وهج السينما في رثاء درويش والمليجي وأمينة رزق

حجم الخط
0

يحفر بيد واحدة ويكتب باليد الأخرى ويمشي على إيقاع ضحكته!

القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من كمال القاضي: الكتابة عن إبداع صديق يشاطرني حب السينما محنة أشد! ليس الحفر بيد واحدة هو فقط المهمة الشاقة، أشياء كثيرة صعبة، لا سيما إذا ما تحول الفن للغة تخاطب وصار الرثاء ماهية التعارف والاستفسار عن الشعراء الكبار الراحلين. عندما تطور رحلة الغياب وتبعد المسافة الزمنية بيننا وبينهم، تفرض تقنيات السينما نفسها على الشاعر سامح محجوب الإعلامي النشيط بقناة ‘نايل سينما’ فيصوغ صوره الشعرية بديوانه ‘الحفر بيد واحدة’ لقطات وكوادر ضوئية حية يزينها إطار زخرفي ملون بألوان الشاشة الفضية تحوي معاني ومضامين لسيناريو جاهز التنفيذ يحكي حكاية محمود درويش، الباحث في رحيله عن رحلته ومستقبل بلاده وأولاده، فهو الذي أتعب نفسه في الحضور وفي الغياب، وأمضى زمنا في المشي على إيقاع ضحكته، وكما هو درويش يمشي أيضا مئات من الرجال والنساء والأطفال فوق أرض سرقت من تحت أقدامهم، ولكنهم يواصلون المشي رغماً عن إرادة المحتل، ويودعون الليل تلو الليل ويستقبلون الصباح تلو الصباح ويزرعون الأرض شعرا وينشرون الأناشيد على النوافذ وفي الحقول، وطن يحب أبناؤه الحياة ويعشقون المسرح والسينما والفن التشكيلي، تمام الأكحل وإسماعيل شموط ومارسيل خليفة ورشيد مشهراوي ومريد البرغوثي وأمل إبراهيم وجوليا بطرس، كل هؤلاء وغيرهم لا يفصلون أيامهم عن إبداعهم، ظاهرة يرصدها محجوب، ابن السينما والشعر ويرمز إليها بقصيدة تحمل اسم محمود درويش وروحه في مفتتح ديوانه ويذهب في نسج ما يجيش به صدره ويحمله وجدانه المخصب بالحنين والوجع فيكتب أورادات ليست صوفية، ولكنها تذكي الأذكياء وتفضح الأدعياء والمتورطين في النفاق والتدليس والمنسحبين من ساحة المعركة ـ المنبطحين تحت أقدام عدوهم، يجدد الشاعر أحزان العروبة والأوطان حين يقول: إن مات السيد قام السيد نحن عبيد السيد وابن السيد، فليحيا السيد في الأرضين في القصر العالي، فوق رقاب الأنهاروفوق رقاب الأزهار، فوق الفوق وتحت التحت وبين رفات الزمن الدوار!

ويستنكر سامح محجوب أيضا سكوت الشعوب ويعوض ذلك بالحث على الإبداع، فالقصيدة تقاتل والأغنية تقاتل والموسيقى جرس إنذار والكتاب ذاكرة والسينما مرآة والإعلام نبض والكلمة حياة تدب في أوصال البشر المنسيين، مرة أخرى يؤكد الإعلامي والشاعر أن الحفر بيد واحدة قدرة وأن ما ينطبق على الإبداع الشعري ينطبق على الإبداعات الأخرى، فقد انتهى لتوه من كتابة فيلمين تسجيليين عن رمزين كبيرين هما محمود المليجي وأمينة رزق يحكي خلالهما عن مسيرتين مضنيتين من العمل الشاق في دروب السينما والمسرح والتلفزيون، فأروع ما يميز الإنسان عن الإنسان هو الموهبة وما حباه به الله من فراسة الاستنباط والحس الجميل، يشير الفيلمان الى أوجه كثيرة من حياة المليجي وأمينة، ‘الشرير والأم’. كونيتان رغم اختلافهما مقبولتان بنفس الدرجة لدى المشاهد، وهو ما يفسر إبداع الأداء وتأثيره السحري، إذ لا فرق بين الخير والشر طالما توافرت بلاغة المعنى واجتهد الممثل في أن يضع كل طاقته الفنية في الشخصية التي يؤديها. ويكشف لنا فيلم المليجي على وجه الخصوص أن الرجل لم يكن شريرا محضا على الشاشة وإنما تبدت سجاياه النبيلة في أعمال آخر العمر وله في ميزان حسنات السينما فيلم ‘الأرض’ نموذجا، فهو بشحمه ولحمه محمد أبو سويلم الفلاح العنيد يحتضن أرضه حتى الرمق الأخير ويرويها من ماء النيل رغم أنف حكومة الإقطاع، وفي فيلم ‘أيوب’ يؤدي نوعا خاصا من اللون السينمائي ويموت في البلاتوه لا يفارق موهبته ولا تفارقه، كذا أمينة رزق أم لملايين المعجبين والمعجبات من المحيط الى الخليجي يقدمها الفيلم التسجيلي من وجهات نظر مختلفة ويروي عنها ما لم يعرفه الكثيرون، حبها للمسرح ويوسف وهبي واقترابها في العلاقة الإنسانية من الفنان القدير محمود مرسي وإحجامها عن الأضواء لفترة طويلة من حياتها، إصرارها على الموت واقفة كشجرة لم ينضب عطاؤها أبدا طوال رحلتها الفنية المديدة، فنون وشجون تضمنتها تفاصيل ما حواه فيلمها وما خطته يد محبة للسينما وأبطالها، فاليد التي تكتب الشعر لا تعجز عن كتابة السير الذاتية بنفس الرهافة، ولعل ما يميز قناة نايل سينما وجود عناصر بين كوادرها يملكون إحساس الفنانين المتمرسين على كل أشكال الإبداع ولديهم من الثقافة العامة ما يؤهلهم للعب أدوار كثيرة على الساحة، فهم البناؤون الحقيقيون لثقافة التنوير، الرافضون للجهالة والظلام في مربع ضيق يتحرك فيه المثقفون الأصليون بصعوبة وسط أجواء ملبدة بالعواصف والغيوم والأنواء، حيث الأفق ليس به غير ما هو منظور، والغذاء بات فيما يعرض من شعر ويكتب من نثر وتصنعه الصورة السينمائية من وهج حتى ولو لم يكن حقيقيا، تكريم محمود المليجي وأمينة رزق لم يأت من فراغ ولا من قبيل الرفاهية وإنما جاء تعبيرا عن الانحياز للزمن الماضي ورغبة لا شعورية في إحياء الرموز ـ كل الرموز، الفني منها والثقافي والسياسي وغيرها، المناسبات ما هي إلا غطاء تمر تحته الشخصيات وتقلل بها الاحتفاليات، مائة عام وإحدى عشرة سنة مضت من تاريخ السينما المصرية ولا يزال الاحتفال بها مقصورا على رموزها الكبار، مما يعكس أن مسافة شاسعة تفصل بين الأمس واليوم تجعل الانحياز حتمياً إلى الماضي والتطلع إلى الأفضل مرهونا بغد جديد تسطع فيه شمس صافية ويذوب الجليد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية