دوار اللؤلؤة البحريني استنساخ لميدان التحرير المصري

حجم الخط
0

د. سعيد الشهابي

لم يخطط احد للثورة التونسية، بل كانت شعلتها تلك النيران التي اشتعلت في جسد الشهيد محمد بوعزيزي، فانطلقت بعفوية بالغة بعد احتقان دام اكثر من عقدين، فتفاجأ نظام الرئيس المخلوع بها وعجز عن احتوائها، فاقتلعته من كرسيه ورمت به في مدينة جدة السعودية. اما الثورة المصرية فكان موعد انطلاقها محددا سلفا، وكان نظام حسني مبارك يعلم به جيدا، مع ذلك فشل النظام المصري في عدد من الامور: اولها ان عقلية الاستكبار جعلته يستصغر شأن الداعين اليها واعتقد خطأ انهم لن ينجحوا في مشروعهم وبالتالي فشل في منع حدوثها، ثانيها: عندما انطلقت سكب المزيد من الوقود عليها عدة مرات: الاولى عندما استعمل القوة يوم الجمعة 28 كانون الثاني (يناير) وقتل مئات المتظاهرين في عدد من المدن المصرية، والثانية عندما ارسل بلطجيته للاعتداء على المتظاهرين السلميين بميدان التحرير، وبذلك قطع العلاقة مع الشعب الى الأبد. ثالثتها: انه عجز عن استيعاب عمق مشاعر الغضب لدى الجماهير التي ملأت شوارع المدن الكبرى ولم يصدق ان الشعور الشعبي ضده بلغ ذلك المستوى. رابعتها: ان المسؤولين الكبار في الدولة اصيبوا بالشلل التام امام ضغط الجماهير الذي كان يتصاعد بشكل مضطرد. هذا الفشل في المجالات المذكورة كان كارثيا للنظام، فلم يلبث طويلا، بل اجبر الرئيس المعروف بعناده على الاستقالة ومعه اعضاء حكومته. واعتبر سقوط الرئيس مبارك بالطريقة المهينة إثر ثورة شعبية شارك فيها الملايين من المصريين في كافة المدن المصرية، مدخلا لعهد جديد ليس في مصر فحسب، بل في العالم العربي الذي استعصى حتى الآن على محاولات التطور والتحديث والتطوير الديمقراطي. وبرغم الاستثمار السياسي والامني من قبل الولايات المتحدة الامريكية لحماية الانظمة السياسية العربية، فقد فتحت الثورة المصرية الباب على مصراعيه امام الثورات الشعبية التي تشبه كثيرا ثورة الشعب الايراني التي اطاحت بنظام الشاه في 1979. ومن غرائب الصدف ان يتم سقوط نظام حسني مبارك في اليوم نفسه الذي سقط فيه نظام الشاه قبل 32 عاما. الانجاز الوحيد الذي حققته الولايات المتحدة نجاحها في تأخير الثورات الشعبية في الدول العربية اكثر من ثلاثة عقود، الامر الذي بلور موقفا عربيا شاملا محتقنا ضد السياسات الامريكية في الشرق الاوسط، خصوصا مع اصرار واشنطن على ضمان امن ‘اسرائيل’ بشكل غير مسبوق. وما الثورات الحالية في كل من اليمن وليبيا الا استكمال لمشوار الغضب الشعبي في البلاد العربية من المحيط الى الخليج.

وتكرر المشهد في البحرين، ذلك البلد الخليجي الذي تميز عن بقية دول مجلس التعاون الخليجي بحراكه السياسي وعمق جذور قوى المعارضة فيه. والامر الغريب هنا ايضا نجاح شبابها في تحديد ما اسموه ‘يوم الغضب’ لاطلاق ثورته وعجز النظام عن منع ذلك. فقد قرر جيل ‘فيسبوك’ و’تويتر’ و’ملتفى البحرين’ اعتبار الرابع عشر من شباط (فبراير)، يوما احتجاجيا ضد سياسات حكم عائلة آل خليفة، ووجه بذلك صفعة لما سمي ‘المشروع الاصلاحي’ الذي اعلنه الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة عندما طرح ‘الميثاق الوطني’ للتصويت الشعبي في اليوم نفسه قبل عشرة اعوام. وبعد عام من ذلك طرح دستورا جديدا بديلا للدستور الذي شارك المواطنون في كتابته في العام 1973، اي بعد عامين من الانسحاب البريطاني من البحرين وبقية مشيخات الخليج. وطوال السنوات العشر الماضية استثمر نظام الحكم في البحرين كثيرا في مجال العلاقات العامة لتحسين صورته بعد ربع قرن من الحكم الشمولي الذي حدثت خلاله انتهاكات فظيعة لحقوق الانسان والذي ادى الى استقطاب شعبي واسع ضد حكم عائلة آل خليفة. ومن المؤكد ان ثورة الشعب المصري كان لها تأثير مباشر على معنويات الشعب البحريني، خصوصا جيل الشباب الذي استيقظ فجأة في صحوة منقطعة النظير على واقعه الجديد، وشعر بقدرته على احداث التغيير المطلوب بثورة شعبية شاملة. والمتابعون لما كان يجري عبر وسائل التواصل الالكترونية يدركون عمق التخطيط الشبابي لذلك اليوم برغم وجود معوقات داخلية اهمها وجود قوى سياسية كانت مشاركة في ‘المشروع الاصلاحي’ بانخراطها في مجلس الشورى الذي ينتخب نصف اعضائه، ويعارضون التوجه للاساليب الثورية كخيار بديل عن الانخراط في ‘المشروع الاصلاحي’. مع ذلك كان لاصرارهم اثره في اقناع كافة الاطراف بجديتهم لاطلاق فعاليات يوم الغضب الشعبي، وفقا للخطة المرسومة، وتداعي كافة وسائل التصدي السلطوي لمشروع التحرك، بما في ذلك حالة الاستنفار الأمني غير المسبوق وتطويق العاصمة، خصوصا ميدان اللؤلؤة لمنع المتظاهرين من الوصول اليه.

نظام الحكم في البحرين، وداعموه في واشنطن ولندن، كانوا يعلمون بموعد ثورة شعب البحرين التي اعلن عنها قبل بضعة اسابيع من حدوثها. خلال هذه الفترة كان الشباب يتهيأ لليوم التاريخي بتنظيم صفوفه، واقامة شبكة اتصالاته عبر صفحات الفيسبوك والتويتر والمواقع الالكترونية، وكانت خطط يوم الثورة معلنة بشكل علني واضح، ولم يكن هناك من الامور السرية الا هويات الشباب المتحمس. الواضح ان نظام الحكم في البحرين لم يستفد مما حدث في مصر، فلم يعتقد ان الشباب قادرون على اطلاق ثورة عارمة على غرار ثورة ابناء مصر، او استطاعته تحدي قوى الشرطة والشعب التي كانت، في نظره، مستعدة للتعامل بشكل جاد وحاسم ضد المتظاهرين في يوم الغضب. ومع اقتراب ذلك اليوم اصبح واضحا ان الوضع بات مهيأ لانفجار المشاعر الشعبية ضد نظام الحكم. مع ذلك كان الشباب المتحمس لانجاح الانتفاضة الشعبية، قلقا جدا وهو يرى اجهزة الحكم مستنفرة بشكل غير مسبوق، حيث نشرت قوات الامن والشغب والجيش في القرى والمدن على اوسع نطاق، وكان الخناق محكما على ‘ميدان اللؤلؤة’ الذي كان اقتحامه حلما يراود المخططين ليوم الغضب. وبدا امرا مستحيلا ليس الوصول الى نقطة الانطلاق فحسب، بل في مداخل القرى والمدن وفي الشوارع العامة وعند مفترق الطرقات. ووفقا لبعض الرموز السياسية التي وقفت مع المشروع الشبابي للثورة، فقد كان منظمو ‘يوم الغضب’ متواضعين جدا في تفاؤلهم بنجاح مشروع ثورتهم. فمن يستطيع كسر الطوق المفروض على العاصمة؟ من سوف يغامر بنفسه لمواجهة قوات اكتسبت خبرة طويلة في قمع التظاهرات والاحتجاجات؟ هل يمكن اختراق الطوق الامني المفروض بالقوة على ميدان اللؤلؤة؟ كانت التوقعات قاتمة، وكانت غاية ما يتوقعه المنظمون حدوث مناوشات في بعض القرى بين مجموعات صغيرة وقوات الشغب، قد تستمر بضعة ايام. ولكن ما حدث في الساعات الاولى من ذلك اليوم بقيادة المعارض المخضرم عبد الوهاب حسين، كان بداية قوية لكسر حاجز الخوف، فتبعته احتجاجات في عدد من المناطق قتل فيها احد المتظاهرين. وما ان سال الدم حتى تغيرت المعادلة وتحولت الاحتجاجات المحدودة الى ثورة غاضبة. ولو كان النظام يفكر بحكمة لكف عن استعمال القوة ضد المتظاهرين، ولكنه لم يفعل ذلك. ففي اليوم التالي قتل مواطن آخر خلال تشييع القتيل الاول. فما كان من المتظاهرين الا ان امتلكوا الشجاعة وتوجهوا الى ميدان اللؤلؤة الذي كانوا يخططون للتمركز فيه منذ البداية. ثم جاء الاعتداء على المتظاهرين في ذلك الميدان وهم نيام الامر الذي غير مجرى الامور، فتغير المشهد بشكل كامل وتحققت خطة شباب 14 فبراير في تحويل الاحتجاجات الى ثورة شاملة. وحتى كتابة هذه السطور لا تزال الاوضاع متوترة، برغم تراجع رموز الحكم عن مواجهة المحتجين. أيا كانت نتائج ثورة البحرين التي اطلق عليها مخططوها الشباب ‘ثورة النخيل’ يمكن تسجيل ما يلي: اولا ان استعمال القوة لم يعد خيارا عمليا امام الحكام المستبدين. فما ان اريقت دماء المحتجين في تونس حتى سقط بن علي، وتبعه حسني مبارك عندما تصاعد عدد الشهداء في اعتداءات الشرطة والبلطجية. وتكرر ذلك في البحرين ولكن حكامها توقفوا فجأة عن استعمال القوة ودعوا الى الحوار الذي جاء متأخرا. ثانيا: ان لغة الدم تفوق في قوتها وأثرها اي سلاح آخر. وقد تمكنت الانظمة من مواجهة المعارضين المسلحين في اغلب البلدان العربية، ولكنها هزمت امام المعارضات السلمية كما اثبتت تطورات الاسابيع الاخيرة. فها هو نظام القذافي، هو الآخر، يتداعى بعد ان قتلت القوات النظامية مئات المواطنين في مجازر بشعة استعملت فيها كافة الاسلحة ومنها الطائرات المقاتلة. ثالثا: ان الغربيين اصبحوا محاصرين بظاهرة سقوط الانظمة الحليفة، واصبح عليهم التعبير بشكل واضح عن رفضهم الكامل لأنظمة القهر والاستعباد في العالم العربي خصوصا. ولقد اصبح واضحا ان الرئيس اوباما غير لهجته في الاسابيع الاخيرة بعدما رأى حلفاء امريكا يتساقطون الواحد بعد الآخر. رابعا: ان الظاهرة الثورية التي انطلقت من ايران قبل ثلاثة عقود تم تعطيلها بكافة الاساليب، ولكنها فرضت نفسها مجددا واستعادت الشعوب العربية المبادرة للتمرد على الانظمة القائمة المؤسسة على القمع والاستبداد. انها ظاهرة اصبحت تقلق الغرب نظرا لما تنطوي عليه من تغير في موازين القوى في المنطقة والعالم. خامسا: ان الولايات المتحدة شعرت للمرة الاولى بشكل عملي ان نفوذها في المنطقة اصبح مهددا بالتغييرات الكبيرة التي تجتاح بلدانها، بسبب الدعم المتواصل لتلك الانظمة. وقد سعت واشنطن للحفاظ على موقعها بحث الحكومات على اصلاح اوضاع بلدانها والاستماع لمطالب مواطنيها والسماح بحرية التعبير والتجمع، ولكنها ما تزال غير جادة في دعوتها للاصلاح في البحرين وتظن ان بعض التغييرات السطحية سوف ينهي الثورة. وقد استوعب نظام الحكم في البحرين متأخرا فحوى الموقف الامريكي وفشل هو الآخر في استيعاب مدى قوة المعارضة وتصميمها على تحدي النظام القائم، الامر الذي افقده القدرة على التعاطي مع المستجدات بموضوعية وتجرد. فالدعوة التي وجهها ولي عهد النظام للحوار غير جادة، خصوصا بعد ان سعى بشكل مخيف لاشعال حرب طائفية في البلاد لتشويه الثوار واهدافهم. ثم جاء قرار حسن مشيمع، امين عام حركة ‘حق’ بالعودة ليضيف بعدا جديدا لما يجري، وليجبر النظام على اطلاق سراح السجناء السياسيين بدون قيد او شرط. ولكن شباب دوار اللؤلؤة لم يعيروا هذه الخطوات اهتماما واصروا على رفع شعار ‘الشعب يريد اسقاط النظام’. لقد تطايرت شهب التغيير في سماء العالم العربي، واصبحت تضطرب بالاعاصير، لكنها هذه المرة، سحب واعدة بالغيث الذي سوف يروي الصحراء العربية الجدباء ليحيلها الى خمائل زاهية المنظر، وافرة الثمر. لم تشهد المنطقة في تاريخها المعاصر اوضاعا كهذه، حيث الثورات الشعبية اصبحت تهدد الانظمة الديكتاتورية بدون رحمة. برغم ذلك فربما فوجيء كثيرون بوصول رياح الثورة الى البحرين، التي يفترض كثيرون (خطأ) ان شعبها يعيش بحبوحة من العيش بفضل الثروة النفطية. اما المطلعون والمتابعون فقد كانوا يعلمون منذ زمن ان ذلك البلد الخليجي مهيأ منذ زمن لثورة عارمة ضد الحكم الذي تهيمن عليه عائلة آل خليفة. فقبل ستة شهور فقط شنت السلطات البحرينية حملة اعتقالات واسعة طالت حوالي 500 شخص بتهم خطيرة ملفقة وحاكمت الكثيرين منهم بتهم زائفة من بينهم كاتب هذا المقال. ومن المؤكد ان تلك الاعتقالات ساهمت بشكل مباشر في تهيئة ارضية الثورة ضد النظام لانها عمقت شعور المواطنين بالظلامة لان المعتقلين جميعا، بدون استثناء، ابرياء من التهم الكبيرة التي وجهت اليهم والتي تصل الاحكام في بعضها الى الاعدام. هذا بالاضافة الى ممارسة التعذيب غير المسبوق بحق هؤلاء الذين أصروا على المطالبة باصلاح الوضع. تلك المطالب كانت متواضعة جدا اذا قورنت بما يطالب به شباب ثورة 14 فبراير وعلى رأسه اسقاط نظام الحكم. وفيما يستمر الجدل التاريخي حول مدى واقعية المطالبة باسقاط نظام ينتمي الى منظومة خليجية في الحكم طالما اقنعت العالم باستحالة تغييرها، فان الأعاصير التي اطاحت حتى الآن برئيسي مصر وتونس وتهدد بسقوط النظامين الليبي واليمني ضيقت الخناق على اي نظام يرفض الاصلاح. والواضح ان الانظمة الاستبدادية التي تمارس القمع على نطاق واسع كالنظام السعودي لا تزال غير قادرة على استيعاب دروس المناخ السياسي الذي اطاح بعروش عتيدة يتصاعد عددها بمرور الوقت. وبرغم محاولات بعض الاطراف قطع الطريق على مطالب شعب البحرين باسقاط نظام حكمه، فما يزال صوت التغيير متواصلا، ليس من اجل اصلاحات سطحية محدودة، بل لقطع دابر الاحتقان السياسي الذي يتصاعد مع استمرار عقلية الهيمنة المطلقة والاستبداد. وبرغم الارجاف المتواصل بان السعودية لن تسمح بسقوط اي من الحكومات الخليجية، فالواضح ان تطورات الاسابيع الاخيرة تجاوز ذلك كثيرا، وان نظام المملكة نفسه سوف يدفع ثمن تلكؤه في اعلان اي مشروع اصلاحي. وما ذكره الامير طلال بن عبد العزيز آل سعود الاسبوع الماضي في مقابلة تلفزيونية ومناشدته الملك عبد الله القيام بخطوات اصلاحية ذات معنى يؤكد قلق البيت السعودي وخشيته من رياح التغيير العاتية. اما نظام الحكم في البحرين فقد بدأ يدفع ثمن تجاهله مطالب شعبه ومسلسل القمع المتواصل الذي اكده في الاسبوعين الماضيين تقريران حول الانتهاكات الفظيعة لحقوق الانسان صدرا عن منظمة العفو الدولية ولجنة حقوق الانسان بجمعية المحامين البريطانية التي تمثل اكثر من ربع مليون محام. رياح التغيير عصفت، واقتلعت انظمة عديدة، وتهدد باختراق حصون الديكتاتوريات الباقية. فمن يسارع في الاصلاح قبل وصول الرياح الى حدوده فقد ينجح الى حين في تأجيل سقوطه، اما من يتجاهلها فلن يختلف مصيره عما حدث لانظمة الاستبداد في مصر وتونس وليبيا والبحرين. ‘ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية