. هو خوف من رياح تغيير خليجية تسقط عروشاً وتقضي على ملوك وأمراء وسلاطين.
وفي ما هي الجزيرة في موقف الاختيار فيما يتعلق بـ’مواجهات’ البحرين، كانت ‘العربية’ في حالة غياب عن الوعي، تجاهلت الضحايا من المدنيين، وانشغلت بهجوم المدنيين على الشرطة.
بعد الصدمة التي أصابت البحرانيين من قناة ‘الجزيرة’، فإن حقيقة ما هو جارٍ في الخليج سيكون موجوداً على قناة BBC العربية من الآن وصاعداً. ففي ثورة البحرين لم يكن للبحرانيين سواها في بث الحقيقة.
من ليبيا لليمن: الشعب يريد إسقاط النظامالأخبار الواردة من اليمن وليبيا تؤكد أن ‘الشعب’ مصمم ‘على إسقاط النظام’. من ليبيا تزداد مظاهر العنف الدموي، والشهداء يسقطون بالعشرات، هي الصور الواصلة على مدار الساعة. وبحسب الجزيرة والبي بي سي يبدو لنا أن النظام سيقاتل حتى بأسنانه، محاولاً التمسك بوجوده. والشعب بدوره يبدو متمسكاً بشغف التغيير وصولاً إلى الحرية والديمقراطية والعيش الكريم الذي ينشده. فالشعب الليبي الذي بات محاصراً بشعبين عربيين حققا النصر والحرية في تونس الخضراء ومصر البهية، يستمد قوته منهما. أما في التفاصيل وفي مسار الأمور على الأرض فكل ثورة تبتكر وسائلها النضالية، بحسب ما يفرضه عليها الواقع.
المؤسف جداً أن الثورة الليبية تشق طريقها المعبد بالدماء الغزيرة للشهداء والجرحى وسط غياب إعلامي عن ساحة الحدث. فالنظام الليبي القائم عمل لعزل ليبيا عن العالم. لكنه مهما فعل فلن يتمكن من الإطباق كلية على الحقيقة.
صحيح أن الثورة الشعبية اليمنية مستمرة ومتوهجة وتأخذ حيزاً جيداً في الإعلام، خاصة الجزيرة، لكنها وبشكل عام تبقى بعيده جداً عن الاهتمام نفسه الذي حظيت به الثورة المصرية. فلا يغيبنّ عن بالٍ، أن اليمن على أبواب السعودية التي لن تسمح بالتغيير الديمقراطي بالسهولة التي نتوقع. وكما هي مصر بوابة الشرق فاليمن بوابة الخليج، وأي رياح تغيير قد تدخل من تلك البوابة لا بد لها من متابعة مسيرتها، ولو بعد حين. لذلك نقول بأن طالبي الإعلام ‘الثوري’ على مدار الساعة، كما حصل في الثورة المصرية، لن يصلوا إلى مبتغاهم. فلكل ثورة مقوماتها الخاصة، ولكل إعلام حساباته ومعاييره المختلفة باختلاف الزمان والمكان. بدون شك هو محمد حسنين هيكللا أظنني أبالغ رغم عدم تأكدي القاطع، من أن الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل لم يظهر على أي من أقنية التلفزيون المصري منذ ثلاثين عاماً. فهو كان من المغضوب عليهم من النظام، رغم كونه من دافعي الضرائب التي مولت تلفزيون ماسبيرو ليعمل على تشويه الحقائق.
نعم هو محمد حسنين هيكل بكامل لياقته وهيبته مع محمود سعد، الذي أعاده نجاح الثورة إلى عمله مظفراً، بعد ان كان نظام مبارك قد طرده في بداية ايام الثورة. وكذلك أتاحت لهذا الكاتب الكبير والجليل أن يقول كلمته في الثورة المصرية ومن على شاشة التلفزيون الرسمي وتحت عنوان ‘هيكل الثورة’. هيكل قلق من الوضع القائم في مصر حالياً، رغم تأكده واطمئنانه الى أن الثورة محروسة برموش العيون ومن الملايين التي نزلت يوم الجمعة الماضي للاحتفال بنجاحها. هيكل قلق لعوامل عدة: ‘أزعم أن بعض القوى الدولية والأقليمية موجودة حتى اللحظة في شرم الشيخ’. ‘التلفونات لا تكف بين شرم الشيخ وأحمد شفيق’. قالها هيكل بوضوح متوجهاً للثوار: ‘البؤرة في شرم الشيخ يجب أن تزول’. ودعا إلى برنامج واضح، وإلى وضوح في التصرفات.
هذا بعض من هيكل البليغ والمراقب الدقيق. ‘فخدوا بالكو يا شباب’، خاصة أن أحمد شفيق لم ينطق حتى اللحظة بكلمة ثورة بل تطيب له كلمة ‘حركة’ بخلاف موقف الجيش.
وفي لبنان مشروع ثورة’الشعب يريد إسقاط النظام الطائفي’ ويافطة أخرى تتحدث عن 128 ديكتاتوراً في البرلمان اللبناني لم أتمكن من تحديد كامل كلماتها. شعاران حملهما مواطنان لبنانيان ووقفا أمام مجلس النواب في ساحة النجمة في بيروت، فيما كانت أبواب المجلس مقفلة والنواب في حال استرخاء منزلي، أو نميمة سياسية، أو بعضهم منشغل بتأليف الحكومة الجديدة. مواطنان لبنانيان فقط لبيا دعوة لمسيرة تدعو للعلمانية وصلت على الإنترنت. دعوة مميزة في لبنان المسكون بـ 18 ‘عفريتاً’ طائفياً، باستثناء المذاهب المسكونة بـ’عفاريت’من أنواع وأشكال قاتلة.
شابان علمانيان فقط لاغير لبيا الدعوة رغم كثرة العلمانيين. وجودهما استدعى استنفاراً أمنياً وتمّ توقيفهما والتحقيق معهما من قبل شرطة مجلس النواب. لماذا أنتما هنا؟ ومن وراءكما؟ تصوروا دائماً في بال الأنظمة العربية وحتى في لبنان الموصوف بـ’الديمقراطية’ هناك مدسوسون ومدفوعون.
حكاية هذين الشابين وصلتنا عبر برنامج للنشر من قناة الجديد، والأمانة اقتضت الذكر والتذكير، والتأكيد بأن العلمانيين في لبنان لم تدب في شرايينهم دماء الثورة بعد. وكذلك نلفت نظر المعنيين بأن إضافة ‘الطائفي’ إلى الشعار التونسي والمصري الشهير أفقده انسيابه الموسيقي الرنان. إبحثوا إذاً أمر الشعار مع موسيقي شعبي علماني ليأتي بسواه ولا يخرج عن النوتة.
لماذا غاب استوديو القاهرة عن العربية؟
يوم الجمعة في 11 شباط/فبراير حين استقبل حافظ الميرازي في برنامجه ‘أستوديو القاهرة’ على قناة العربية الإعلامي حمدي قنديل، الذي كان ممنوعاً من الإعلام السعودي، ودعنا على أمل اللقاء في الجمعة المقبل في 18 شباط/فبراير في حلقة عن السعودية. بعدها سادت تكهنات عن إقالته أو استقالته، نفى هو بعضها كما قرأنا في عدد من المطبوعات. انتظرنا 18 شباط/فبراير بفارغ الصبر لنتأكد من مدى ديمقراطية الإعلام السعودي أو تسلطه. كانت المفاجأة ومن دون تبرير ندوة معدة سابقاً في دافوس تحت عنوان ‘إيران المحظور الآتي’. أدار الحلقة هشام ملحم مدير مكتب العربية في واشنطن، وغاب حافظ الميرازي من دون أن ندري لماذا وإلى متى؟ ربما يأتي الجواب في الأسبوع المقبل. غسان بن جدو فضله متنحياً’حوار مفتوح’ مع الزميل غسان بن جدو جاءنا هذه المرة من القاهرة، مستضيفاً الشاعر الجميل جمال بخيت، نوارة أحمد فؤاد نجم والمخرج خالد يوسف. كان حواراً لطيفاً ومفيداً مع ناس عاشوا في ميدان التحرير حتى أينعت ثمار الثورة فاحتفلوا بقطافها، ولا زالوا يرعون الثمار المتبقية بأهداب العيون. في هذه الجلسة فضل بن جدو تعبير الرئيس المتنحي على المخلوع. فارت نوارة… ‘إحنا تبهدلنا البهدلة دي عشان تقول إنت: المخلوع’. إنه الوضوح في النتائج والأهداف التالية.
صحافية من لبنان [email protected]