الباحثة المغربية ختيمة بوراس: الأزمة الاقتصادية العالمية جعلت من المهاجرين العرب كبش فداء

حجم الخط
0

الرباط ـ ‘القدس العربي’ ـ من منتصر حمادة يقف صدور كتاب ‘التعددية اللغوية والنجاح المدرسي لدى أبناء المهاجرين’ للباحثة المغربية المقيمة في ألمانيا، ختيمة بوراس وراء هذا اللقاء من باب تسليط الأضواء على بعض أحوال الجاليات العربية في بلاد المهجر الأوروبي (الألماني تحديدا)، تأسيسا على مقاربة الواقع التعليمي واللساني، وأيضا، قراءتها النقدية للكتاب الضجة الذي ألفه منذ بضعة أشهر تيلو زاراتسين، ودلالات النجاح الجماهيري للكتاب، وغيرها من القضايا، فكان هذا اللقاء.* صدر لك كتاب يحمل عنوان ‘التعددية اللغوية والنجاح المدرسي لدى أبناء المهاجرين’، لم نطلع بعد على الكتاب في المكتبات المغربية والعربية، إضافة إلى أنه صادر باللغة الألمانية. تطرقت في ثناياه إلى الواقع السوسيولساني لأبناء المهاجرين المغاربة، من خلال تحليل كفاءتهم اللغوية في كل من اللغة العربية والأمازيغية والألمانية، ومن خلال دراسة المناخ السوسيوثقافي الذي يعيشون فيه، حاولت الكشف على الصعوبات التي يواجهها أبناء الجاليات العربية وإيجاد حلول لتحسين وضعية الشباب. ما هي أهم خلاصات الكتاب؟* صدر الكتاب في ألمانيا وباللغة الألمانية، وكان أملي في أن يترجم في أقرب وقت إلى اللغة العربية أو الفرنسية حتى يصل إلى أكبر عدد من القراء والباحثين المهتمين بموضوع الهجرة المغربية خصوصا، لولا أن تكاليف الترجمة مع الأسف الشديد عالية جدا.

الهجرة المغربية إلى ألمانيا لها طابع خاص يميزها عن باقي الهجرات إلى الدول الأوروبية بما في ذلك فرنسا وغيرها. ففي سنة 1963 تم توقيع اتفاقية بين المغرب وألمانيا تنص على استقدام عمال من المغرب لسدّ النقص في اليد العاملة الألمانية. فمعظم المهاجرين المغاربة الذين قدموا أنذاك ينتمون إلى منطقة الريف.

لا بد من التذكير أيضا، أن هذه المنطقة كانت تربطها علاقة مميزة مع ألمانيا بحكم تجارة الحديد الخام المنتشرة آنذاك في الريف حيث كانت توجد مناجم الفحم التي كانت تستقطب عددا كبيرا من عمال هذه المنطقة، وهذا ما يفسر لنا اليوم تمركز ما يزيد على 50 ‘ من المهاجرين المغاربة في ولاية ‘نورد راين فستفاليا’ بغرب ألمانيا، والتي بدورها كانت تعد من أهم المناطق في أوروبا لانتاج واستخراج الفحم.

لقد كان المستوى التعليمي للجيل الأول من المهاجرين بسيطا للغاية، لكن مع مرور الأعوام تحسنت الأوضاع بشكل ملحوظ ولاسيما الوضع التعليمي لأبناء المهاجرين من الجيل الثاني والثالث، إلا أنه إذا قورِنَ بوضع الألمان، فلا يمكن التغاضي عن الفروق الواضحة بينهما، إذ أن عدد الأطفال المغاربة الذين يحصلون على الشهادة المدرسية التي تؤهلهم للالتحاق بالتعليم العالي لا يتجاوز 25 ‘، بينما تبلغ النسبة في المجموع السكاني العام 60 ‘. وفيما يخص العوامل المؤثرة في التفوق الدراسي لدى أبناء المغاربة، نجد أن هناك مؤثرات شتى تتفاعل بطريقة مباشرة أو غير مباشرة فيما بينها، ويعد العامل اللغوي حسب هذه الدراسة المؤثر الرئيس في التحصيل الدراسي.* ما هي أبرز الصعوبات التي يواجهها أبناء المهاجرين بالصيغة التي توصلت إليها في الكتاب تأسيسا على مقاربة الواقع التعليمي واللساني؟* ينشأ عادةً أبناء الجالية المغربية على لغتين: اللغة الألمانية والأمازيغية، فأكثرهم يتحدثون اللغة الألمانية اليومية (Basic Interpersonal Communicative Skills) بسلاسة وطلاقة مثل أبناء الألمان. أما اللغة الألمانية الأكاديمية (Cognitive Academic Language Proficiency) والتي يُعتمد عليها بالدرجة الأولى في الميدان العلمي والأكاديمي والمهني، فتشكل عائقا كبيرا لهم لتحقيق النجاح الدراسي أو التفوق العملي، ومما يزيد من حدة هذه المشكلة هو أن المستوى التعليمي البسيط للآباء والأمهات لا يسمح لعدد كبير منهم بتقديم الإعانة الكافية لأبنائهم بحيث أن 50 ‘ من الذكور و75 ‘ من النساء لا يجيدون القراءة والكتابة.

ثم هناك العامل السوسيوـ اقتصادي للآباء والذي يلعب دورا رئيسا في تفوق الأبناء ونجاحهم المدرسي، حيث تشير دراسات علمية عديدة إلى الارتباط الوثيق بين التحصيل الدراسي والوضع الاجتماعي والمالي للأسرة، وبناءً على هذا فإن أبناء عائلات العمال الألمان بالمقارنة مع أبناء عائلات الطبقة الغنية أو الوسطى يمثلون أقلية في الجامعات ونادرا ما نجدهم في المناصب القيادية، ومعلوم أن غالبية المهاجرين المغاربة في ألمانيا من طبقة العمال، وبالتالي فإن نجاح أبنائهم المدرسي يكون ضئيلاً للغاية.

وتواجه الأسر المغربية الكبيرة صعوبات بالغة في الإشراف على جميع أطفالهم ورعايتهم تعليمياً، حيث تمثل الدروس الخصوصية العالية التكلفة عقبة مادية يستعصي على عائلات المهاجرين المغاربة التغلب عليها؛ فليس من الغريب إذن أن تعجز هذه الأسر بمفردها عن مساعدة أطفالها في إنجاز الواجبات المدرسية والسهر على تحقيق تفوقهم التعليمي؛ ومن المؤسِف جدا أن الكثير من الآباء والأمهات لا يستوعبون النظام الألماني التعليمي استيعابا كافيا يُعينُهم على تحسين وضع أبنائهم الدراسي، على اعتبار أن هذا النظام يختلف اختلافا كلياً عن النمودج التعليمي المغربي.

هذه باختصار شديد، بعض التحديات التي يواجهها أبناء المهاجرين والتي تؤثر بشكل قوي على مسيرتهم العلمية وتكوينهم المهني، وللتخفيف من حدتها يجب اتخاد إجراءات وتدابير تربوية وتعليمية أذكر منها:

ـ توعية الآباء والأمهات بأهمية التعليم: فالعلم والثقافة يلعبان في الوقت الراهن وفي المجتمع الألماني المعاصر على الخصوص دورا رئيسا. العلم هو الرصيد الأساسي الذي تعتمد عليه الجمهورية الاتحادية للحفاظ على مركز الصدارة الذي تحتله عالميا في مجال الاقتصاد والتكنولوجيا والبحث العلمي. وباستثمارهم في تعليم وتكوين أبنائهم يمكن للآباء الحصول على أفضل أسعار الفائدة؛ ـ توعية المعلمين الألمان بالصعوبات التي قد تعترض طريق أبناء المهاجرين وذلك بإدماج قضايا الهجرة وكل ما يتعلق بهذه الأخيرة في البرامج الأكاديمية لتكوين المعلمين. ـ تهيئة أبناء المهاجرين لغويا وفي مرحلة جد مبكرة حتى لا يؤثر النقص اللغوي على قدراتهم الإدراكية العقلية والذكائية؛ وتقديم الدعم اللازم لأبناء المهاجرين المغاربة في جميع المراحل والمواد المدرسية لاكتساب المعلومات والمهارات الضرورية ثم توجيههم توجيها سليما يتوافق مع كفاءاتهم وطاقاتهم، ومن الممكن أن يتم ذلك بمشاركة أولياء الأمر والمعلمين والمرشدين المهنيين الألمان وربما أيضا بالتعاون مع هيئات ومؤسسات مغربية.* بينما تؤلفين كتابا عن ‘التعددية اللغوية والنجاح المدرسي لدى أبناء المهاجرين، وبوراس بالمناسبة باحثة مغربية، تؤلف زينب المسرار باحثة ألمانية من أصل مغربي أيضا، كتابا يحمل عنوان ‘البنات المسلمات، من نحن وكيف نعيش’، والذي قيل انه ‘ينقل صورة واقعية عن حياة الفتيات المسلمات في ألمانيا’.. هل يمكن قراءة صدور مثل هذه الأعمال، انها تترجم قلق هوياتي صادر عن أبناء الجالية العربية/الإسلامية المقيمة في ألمانيا، أم وعي نقدي وعلمي، يروم الاشتباك مع طبائع هذا القلق الهوياتي والانخراط في إبداء مواقف واجتهادات تخدم مصالح الجميع هناك في المجال التداولي الألماني؟* كتاب ‘التعددية اللغوية والنجاح المدرسي لدى أبناء المهاجرين’، عبارة عن دراسة أكاديمية علمية صرفة حاولت من خلالها المساهمة في النقاش العلمي حول الهجرة المغربية، وكَوْن أنه بدأ يظهر في ألمانيا كُتّاب وباحثون آخرون يهتمون بقضايا الجالية فهذا شيء يسعدني جدا، لأنه بالمقارنة مع فرنسا أو هولندا أو غيرهما من الدول الأوروبية، لم تحظ وضعية الجاليات العربية في ألمانيا بالقدر الكافي من اهتمام الباحثين.

من المعلوم أن المهاجرين وأبناءهم من الجيل الثاني والثالث على الخصوص يواجهون تحديات كثيرة في مجتمع اتسعت فيه دائرة النقاش وباتت تتضارب وتتناقض فيه الآراء حول الطريقة الصحيحة للاندماج. فالشباب غالبا ما يجدون أنفسهم في مأزق يمزقهم بين الحفاظ على ثقافتهم الأصلية أو الذوبان في المجتمع الجديد، لكن ما يزيد الأمر صعوبة هو افتقار بعض الشباب إلى مقومات ثقافية قد تعينهم على التنسيق بين الثقافتين بما يتناسب مع المجتمعين الألماني والمغربي، لاسيما أن الثقافة المغربية والعربية بصفة عامة ثقافة منفتحة ولديها القدرة التامة على تقبل الآخر والتعايش معه دون أدنى منازع، وقد فرض هذا التوتر والصراع الداخلي الذي يعيشه بعض الشباب، على المجتمع الألماني والعربي مسؤوليات تربوية وتعليمية، لذا أرى أنه من الضروري الاعتناء أكثر ومن جميع الجوانب بالجاليات العربية عموما، ودعمها وتوجيهها توجيها سليما.* تخصصتِ في الدراسات اللغوية واللسانية، وبحكم أن مسقط رأسك من المغرب، واطلاعك الميداني والبحثي في آن على الواقع اللغوي واللساني للمغاربة في ألمانيا، هل يمكن الجزم أن قلاقل هذا الواقع، تساهم في عرقلة إدماج الجالية المغربية هناك، هذا دون الحديث عن باقي الجاليات العربية والإسلامية؟* نظر بعض العلماء والباحثين في الأربعينيات والخمسينيات على الخصوص إلى التعددية اللغوية بنوع من التحفظ والحذر مشيرين بذلك إلى التشويش اللغوي الذي قد ينشأ عنها وإلى مخاطر عدم إتقان أي من اللغات مما يؤثر سلبا على مهارات الطفل الفكرية والتكوينية، ولكن دراسات علمية حديثة من أمريكا وكندا واستراليا وفنلندا.. أثبتت أن التعددية اللغوية لا تشكل أية خطورة على التكوين اللغوي والثقافي للطفل ولا تحدث لديه أي ارتباك لغوي، فالتعددية اللغوية ليست ظاهرة استثنائية وإنما هي أمر طبيعي للغاية؛ الطفل يتوفر بالفطرة على القابلية والاستعدادية لتعلم لغات عديدة وباتقانه للغته الأم يسهل عليه تعلم لغات أخرى، وهذه بالمناسبة نقطة من بين النقط التي تناولتها بدقة في أبحاثي، فأبناء المهاجرين المغاربة كما أشرت سالفا ينشأون على لغتين اللغة العربية أو الأمازيغية واللغة الألمانية وكلتا اللغتين تشكلان جزءا من هويتهم ولايصلح بأي حال الاستغناء عن أي منهما، بالإضافة إلى أن اللغة تعد المفتاح الأساسي لتحقيق النجاح والاندماج داخل أي مجتمع. * ما هي قراءتك النقدية للكتاب الضجة الذي ألفه منذ بضعة أشهر تيلو زاراتسين، السيناتور المالي السابق؟ ويمكن قراءة النجاح الجماهيري للكتاب، وأقصد مبيعات الكتاب، ترجمة على ترجمة لقلق عميق ومسكوت عنه لدى الألمان، خاصة أنه يشير مثلا إلى أن ‘أغلب المسلمين لديهم قيم مغايرة لقيم الألمان’، وأنهم ‘يثمنون الإله/الرب أكثر من دولة القانون والديمقراطية مما يمثل سبباً في إلغاء ألمانيا لنفسها على المدى الطويل، إذا لم يكن هناك جدل فعال حول الهجرة والاندماج’؟* صحيح أن كتاب ‘ألمانيا تُلغي نفسها’ لـ’تيلو زارتسين’، السيناتور المالي السابق لولاية برلين، حقق مبيعات قياسية منقطعة النظير، وأعتقد أن الضجة الإعلامية التي استُقبِل بها الكتاب تُعبر عن إحدى علامات الأزمة الاقتصادية العالمية وانعكاساتها الخطيرة على مختلف جوانب الحياة، فمشكلة البطالة الناتجة عنها والتي أضحت تهدد حياة العديد من المواطنين تجعل من الكثير من المهاجرين كبش فداء، إلا أنه بالرغم من ذلك وحتى لا نقع في خطأ التعميم لا يجب تجاهل تلك الأصوات الرصينة والمعتدلة التي انتقدت نظريات وتحليلات ‘تيلو زارتسين’ السطحية وعلى رأس هذه الأصوات المستشارة الألمانية السيدة ‘أنجيلا ميركل’ ورئيس الجمهورية السيد ‘كريستيان فولف’ وكذا عمدة مدينة برلين السيد ‘كلاوس فوفورايت’ الذي حسب مصادر إعلامية سيصدر له في شهر مايو القادم كتاب عن الهجرة والاندماج، وعلى عكس كتاب ‘ألمانيا تلغي نفسها’ يقدم فيه الكاتب بعضا من النمادج الناجحة للهجرة والمهاجرين.

أعتقد أنه ليس لائقا البتة تحميل عينة من المهاجرين كل المشاكل والتحديات التي يواجهها المجتمع الألماني والتي هي إلى حد ما راجعة أيضا إلى التحول الديمغرافي الذي تشهده الجمهورية الاتحادية والناتج عن انخفاض نسبة الولادات وارتفاع نسبة المسنين، حيث تُظهِر مؤشرات الإحصاءات الديمغرافية بشكل صريح اختلال الهرم السكاني الألماني ‘الهرم السكاني المعكوس’ في حين نجد عدد الأطفال لدى العائلات من أصل أجنبي في تزايد مستمر مما يولد لدى الألمان القلق الشديد والخوف من الانقراض، إلا أنه في حقيقة الأمر ليس هناك ما يؤيد الى هذا الرأي علميا وعمليا.

لا جدال من أن المهاجرين عليهم واجبات تجاه الدولة الديمقراطية الألمانية التي تمنحهم جميع الحقوق وتجاه المجتمع والقانون، ومَن يهتم بقضية الهجرة والمهاجرين يجد كتبا علمية موضوعية لخبراء وأخصائيين بارعين في هذا الميدان، وأذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر التقرير الثامن لمفوض الحكومة الاتحادية للهجرة الصادر في شهر حزيران/يونيو 2010 في 615 صفحة والذي يشير إلى مشاكل الهجرة لكن دون التغاضي عن النجاح والخطوات المهمة والجيدة التي حُققت في هذا المجال. أما التطرف في النقاش والمواقف واستعمال الإثارة والتهويل كأسلوب للتحذير، فلن يكون المنهجية الراقية ولا الصحيحة للتخفيف من حدة أية أزمة، ولكن يجب ان يكون بالجدية والتعاون وبالحوار والاحترام المتبادل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية