انطلقت الجماهير التونسية أولا للانتفاض على النظام الدكتاتوري التونسي، الذي كان يقوده البوليسي بن علي والإطاحة به، وتبعتها الجماهير المصرية مستلهمة روح انتفاضة تونس لإسقاط نظام حالة الاستثناء المصرية وزعيمها مبارك.
إن دلالات هاتين الانتفاضتين متعددة، فهما ليستا فقط انتفاضتين على نظامين سياسيين فاقدين للشرعية السياسية والشعبية، كما ذهبت إلى ذلك جل التحليلات، أو ضد أوضاع الفساد السياسي الذي يدل الوضع الاقتصادي والاجتماعي على حالته المتردية، بل تعتبر هذه النقطة هي الدلالة البسيطة والسطحية للحدث، والإطاحة برأس النظام السياسي باعتباره الرأس البارزة من الجسد الفاسد.
أما أقوى الدلالات في نظري فهي أن هاتين الانتفاضتين، بالإضافة إلى ما سبق، هما انتفاضتان على فقدان الشرعية المطلق لكل المكونات المجتمعية أو ما يعرف بالنخب وهيئات المجتمع المدني، التي ينبغي لها أن تلعب دور ممثل الشعب والمعبر عن مصالحه وطموحاته في مواجهة النظام السياسي، التي ينتظر منها أن تكون في طليعة المقاومين للأنظمة السياسية المهيمنة على المجتمع.
لذا، لما فقدت هذه النخب، وعلى رأسها النخب المثقفة، والمؤسسات الشعبية وهيئات المجتمع المدني وغيرها، شرعيتها فإن الشعب كان لا بد له من أخذ زمام المبادرة بيده للتعبير عن مصالحه من دون وسائط. فالانتفاضة في حقيقتها اليوم في تونس وفي مصر، واللائحة مازالت مفتوحة، انتفاضة على كل القوى التي تنكرت لدورها الذي قامت من أجله وتنكرت له، إما خوفا من الآلة القمعية للنظام الدكتاتوري، أو دعما له من أجل الحفاظ على المصالح الفردية أو الفئوية، أو بسبب ضعف ذاتي موضوعي في بعض الحالات، كما هو الشأن في بعض الهيئات والشخصيات التي لم تنبطح لا لوعيد الدكتاتور ولا وعوده، ولكنها آثرت السكوت والتنحي. ومهما يكن السبب الذي دفع بهذه النخب إلى التخلي عن دورها فإن الجماهير اليوم قد بلغ السيل عندها الزبى، كما يقال، ولم تعد، من فرط ما وصلت إليه الأوضاع من فساد عام شمل حتى النخب المثقفة وما يوازيها، تملك طريقا آخر.
أمر فقدان الشرعية السياسية للأنظمة العربية المطاح بها ليس جديدا أو وليد السنوات الأخيرة، حيث أن هذه الأنظمة ولدت منذ البدء فاقدة للشرعية، لذلك لا يمكن اعتباره السبب وراء الانتفاض. أما العوامل الجديدة التي أفاضت الكأس وأغرقته فهي المتعلقة أساسا بباقي القوى التي كانت في ما مضى من الأيام القريبة لا تزال تتمتع بنوع من المصداقية لدى الجماهير.
ولهذا يمكن القول ان البلدان المشابهة لتونس ومصر في المنطقة العربية من الناحية السياسية، والتي لا زالت القوى المجتمعية بها أو بعضها من أحزاب ونقابات ومؤسسات المجتمع المدني تزاول جزءا ولو بسيطا من وظيفتها في الدفاع عن المواطن والوطن، ستعرف تأخرا لمثل هذه الانتفاضة. وقيامها أو عدمه مرهون ليس بالنظام السياسي والتغييرات التي يقدم عليها من أجل الإصلاح وبمدى الضغوط التي يمارسها على الشعب، وإنما مرهون بالمؤسسات المواجهة هل تقوم بدورها أم لا. لو اعتبرنا الواقع السياسي والآثار المترتبة عنه على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والمعيشي وعلى كرامة المواطن المنتهكة، لوجدنا أنها بلغت مستوى كارثيا منذ سنوات عديدة، ورغم ذلك لم تتحرك الجماهير لتغيير الأوضاع.
إن الانتفاضة هي الدليل على انسداد أبواب كل الإمكانات الأخرى، لهذا نرى كيف أن هاتين الانتفاضتين لا تقف وراءهما جهة محددة، بل انتفاضة عفوية فرضت نفسها على الجماهير، فهي ليست اختيارا مفكرا فيه، بل إجراء من قبيل رد الفعل غير الإرادي الذي تخضع له الطبيعة الكونية والاجتماعية معا من أجل إعادة التوازن لمرحلة قادمة.
انتفاضة تونس ومن بعدها انتفاضة مصر انتفاضة على النظام القمعي البوليسي الذي كتم الأنفاس لعقود، وانتفاضة على الظلم الاجتماعي الذي يتولد عن الفروق الاقتصادية الناجمة عن احتكار الفرص والإمكانيات من طرف قلة من الجشعين الانتهازيين، وانتفاضة على النخب المثقفة التي آثرت الخلود إلى أبراجها والتنكر للمجتمع في قيادته إلى المطالبة بحقوقه والعمل على تحقيقها.
لذلك فإننا متشائمون من نتائج هاتين الانتفاضتين، رغم إنجازها العظيم المتمثل في الإطاحة برأس الصنم وأيقونته، ما دامت عدة وجوه من العهد البائد لا تزال في الميدان، من سياسيين ومثقفين ورجال أعمال ورجال الصحافة، ومن هذا الصنف الصحافي من ينتمي إلى النخبة المثقفة.
عبداللطيف جبرون