لندن- ‘القدس العربي’: كشفت صحيفة ‘التايمز’ البريطانية عن ادلة تعذيب وقمع وقتل استخدمتها القوات الليبية الحكومية ضد المدنيين في مدينة بنغازي، ثاني اكبر مدن ليبيا.
وحصلت الجريدة على صور فيديو من داخل مستشفى المدينة اظهرت جثتي رجلين مشوهين نتيجة لقصف صاروخي او غارات بالطائرات. وتقول الصحيفة ان الجراح التي ادت لمقتل المدنيين تشير الى غارات جوية او قصف بالدبابات، او قامت بها القوات الامنية، اضافة الى المرتزقة الافارقة. ونقلت الصحيفة عن مواطنة بريطانية تعيش في المدينة، وصفت رد القوات النظامية بقنابل الهاون عندما مرت المظاهرة قرب بيتها ليلة الاحد الماضي. وقالت ان ما يجري ‘في الخارج مذبحة يقوم بها حرس القذافي الخاص والمرتزقة الافارقة’. فيما نقلت عن مواطنة في مدينة البيضاء المجاورة، قولها ان القوات الليبية لا يهمهما ان عاش المواطنون او ماتوا. وتقول الصحيفة ان لقطات الفيديو تظهر مواطنين وهم ينظرون الى جثث جنود مشوهة ربما لانهم رفضوا الانصياع للاوامر.
جاء هذا بعد خطاب مطول القاه الزعيم الليبي من امام باب العزيزية الذي دمرته الغارات الامريكية في عام 1986، وهدد فيه باستخدام العنف. واجمع المراقبون على انه خطاب ‘خطير’ ويمثل محاولة يائسة واخيرة من النظام للبقاء في السلطة، واعتبره الصحافي البريطاني روبرت فيسك صورة عن زعيم عجوز ‘ازبد وارغى’، وهدد وتوعد. ومع انه قال ان وعيد القذافي وان كان وعيد رجل عجوز، قدم خيالاته عن الاعداء المفترضين من الكلاب الضالة والمهلوسين وجماعة بن لادن، الا انه خطير. وفي الوقت الذي دعا فيه عدد من خبراء القانون الدولي لمحاكمة القذافي على جرائمه التي ارتكبها بحق شعبه خلال الاربعين عاما من حكمه، الا انهم قالوا ان عهد تعليق الزعماء الظالمين على اعمدة الكهرباء قد ولى، ويجب ان يتم تحويل امر الديكتاتور للعدالة الدولية.
اسوأ رجل في العالموقال جيفري روبرتوس المحامي في مجال حقوق الانسان، انه يجب تقديم الديكتاتور للعدالة. وقال الكاتب ان العقيد القذافي هو اسوأ رجل موجود على وجه البسيطة ـ فسجله معروف في التعذيب والدم ودعم الارهاب والقتل، مما يعني انه يستحق العقاب. واكد انه يجب ان تأخذ العدالة الدولية مجراها. وقال انه في حالة نجح القذافي بسحق الثورة فيجب التأكد من ملاحقته في حالة خروجه من ليبيا، وعاب على مجلس الدولي بطأه في الرد على الاحداث في ليبيا. وقال ان مجلس الامن مطالب اما بانشاء محكمة خاصة لمحاكمة القذافي او تسليم الامر لمحكمة جرائم الحرب الدولية، مما يعني ان الاخيرة لن تكون قادرة على محاكمته على جرائمه السابقة، لان ميثاقها لا يغطي الجرائم التي حدثت قبل انشائها عام 2002. ومع ان ليبيا ليست موقعة على ميثاق المحكمة الا انه يمكن تقديم القذافي لها بأمر من مجلس الامن، كما حصل مع الرئيس السوداني عمر البشير. وقال ان القذافي يجب ان لا يكون وحده في قفص الاتهام بل قادته واركان نظامه، اضافة الى نجله سيف الاسلام الذي كشف عن قناعه الحقيقي اثناء خطابه الذي القاه قبل يومين، بعد ان حاول النظام تقديمه على انه الوجه الليبرالي له. وقال ان توجيه اتهام له يعني نهاية زياراته المتكررة الى بيته في شمال لندن ولقائه مع النخبة: ناثيل روتشيلد. وفي حالة الاطاحة بالقذافي وتقديمه للمحاكمة فلن يتم العفو عنه وعن ابنه، اما في حالة استمراره في السلطة فسيعود الى حالته السابقة كمنبوذ وبدون مزايا دبلوماسية، ودعا الى معاقبة اي دولة تمنح الملجأ الامن الى القذافي وفرض عليها المقاطعة.
جزار ليبياوفي افتتاحيتها قالت ‘نيويورك تايمز’ تحت عنوان ‘جزار ليبيا’ انها لا تشك في صدق ما قاله القذافي في خطابه ليلة الثلاثاء من انه سيذبح شعبه ويقدمه على مذبح الشهادة في محاولته اليائسة التمسك بالسلطة، وقالت ان شجبه وعقابه صار امرا واجبا وعلى المجتمع الدولي الاضطلاع بالمهمة. وقالت الصحيفة ان تاريخ العقيد المتقلب منذ وصوله للحكم عام 1969 يظهر شراسته وجرائمه تضم ضرب طائرة بانام فوق لوكربي عام 1988. وقالت ان التغير في موقف النظام بعد عام 2003 كان مناسبة للترحيب، لكن القمع الذي قام به في شوارع المدن الليبية اكدت انه لا يزال مجرما دوليا.
وتحدثت عن تحول ليبيا كلها الى محور حرب، حيث يقوم النظام بالاعتماد على الاسلحة الثقيلة والطائرات مع المرتزقة الاجانب. واكدت الصحيفة اهمية ايجاد مجلس الامن الذي شجب الممارسات بايجاد طرق للضغط على الحكومة الليبية لوقف هجماتها على المدنيين والتحرك نحو تسهيل عملية التحول مع رحيل القذافي عن السلطة. ودعت الى قيام المجلس بفرض عقوبات على القذافي وعائلته والمسؤولين المتورطين في عمليات القمع. وفي حالة عدم وقف الحكومة كل اشكال القمع فعلى الامم المتحدة فرض حظر على تصدير الاسلحة لليبيا. ومع اعترافها بان مجلس الامن عادة ما لا يتحرك سريعا فان من مهمة الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي فرض الحظر من طرفهما في انتظار صدور الحظر عن مجلس الامن. وخصت بالذكر بريطانيا التي قامت بالغاء كل عقود بيع الاسلحة لليبيا.
وعبرت عن سعادتها برفض الدبلوماسيين الليبيين لنظامهم الشرس ودعت لمنح الطيارين الهاربين الملجأ الامن. لندن ابعد من الشجبوفي نفس الاتجاه دعت صحيفة ‘التايمز’ في افتتاحيتها الحكومة البريطانية للذهاب ابعد من الشجب لما يقوم به النظام في ليبيا واتخاذ خطوات عملية، مثل تجميد حسابات النظام حتى يتم انشاء حكومة شرعية في ليبيا. وتجميد الارصدة واحد من الاجراءات التي يجب القيام بهان اضافة الى الحصر على كل المصالح الاستثمارية والعقارات التي استثمرت فيها ليبيا منذ عودة العلاقات الدبلوماسية، بحسب الصحيفة. فمؤسسة الاستثمار الليبية المملوكة للحكومة لديها مصالح تجارية واسهم مالية في حي لندن التجاري ـ اوكسفورد ستريت – وفي قلب العاصمة المالي ـ سيتي اوف لندن – وتملك 3 بالمئة من اسهم شركة بيرسون للاعلام، وقالت ان هذه الاموال تعود الى الشعب الليبي وليس الى الديكتاتور وعائلته. واكدت ‘التايمز’ ان الجهد في التعامل ومقاطعة النظام يجب ان لا يقع على كاهل الحكومة وحدها، بل على المؤسسات والاشخاص الذين اسهموا في تحسين العلاقات مع ليبيا، ومنهم مدير الاستخبارات السابق (ام اي – 6) مارك الين الذي قدم مديري شركة البترول البريطانية ‘بي بي’ لليبيا وكذا ناثانيل روتشيلد الصديق المقرب من سيف الاسلام وصاحب المصالح التجارية في ليبيا، وبالاضافة الى هذا يجب ان تمنع الحكومة البريطانية عائلة القذافي من الدخول الى بريطانيا.
وقالت ان الفنادق الراقية يجب ان تمتنع عن استقبال المقربين من القذافي من الطبقة التي لا اخلاق لها وعلى مسؤولي اتحاد دول الكومنولث انه لا مكان لهم في هذه الدولة. وختمت قائلة ان الحكومة البريطانية لديها خيارات قليلة للتعامل مع نظام العصابات هذا، لكن لا يعني الوقوف جانبا وعدم اتخاذ اجراءات عملية. فعلى الجميع مواطنين ومسؤولين استخدام كل ما بيدهم من وسائل للضغط.
ملاحقة مليارات القذافيمثل بقية حكام المنطقة الديكتاتوريين لا احد يعرف قيمة الثروات التي خزنوها في حسابات سرية، وكالعادة يلجأ المحللون الماليون الى التقدير، وعليه فعائلة القذافي قد تكون راكمت من الثروة النفطية للبلاد مليارات الدولارات التي خبئت في حسابات سرية في دبي وجنوب شرق اسيا. فحسب تيم نيبلوك الباحث في جامعة اوكسفورد فانه وجد ثغرة في مجال الانفاق الحكومي السنوي وعوائد النفط السنوية، والثغرة هذه يمكن استخدامها في فهم طبيعة الثروة التي راكمها القذافي وابناؤه التسعة. ومع اعترافه بصعوبة تحديد ثروة عائلة القذافي الا انه لا يستبعد ان تصل الى عدة مليارات وفي عدة اشكال. وقال اليستر نيوتن، المحلل المالي والسياسي في البنك الياباني ‘نامورا’ ان هناك صعوبة في تحديد ثروة القذافي. ولا احد يعرف اين خبأ الزعيم المال لكن نيبولك لا يستبعد انها حولت الى حسابات بنكية وارصدة مجمدة في دبي ودول الخليج ودول جنوب شرق اسيا. ولم يحولها الى حسابات بنكية في دول غربية ذات نظام مالي شفاف، وبالاضافة لهذه الاموال فان القذافي وخلال الاعوام الماضية دعم انظمة حكم في افريقيا خاصة روبرت موغابي – رئيس زيمباوبوي الذي تلقى اموالا كبيرة من الزعيم. كما ان القذافي دعم في تسعينات القرن الماضي قبائل الزغاوة في دارفور ـ غرب السودان ولا يستبعد نيبلوك ان يكون المرتزقة من بينهم.
واضافة الى ثروة القذافي فيعتقد ان الحكومة الليبية قامت باستثمار 61.8 مليار جنيه في مشاريع حول العالم. وتضم الاستثمارات بيت من 8 غرف في حي هامبستد شمال لندن، الذي اشتراه سيف الاسلام عام 2009 بمبلغ 10 ملايين جنيه. ومعظم استثمارات ليبيا الخارجية قامت بها مؤسسة الاستثمار الليبية التي انشئت عام 2006 من اجل استثمار عوائد النفط وهي مؤسسة سيادية وتدير70 مليار جنيه. ولدى المؤسسة استثمارات في بورتمان للعقارات وفي مكاتب تجارية في وسط مدينة لندن ويشار الى مصالحه في ايطاليا، خاصة القرية الايطالية التي قرر ان يتبناها وهو في طريقه لاجتماع قمة الدول الثماني عام 2009، حيث زار عمدة لاكويلا طرابلس العام الماضي من اجل تحويل بلدته الى بلدة سياحية واستثمار 15 مليون يورو. وعلى الرغم من اعتقاد الكثير من المحللين ان استثمارات ليبيا الخارجية لن تتأثر، لان الحكومة الجديدة قد لا تقدم على خطوات تؤثر على استقرارها، لكن آخرون يرون ان الحكومة قد تجد نفسها امام ضغوط لملاحقة اموال القذافي كما حصل مع نظام مبارك.
الحياة الغريبة لابناء القذافيوكانت الوثائق التي سربها موقع ويكيليكس قد قدمت صورة عن الحياة الغريبة لاولاد القذافي، ففي تقرير صادر عن السفارة الامريكية عام 2009 تحدث عن قيام سيف الاسلام بدفع مليون دولار امريكي للمغنية ماريا كيري كي تغني في حفلة خاصة اقامها في جزيرة سانت بارتز في الكاريبي. ولكن يظل سيف الاسلام متواضعا في نفقاته مقارنة مع المعتصم شقيقه الاخر، مستشار والده لشؤون الامن القومي. ففي تقرير مكتوب عام 2008 قال ان المعتصم طلب 1.2 مليار دولار من رئيس شركة البترول الليبية لتغطية نفقات انشاء ميليشيا خاصة، مما يجعله على قدم المساواة مع شقيقه خميس الذي يدير وحدة لحماية النظام.
وتقول ‘نيويورك تايمز’ ان الكوابل الامريكية من العاصمة طرابلس تقدم صورة عن الحياة المرفهة لعائلة القذافي وبذخها ومحسوبيتها والمنافسة الحادة بين الابناء والاقارب، ففي تقرير تحت عنوان ‘شركة القذافي’ (2006). وتفاصيله تؤشر الى حالة الفوضى التي قد تعم البلاد حالة الاطاحة بالزعيم. ومع ان ابناء القذافي كانوا يتنافسون من اجل الحصول على مراكز، الا ان التقرير يشير الى انتفاع 3 من ابنائه من عقد تصنيع الكوكا كولا في البلاد، ويقول التقرير ان كل ابناء القذاقي والمقربين منه انتفعوا من شركة النفط الوطنية’. واشارت التقارير الى بذخ المعتصم الذي اعاد حفلة اخيه في سانت بارتز ودعا في هذه المرة المغنية بيونسي والمغني اشر، ونقلت عن الدبلوماسي الذي كتب التقرير عن مسؤول في الدولة قوله ان بذخ المعتصم اغضب الكثير من المواطنين الذين نظروا لنشاطاته كاحراج لهم. اما هنيبال فقد هرب من لندن بعد ان اتهم بضرب زوجته الين التي طلبت منها عائشة التي سافرت الى لندن على الرغم من حملها ان تقول للشرطة انها جرحت في حادث وان تتجنب ذكر اي شيء عن الضرب. وبالنسبة لسيف الاسلام فانه كان معزولا عن حياة الناس العاديين، حيث قضى كل اوقاته في رحلات خارج البلاد، يصطاد في نيوزيلندا. عزيزي معمر.. وفي مقال كتبه جيم هوغلاند في ‘واشنطن بوست’ وجاء على شكل رسالة ‘عزيزي معمر..’ وذكر فيها برسالة مماثلة بعثها الى حسني مبارك يدعو للتخلي عن السلطة لكنه قال ان القذافي الذي يصر على الرحيل من خلال النار ليس مبارك. وقال ان لا احد يرغب بحمام دم كثمن ‘لخلعك’ لكن الشعب الليبي استعاد كرامته، وبالتخلص منه سيدعم التحول النفسي في العالم العربي، مشيرا الى انه وغيره من الحكام العرب كانوا نتاجا لانتصارات اسرائيل على العرب ‘فقد عشت على القدرية والتشاؤم التي عاشها الناس الذين رأوا انفسهم على انهم الخاسرون’. وقال ان ارث القذافي هو مثل ارث صدام، دموي وشرس. واكد ان اليقظة العربية يبدو انها تتقوى من قوى جيلية ومجتمعية مصممة الآن على انهاء الانظمة المتحجرة.
من جهة اخرى تساءل جاكسون ديل في نفس الصحيفة ان كانت ادارة اوباما لينة مع القذافي، خاصة انها تمنعت حتى الآن عن شجب اعماله. وقال ان تصريحات مسؤولي الادارة الامريكية المترددة ستعود لتلاحقهم حالة استمر القتل والذبح في شوارع العاصمة طرابلس.