بغداد ـ ا ف ب: في الوقت الذي ينتفض فيه مواطنون في دول عربية كثيرة لاسقاط انظمتهم او للمطالبة بمزيد من الحرية، يتظاهر العراقيون الذين سقط رئيسهم صدام حسين في 2003، ضد حكومتهم للمطالبة بتحسين خدمة الكهرباء.
ففي الوقت الذي تتسع فيه بقعة الاحتجاجات المطالبة بالديمقراطية في البلدان العربية، تختلف طموحات المحتجين في العراق الذي اطاح غزو قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة بنظامه السابق. وتركزت الاحتجاجات السلمية على شجب غياب الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه في انحاء مختلفة من العراق خلال الاسبوعين الماضيين، وانصب غضب المتظاهرين على حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي. وانطلقت التظاهرات من وحي انتفاضتي مصر وتونس اللتين كانت الانترنت محركهما الاساسي لتطيحا بنظامين لا يحظيان بشعبية في كلا البلدين، كما نظمت بعض التظاهرات في العراق من خلال التعبئة لها عبر موقع فيسبوك. ودعت مجموعات ‘لن نصمت’ و’بغداد ليست قندهار’ و’الثورة الزرقاء’ الى تنظيم تظاهرة في عيد الحب احتجاجا على الفساد و’جشع’ بعض المسؤولين العراقيين، مطالبة بتوفير فرص العمل وتحسين خدمات المياه والكهرباء ومرافق الصرف الصحي. ودعت مجموعات اخرى على موقع فيسبوك الى تظاهرة حاشدة في 25 شباط/فبراير في بغداد اطلقوا عليها اسم ‘ثورة الغضب العراقي’، وطلبت من المواطنين التجمع بأعداد كبيرة احتجاجا على مشاكل عدة، ابرزها نقص الكهرباء. وقال كارناس علي احد المدونين على موقع ‘فيسبوك’ ان ‘هدفنا ليس لتغيير الحكومة، انما نريد اجراء اصلاحات فقط’. بدورها، قالت انعام وحيد وهي من مئات المحتجين في احدى التظاهرات ببغداد، ان منزلها بدون كهرباء منذ خمسة ايام. في حين كتب متظاهرون في مدينة الفلوجة، غرب بغداد، لافتة كتب عليها ‘لا حياة بدون كهرباء’. يشار الى ان المئات من العراقيين الغاضبين خرجوا الصيف الماضي بتظاهرات في العديد من المدن الجنوبية احتجاجا على نقص الكهرباء في الوقت الذي بلغت فيه درجة الحرارة انذاك 54 درجة مئوية. وأظهر مسح اجراه معهد واشنطن الدولي ان العراقيين الذين شملهم الاستطلاع في الصيف الماضي يعتقدون أن الخدمات الاساسية مثل الكهرباء هي المشكلة الاهم في البلاد وتتقدم حتى على مشاكل فقدان الامن. وكان بول بريمر الحاكم المدني في العراق الذي تولى قيادة سلطة الائتلاف المؤقتة ما بعد الغزو وعد العراقيين في اب/اغسطس 2003، قائلا ‘بعد نحو عام من الان، للمرة الاولى في التاريخ، سيحصل كل عراقي في كل مدينة وبلدة وقرية على القدر الذي يرغب به من الكهرباء خلال 24 ساعة في اليوم’. لكن بعد مرور ثماني سنوات لا يحصل العراقيون على اكثر من اربع ساعات من الكهرباء يوميا. يشار الى ان شبكة الكهرباء في العراق، سواء محطات التوليد او محطات التجهيز عبر خطوط نقل الطاقة، تعرضت للتدمير خلال حرب الخليج الاولى 1980-88 ومن ثم حرب الخليج الثانية عام 1991، والى التقادم اثر عقوبات الامم المتحدة التي تلت ذلك، واخيرا الى غزو دول التحالف بقيادة الولايات المتحدة الامريكية في اذار/مارس 2003. ووفقا لدراسة اعدتها مؤسسة ‘بارسونز برينكيرهوف’ الامريكية لصالح وزارة الكهرباء العراقية، كشفت عنها النقاب الشهر الماضي، فان قطاع الكهرباء في العراق يحتاج لاستثمارات بقيمة ثمانين مليار دولار خلال الاعوام العشرين المقبلة لتلبية احتياجات العراق، وهو ما يقارب ميزانية البلاد لعام 2011 باكملها. وافادت الدراسة انه اذا ما طبقت خطة الاستثمار والتوصيات المتعلقة بها، وفقا لجدول زمني فإن ‘كمية الطاقة ستكون كافية لتلبية الطلب العراقي مع احتياطي كاف، بحلول عام 2013 أو 2014’. لكن الحكومة تتخوف في الوقت الحاضر من حرارة الصيف وتفكر بما يجب فعله قبل ارتفاع درجات الحرارة والغضب في الصيف المقبل؟ وينتج العراق حاليا بالاضافة الى ما يستورده من ايران وسورية 6500 ميغاواط، في حين يقدر الطلب على الكهرباء 13500 ميغاواط، وهو يتصاعد بصورة مستمرة. فيما تنتج المولدات التابعة للقطاع الخاص التي تنتشر في جميع ارجاء البلاد نحو 5000 ميغاواط، مما يعوض بطبيعة الحال عن النقص الحاصل، لكن لا يستطيع كل شخص دفع اجورها. بدوره، قال الجنرال جيفري بوكانن الناطق باسم القوات الامريكية في العراق ان ‘اكبر مشكلة في قطاع الكهرباء برأيي هو الفرق بين العرض والطلب’. واضاف ان ‘كميات التجهيز تتزايد بسرعة ولكن كميات الطلب تفوق ذلك’ لان العراقيين الذين حرموا من السلع الاستهلاكية خلال 13 عاما من الحظر اثر العقوبات التي تلت غزو صدام للكويت في 1990، يعوضون عن ذلك اليوم. وتغص المحال التجارية بالاجهزة الكهربائية مثل البرادات واجهزة التكييف بسبب تدفقها منذ 2003 بعد خفض رسوم الاستيراد بشكل كبير. وتنتشر العلامات التجارية العالمية المعروفة مثل توشيبا وباناسونيك وال جي وسامسونغ، في شوارع بغداد التي مزقتها الحروب من قبل. وقال عادل مهدي مستشار وزارة الكهرباء ‘الكثير من المعدات اللازمة لتعزيز توليد الطاقة تم شراؤها بالفعل وتسليمها الى العراق’ لكنه اكد ان الامر سيستغرق ما لا يقل عن 12 الى 18 شهرا حتى يمكن تركيبها وبدء تشغيلها’. واضاف ‘بحلول الصيف المقبل سيكون لدينا قدرة توليد اضافية تبلغ 1,500 ميغاواط، ولكن سيتم استهلاكها عبر زيادة الطلب’. وتابع ‘اتوقع ان الوضع في الصيف المقبل سيكون مثل الصيف الماضي، ما يعني انه سوف لن يكون هناك اكثر من ثماني ساعات تجهيز (يوميا) في الصيف القادم في عموم العراق’.