نائل بلعاوي هي اللحظة الأجمل، الأرفع، والأكثر عمقا، والأكثر شفافية وإلهاما.. لأنها الأصدق. لأن الزمن العربي لم يعرف مثلها أبدا. لأن التاريخ لا يقف في كل يوم على رأسه، ولا يفتح في كل يوم بابا، مثل هذا الباب العظيم الذي تدلف عبره الحياة إلى ذاتها الحقيقية، في رحلة استرجاع مؤلمة.
ولكنها جميلة في آن، للمكونات الطبيعية لتلك الذات. ولعل الحرية، تلك الرائعة، المشتهاة هي إحدى المكونات الأكثر رفعة ورقيا، من بين جميع العناصر الأخرى التي تتشكل منها الحياة برمتها فلا حياة حقيقية في نهاية المطاف، دون حرية حقيقية ومطلقة.
في شارع الحبيب بورقيبة في تونس إلى ميدان التحرير في القاهرة. راحت الحياة العربية تلك التي غابت لقرون طويلة، تبحث للمرة الأولى عن نفسها، عن ألقها الذي غلفه العفن وعن نبضها الذي خفت ولم نعد نسمع له صوتا، وكأنها ماتت.. لنكتشف بدفعة واحدة، عبر الشارع الجميل ذاك وهذا الميدان الرائع الآن، أنها لم تمت. وها هي ترجع مرة أخرى، هي المرة الأولى ربما؟ لتستعيد صورتها، وتنتفض عن وجهها غبار الشيخوخة الرديء ولتدخل بلا كيف؟ ولماذا؟ ومتى؟ سحر الشباب، عذوبة وجاذبية الشباب، وتصير هي أخيرا شابة من جديد.
كانت الحياة العربية قد هرمت تماما، وكان علينا نحن الذين هرمنا معها، ودخلنا معها مرحلة اليأس بل تجاوزنا حدودها بكثير، أن ننتظر ردة فعل تعيد شبابها إليها وشبابنا إلينا، تبدو كلمة ـ ننتظر- هذه في غير موقعها الصحيح الآن. فلم يكن أحد منا، ها أنا اجزم ولأول مرة حول أمر ما، ينتظر، أو يتوقع ما تابعناه لحظة بلحظة في تونس، وما نتابعه بخوف وفرح كبيرين في مصر الآن.
فما حدث كان مفاجئا تماما. إنه نوع من التدفق الجمالي الكلي الذي نادرا ما تعرفه دورة الحياة، ونادرا ما يلتقط، ولكنه حين يحدث وهو فجائي عادة، يتجاوز حضوره ما عداه، ويترك آثاره الخاصة إلى أبد الآبدين.
حين يعود الشباب من ميدان التحرير، كما عاد رفاقهم، من شارع بورقيبة إلى بيوتهم آمنين، بعد أن أنجزوا معا مهمة إعادة الحياة العربية إلى شبابها المنشود. سيكتشف العربي عقلا ووجدانا، أن أحداث اللحظات المقدسة تلك، لم تكن مجرد هتافات صاخبة لمجموعة من الشباب، ولا هي مجرد حركة احتجاج ضد أنظمة لا يمكن وصفها إلا بالقذرة، ولا هي بالمظاهرات المطالبة بإصلاح النظام الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي والطبي.. إلى آخر ما هو كل فاسد في العالم العربي.. بل هي إلى جانب كل ما نقدم، ثورة تغيير شاملة لن تأخذ في طريقها تلك الأنظمة ظلامية البعد والمعنى، فحسب، بل ستتعدى ذلك بكثير لتطال كل ما اعتاد عليه العربي من ثقافة وسلوك، بدءاً من الشعر والقصة والمسرح مرورا بالاقتصاد وعلوم الاجتماع، وصولا لآلية التعاطي مع الإسلام، وأحادية النظرة إليه، تلك النظرة التأويلية التي انتجت ‘ثقافة السلطان’ الحاكم بأمره في البلاد العربية!!! ستطال الثورة الحقيقية هذه كل ما هو عربي وتعيد إنتاجه من جديد ليصبح جديرا بالحياة، جديرا بالحرية، قلبها الفعلي، فإذا كان لا بد من التغيير، فليكن تغييرا شاملا وعميقا، وليس سطحيا ومشخصنا، كما اعتدنا عليه في ( التغييرات) العربية السابقة. وكانت تونس في كانون الثاني ( يناير) 2011، هذا الشهر العربي بامتياز، قد تنبهت لحيلة تغيير رأس النظام تلك ( التغيير السطحي والشكلي) فتم العمل، ولا يزال يتابع، ليس من أجل إسقاط زين العابدين فقط، بل إسقاط النظام الذي مثله بالكامل. وهذه المفارقة الهائلة هي التي تدور من حولها المعركة العنيفة في مصر الآن، فالشباب يعرفون الحيلة إياها، ولن يغرر بهم. التغيير الحقيقي والشامل هو الذي قدمت تونس وأشارت إليه، وهو ما تقدمه مصر اليوم وتزحف نحوه بعنف وإصرار لا مثيل لهما، فاللحظة مناسبة، والتاريخ يفتتح الآن كما لم يفعل من قبل، بابه العظيم الواسع، وما علينا سوى مواصلة الكفاح لعبوره، فهناك خلف ذاك الباب الذي ظل مغلقا في وجوهنا لقرون طويلة تنتظر الحياة بجنونها وفوضاها، بأفراحها وأتراحها، وبما تمثله من معان عظيمة لتلك الحرية الغائبة، فاللحظة هي مرة أخرى، وأخرى، لحظة مناسبة ولأنها اللحظة الأجمل والأصدق، والأكثر قيمة من كل ما عرفناه عبر تاريخنا الطويل المرير[email protected] *شاعر وكاتب من الأردن يقيم في النمسا