‘المستطرف الأزرق’ للسوري خطيب بدلة:
دمشق ـ من أحمد عمر: يقول الباحث السوري بو علي ياسين في مقدمة كتابه ‘شمسات شباطية’ الذي جمع فيه سربا من النوادر: أن أجدادنا كانوا يشدون الرحال بحثا عن المستطرفات للقاء من سمعوا عن أصحابها وتوثيق مصدرها أو لإثبات واقعية أحداثها، وكانت الطرف تتجاوز المتعة إلى العبرة والمعرفة وهي تصلح كمصادر لنا لدراسة الواقع الاجتماعي والاقتصادي في تلك الأزمان. ومن كتب المستطرفات الشهيرة: ‘الأغاني’ لأبي فرج الأصفهاني، و’ العقد الفريد’ لابن عبد ربه، و ‘البخلاء’ للجاحظ، و ‘المستطرف في كل فن مستطرف’ للابشيهي، و ‘زهر الآداب وجمع الجواهر في الملح والنوادر’ لأبي إسحاق الحصري و ‘أخبار الحمقى والمتحامقين وأخبار الظراف والمتماجنين وكتب الأذكياء’ لابن الجوزي… وها هو الأديب السوري الظريف خطيب بدلة وقد مرت عشر سنوات على صدور كتاب ‘شمسات شباطية’ لبو علي ياسين ينفر – خفيفا وثقيلا – لجمع قدر طيب من الطرائف بعضها خاص بالمؤلف كبطل أو شاهد أو سامع، ثم هنالك فصول لطرائف ( ما إلها علاقة بالسياسة)، وجناح خاص بالسجون، وطرائف ظرفاء الكاس والطاس والطب، والأدباء والرياضة وأهل الفن وطرائف اجتماعية وطرائف حمصية. أما القسم الأخير فهو الزائد والنافل فهو لطرائف من كتاب ‘شمسات شباطية’ الموجود في الأسواق!
ويجدر بنا أن ننوه، بأسرع ما يمكن، إلى أن كتاب بدلة لا علاقة له بالنكتة المحفوظة التي يتداولها الناس في مجالس السمر والفرفشة.. فحقوق الصيد محفوظة.
يقول المؤلف في المقدمة ( كتاب ‘المستطرف الأزرق’ يختلف عن كتاب ‘شمسات شباطية’ في ناحية مهمة، وهي أن المرحوم بو علي ياسين اتبع في كتابه طريقة التوثيق، فكان يأخذ الطرفة من مصدرها الأصلي، بصياغتها الأصلية، ويثبتها في كتابه دونَ تَدَخُّلٍ منه، حتى ولو كانت تنطوي على أخطاء في صياغتها اللغوية. ويشير في أسفلها إلى المصدر. وأما أنا فقد صغتُ الطرائف التي حصلت عليها بأسلوبي الخاص، وكأنني أنا مؤلفها الأصلي. وهذا، باعتقادي، أحسن). وأما عن تسميته بـ ‘المستطرف الأزرق’ فله حكاية، فقد اخبر صاحبه حسن م يوسف بأنه ينوي تأليف كتاب بعنوان ‘المستطرف الكبير’.. وشرح له فكرته.
فنصحه وقد هالته صفة الكبير أن يسميه ‘المستطرف البديل’. الا ان بدلة لم تعجبه كلمة ‘البديل’ لأنها تذكره ببعض المزعبرين الذين يقتلون الناس بالأعشاب. ( وفي كل الأحوال فإن كتابي هذا سيكون كبيراً جداً، وقد يصل إلى عدة أجزاء.. هذا مع أنني لا أحب الكتب ذات الأجزاء، فالقارىء، إذا حصل على الجزء الثاني من كتاب ما، وهو لم يطلع على الجزء الأول، فسوف يبتعد عنه، معتقداً أنه سيضيع متعة القراءة. ولذلك لن أرقِّمَ الأجزاء، بل سأعطيها علامات فارقة لها علاقة بلون الغلاف. فأسمي الجزء الأول، مثلا: المستطرف الأزرق.. والثاني المستطرف الأخضر.. وهكذا. ادب المستملحات السوري لا يزال وفيا للقديم، ويختلف عن الأدب المصري الساخر الذي يتقدم عليه بالتأمل ونجد مثاله في إبداعات عمر الطاهر وأسامة غريب. نماذج زرقاء من كتاب بدلة الجميل:
في سجن المزةسُجن الشاعر ( قاف) في سجن المزة العسكري سنة 1959 بتهمة انتمائه للحزب الشيوعي. وكان على المهجع الذي يقيم فيه سجان طيب القلب اسمه خليل، يحب السجناء السياسيين، وهم يحبونه، ولكنه كان يتقيد بتعليمات إدارة السجن، ولا يسمح بمخالفتها. من هذه التعليمات أنه لا يجوز أن يذهب السجناء إلى المراحيض إلا ضمن الفترات المحددة.
وعلى ما يبدو فإن الجو الرطب في السجن يضطر السجناء للتبول في فترات متقاربة، وكانوا يرجون خليلاً أن يسمح لهم بالتبول عند الضرورة، فلم يستجب، فقال له ( قاف):- إذا كتبتُ لك بيتين من الشعر خلدتُكَ بهما، هل تسمح لنا بالتبوُّل في غير الأوقات المحددة؟
سر خليل لهذا العرض، وقال وهو يبتسم: موافق.
فقال ( قاف): يا أبا الخـلِّ سـلامـاً من شذى المسك يطخُّأنت حَـبَّــابٌ ولكناتركِ الشَّعْــبََ يشخُّ( ملاحظة: على اثر هذين البيتين أصبح الشخاخ في ذلك المهجع كيفياً!)رفيق صادقفي حملة الاعتقالات للشيوعيين، أيام الوحدة ( اللي ما يغلبها غَلاب)، ألقيَ القبضُ على مناضل عنيد، اسمه ـ فرضاً – ( زيد)، وهو رجل قوي الإرادة والشكيمة رُبِّيَ في مدرسة الحزب تربية صارمة، تعلم فيها ألا يعترف بكونه شيوعياً، مهما كلف الأمر، ومهما كسَّر السجانون من العصي على قدميه، لأن الاعتراف يعني التخاذل، والتخاذل يؤدي إلى الانهيار، والانهيار يصب في مصلحة الاستعمار والإمبريالية والرجعية وأذناب الاستعمار.
سئل ( زيد) أثناء التحقيق عما إذا كان شيوعياً، فأنكر، ضُرِبَ على قدميه فأنكر، عُذِّب بأحدث الآلات المتطورة المخترعة في المعسكرين الإمبريالي والاشتراكي، فأنكر.. تعرض لأكثر من عشر جلسات تحقيق وتعذيب، فلم يتوصل المحققون معه إلى نتيجة.
أخيراً قال لهم مدير السجن: يبدو أنه بريء فعلاً.
وأمر بتسليمه وبإخلاء سبيله.
وَقَّع مديرُ السجن على وثيقة إخلاء سبيل زيد، وسلمه عهدته، واعتذر له عن كل عصا، وكل دولاب، وكل لسعة كهرباء تعرض لها أثناء الاعتقال. وشرح له أن ما يفعلونه في السجن مع المعتقلين أمر لا بد منه في سبيل حماية أمن الوطن من المؤامرات… وكنوع من الإمعان في الاعتذار لزيد عما بدر من السجانين، قرر مدير السجن أن يرافقه إلى الباب الخارجي، وخرجا معاً، ومدير السجن وضع ذراعه على رقبة زيد بمحبة أخوية، وشرع يُضاحكه ويُمازحه، حتى أصبحا في الشارع، وتنشقا الهواء الطلق معاً. وقتها قال مدير السجن:- الآن، كل شي مضى وراح، أحلفك بصلاة محمد، وهذه يدي على رأسك، أنت شيوعي أم لا؟
قال زيد: أنت حلفتني بصلاة محمد، وصلاته تحيي القتيل.. نعم.. أنا شيوعي!
مطلوب: معلقون رياضيون ( نشرت هذه المقالة على هيئة إعلان غير مأجور في جريدة ‘النور’ 19/5/2002)قناة رياضية عربية، سيجري افتتاحها عما قريب، تعلن عن حاجتها إلى التعاقد مع معلقين رياضيين سوريين، برواتب مغرية، وضمن الشروط التالية:
أن يجيد المعلق التحدث من فمه، وليس من أنفه.
حينما يعلق على مباراة بكرة القدم بين فريقين محددين، يجب أن يحفظ اسمي الفريقين، فلا يذكر أثناء التعليق أسماء فرق أخرى لا علاقة لها بالمباراة، أو ينسب الألعاب التي تجري أمامه إلى لاعبين غير موجودين ضمن هاتين التشكيلتين!
أن يكون مستعداً لعدم إدخال (الـ) التعريف على أسماء اللاعبين الذين تخلو أسماؤهم منهـا. كأن يقول ( ألحربا يرسل ألكرة لألكردغلي) وإنْ أصرَّ على ( الألألة) فعليه أن يميز بين همزة القطع وهمزة الوصل.. هذا إذا كان مصراً على التحدث بالفصحى، وإلا فليتحدث بالعامية، وأمره وأمرنا لله.
ألا يذكر للمشاهدين الذين يخاطبهم معلومات يعرفونها أكثر منه، كالقول بأن الحكم هو الميقاتي الوحيد، أو أن الحارس لا يحق له التقاط الكرة إذا أعيدت إليه بقدم زميله المدافع، أو أن كل فريق يسعى لتحقيق الفوز على الآخر ( فمن غير الوارد بالطبع أن يسعى أحد الفريقين لتحقيق الخسارة!). أن يبتعد عن استخدام كلمة ( جداً) في التعليق. فأحيانا تطلع معه هذه الكلمة في غير مكانهـا، كقوله ( سهلة جداً على الحارس)، وإذا بها تدخل في المرمى، ولا عشرين حارس قادرون على صدها!
وكذلك يستحسن حذف كلمة ( واضح) من قاموسه اللغوي. كقوله ( خطأ واضح) تليها عبارة ( الحكم يقول: ما فيها شي، العب). أن يمتنع عن استخدام العبارات العويصة غير المفهومة كقوله، مثلاً: كرة أرضية زاحفة تعلو المرمى بقليل!!! أن يعلق على المباراة من أرض الملعب وليس من خلال جهاز (المينيتور). فأحدهم كان يقول في إحدى المبارايات: هدف ثان بنفس الطريقة ونفس السيناريو. وبالطبع لم يكن ثمة هدف ثان، بل كان صاحبنا يتفرج على الإعادة البطيئة للهدف نفسه على (المينيتور)! لا يشترط بالمعلق الرياضي أن يتحدث طيلة المباراة، فإذا لم يكن لديه شيء يقوله فليصمت، ونحن، بالنيابة عن الجمهور، مسامحينه.
أن يقلل قدر الإمكان من استخدام كلمة ( عم بتكون).. وفي كل الأحوال لا يجوز أن يزيد معدل استخدامها عن 50 ( عم بتكون) في كل شوط.
أن يمتنع عن الصياح بكلمة: الله الله..!! لأننا نتفرج على مباراة ولا نستمع إلى المطرب صبري مدلل، وأن يتحاشى استخدام كلمة ( حرام) فهو معلق وليس (مفتياً). ملاحظة أخيرة: لا داعي لإرسال واسطة إلى المحطة من أجل التعاقد، فهي محطة خاصة، وليست حكومية! خيال علي خلقيالتقيت برائد القصة السورية علي خلقي في مهرجان للأدباء الشباب في مدينة الرقة سنة 1983. إنه رجل مبدع، لماح، شفاف، كان يحرص على مجالستنا نحن الأدباء الشباب ومبادلتنا الحديث. حكى لنا في إحدى سهرات ذلك المهرجان قصة ما تزال محفورة في ذاكرتي حتى الآن. قال ما معناه إن فتاة حسناء رقيقة من حارته بدمشق لم يكن لها معيل سوى أخيها الذي تركها و( غَرَّبَ) خلف الرزق الذي كان ( يشرِّقُ) في عكس الاتجاه. جاءته تلك الفتاة الجميلة وطلبت منه أن يكتب لها ( مكتوباً) لأخيها، تستعطفه فيه عسى أن يترك الغربة ويرجع، أو على الأقل يرسل لها من المال ما يحميها من العوز. كانت تملي عليه قائلة إن الشغل في بيوت الناس قد هد حيلها، وجعل حياتها جحيماً، فهي تستيقظ في الصباح الباكر، وتذهب إلى أحد بيوت الأغنياء، وما تنفك تعمل حتى تغيب الشمس، وهذا كله لقاء أجر زهيد.
وهو، علي خلقي، يعرف أكثر مما يعرف غيره، نقطة ضعف الرجل الشرقي الذي لا يشتري تعب أخته وشقائها بقشرة بصلة، لذلك شرع يكتب كلاماً آخر غير الذي أملته عليه الفتاة. كتب لأخيها، على لسانها: ماذا أحكي لك يا أخي؟ إن ابن صاحبة البيت، التي أشتغل عندها فتى طائش، بمجرد ما أدخل إلى بيتهم يرابط فيه، ويعود لا يغادره مهما كلف الأمر، في البداية كان يوجه إليّ نظرات ترمي الطائر، وأنا أهرب منه، ثم شرع يدنو مني رويداً، والبارحة بالتحديد ( قرصني!)، فلم أجرؤ على الصراخ، خشية من الفضيحة، وخوفاً من أن تطردني أمه فلا أجد من يشغِّلني عنده بعدها، فأجوع و( أتشرشح)، وأضطر لأن أنحرف، لا سمح الله.
قال: وبالفعل، بعد أول رسالة، والثانية التي كانت من عيار أثقل من الأولى، ترك الأخ الغائب غربته وعاد!