السينما الاسترالية تقلب الطاولة على هوليوود: العراب يبعث حيا في استراليا لكن في صفة امرأة

حجم الخط
0

حسن بنشليخةبشعر أشقر وعينين زرقاوين وابتسامة شرسة، تلعب امرأة باسم سمورف (جاكي ويفر) دور اللبؤة التي تحتضن عصابة من المجرمين الاستراليين واللصوص المسلحين وتجار المخدرات في فيلم ‘عالم البراري’. ويعد هذا الفيلم أول إخراج لديفد مكود، وعلى الرغم من أن الفيلم صور في ثاني اكبر المدن الاسترالية، ملبورن، وعلى الرغم من جمالها وسحرها، تحولت ناطحات السحاب فيها إلى أدغال يغلب فيها القوي الضعيف، ويسيطر عليها قانون الغاب ويتحول فيها الصياد إلى فريسة. وبعينين تقذفان الشرر ووجه صلب مثل الحديد وقبضة سلطوية وقبلات ممزوجة بالحنان والقسوة، تتقمص هذه المرأة دور ‘العرابة’ الاسترالية التي تدير شؤون ‘فرقة الموت’ العائلية المكونة من أبنائها الثلاثة: دارن العضو في إحدى العصابات المجرمة، الذي لا يطبق كثيرا أوامر أمه، وكريغ المدمن على المخدرات، الذي يشبه الأفعى بتصاميم الوشم المطلي على كل جسده، وبوب صاحب المزاج المخيف والسريع الانفعال والمتخصص في السطو على البنوك والمهوس بالقتل. وفي يوم من الأيام تتلقى العرابة مكالمة هاتفية من حفيدها جاشوا الذي تقطعت به السبل بعد أن فقد أمه لجرعة زائدة من المخدرات وطلب منها الالتحاق ببيت العنكبوت الذي لا يعرف عنه شيئا، وقبلت. مرحبا بك جاشوا في طاحونة جدتك التي تصنع المجرمين والقتلة المحترفين وقطاع الطرق، وعليك التأهب بدورك لتتجاوز امتحان المشي على حبل الولاء والثقة والخيانة.

مراهق وسيم يدخل عالم الجريمة والشهرةيفتتح الفيلم بدخول فرق الإسعاف الطبية إلى منزل في ملبورن، ويعثرون على شاب مراهق لم يدخل عقده الثاني بعد، يشاهد التلفزيون ويستريح على الأريكة بالقرب من أمه التي أغمي عليها. يخبرهم الشاب ببرودة دم ‘أنها’ فقدت الوعي من شدة تناولها الهروين. وأثناء معاينة الفرقة الطبية لها ومحاولة إحيائها ينظر إليهم من دون أن يكترث لما يصنعون، وكأنهم يسعفون قطعة من الأثاث، وحين يدرك الشاب أنها ماتت تتحول عيناه إلى التلفزيون لمتابعة اللعبة التافهة التي كان يشاهدها على التلفزيون، إنها أجمل لقطة وأكثرها تعبيرا في الفيلم، على حد اعتقادنا. وينتهي الفيلم برصاصة في رأس رجل في بيته. انه فيلم مليء بالعنف وسفك الدماء، والتحالفات الدنيئة والرصاص المتطاير في كل جهة. انه فيلم عن الجريمة المنظمة والمخدرات والقتل والسرقة وانحطاط الأخلاقيات والعراك من اجل البقاء على قيد الحياة، وليس عن الحيوانات المفترسة في البراري، كما يوحي عنوان الفيلم. ولن يغادر المتفرج القاعة منشرح الصدر أو بابتسامة على وجهه، بل برؤية متشائمة ومقززة، حيث يتخلل الفيلم الكثير من اللقطات التي يصعب مشاهدتها أو نسيانها لعدة أيام، والتي قد تتسبب له بكوابيس متكررة أثناء النوم.

وبمجرد ما ينتقل جاشوا إلى بيت جدته، يتحول فجأة صاحب الصوت العذب والطفل المراهق إلى شريك في الجريمة، ويتم تلقينه القتل من طرف احد أعمامه عندما يسلمه مسدسا ويأمره بإطلاق الرصاص على رجل يجلس في سيارة، وصفه العم بأنه مثير للشغب. وبيد مهتزة رغم جسمه المفتول يطيع جاشوا أوامر العم. ومع تقدم الفيلم يعتقد الإنسان انه يشاهد فيلم Goodfellas لمخرجه الأمريكي الشهير مارتن سكورسيزي، لولا اللهجة الانجليزية الاسترالية المتميزة كثيرا عن اللهجة الأمريكية. لكن هوية جاشوا الحقيقية، كما هنري هيل في Goodfellas تبدأ بالظهور عندما تلقي عليه شرطة ملبورن القبض وتقترح عليه برنامج حماية الشهود، ليدلي بما يعرف عن أعمامه وجدته تماما كالذي حصل مع هنري هيل. والفرق بين الفيلمين هو أن Goodfellas يروي لنا قصة في حياة مجرم داخل المافيا، أما فيلم ‘عالم البراري’ فيريد أن يتفلسف شيئا ما ليقول لنا المخرج ان الإنسان يولد بخيارات قليلة، ويحاول المخرج مرارا إضفاء الشرعية على أعمال هذه العائلة الخارجة عن القانون والتقليل من المخاطر المحدقة بها.

وما يميز الفيلم هو تحكم المخرج في كل المشاهد بدقة وبخبرة مدروسة وسيعبد له الطريق لا محالة إلى هوليوود. وتقدم لنا الكاميرا حركات رائعة ورشيقة وفي بعض الأحيان بطيئة، غالبا ما تتسلل من وراء الممثلين لتزرع المزيد من الخوف والشعور بالضعف في نفوس المشاهدين. وتناغمت الموسيقى بالصورة بمقاطع فريدة لتساير جو الخطر المحدق ترتعش معها مشاعر وروح المشاهد. أما الممثلون فقد انتقاهم المخرج، على ما يبدو، بحكمة كبيرة حتى انه غامر بتوظيف جاشو (James Frecheville) كبطل رئيسي للفيلم وهو ممثل صغير في السن (17 سنة) وغير معروف في أوساط الفن السابع الاسترالي، لكنه في الحقيقة قام بدور لامع وعلى أحسن ما يرام، وينتظره هو كذلك مستقبل زاهر في هوليوود.’عالم البراري’ أحسن فيلم تخرجه استراليا بميزانية ضخمة وسيرغم هوليوود على أن تفكر بجد في مستقبل هذه السينما. والمدهش في هذه التجربة أنها أول عمل مطول للمخرج فجر فيه مكامن الإبداع السينمائي عن الجريمة المنظمة، ومع ذلك لا نظن انه يصلح لمهرجان ليتسابق فيه على الجوائز، نظرا لعنفه المبالغ فيه وتمجيده للحياة الموحشة والإعلاء من الجريمة المثيرة ومحاولته إقناع الجمهور فهم السلوكيات النفسية المريضة للمجرمين. مخرج وناقد سينمائي مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية