نيويورك ـ رويترز: بغض النظر عما سيأتي لاحقا في المواجهة السياسية العنيفة بليبيا يجزم كثيرون بأن قطاع النفط بالبلاد سيئن تحت وطأة تعطل طويل للإمدادات بل وربما ضرر دائم.
وأيا كانت نتيجة الأحداث الدائرة في ليبيا عضو منظمة أوبك فإنها لن تمر مرور الكرام على صناعة النفط الليبية -عصب اقتصاد البلاد- أو على أسعار النفط. والاحتمالات متعددة ومتنوعة بدءا بنشوب حرب أهلية شاملة ووقوع هجمات على البنية الأساسية لقطاع الطاقة وانتهاء بإهمال المستويات الدنيا من العاملين بالقطاع وتعرض مكامن النفط لأضرار مع فرار الخبرات الأجنبية من البلاد.
وعلى مر العقود برهن التاريخ في دول مثل إيران والعراق وفنزويلا على أن فترات الفوضى السياسية في بلد عضو بأوبك تترك عادة جروحا غائرة بقطاع النفط. ويتوقع كثيرون ألا يختلف الأمر بالنسبة لليبيا.
وقالت آمي جافي المتخصصة في دراسات الطاقة وخبيرة شؤون الشرق الأوسط في جامعة رايس في هيوستون ‘من المرجح أن تعطل الفوضى عمليات التكرير وإنتاج النفط بليبيا’. وأضافت ‘الجيش يتخلى عن القذافي لذا فمن غير الواضح من سيبقى لحماية منشآت النفط. ويجري إجلاء أعداد كبيرة من الأجانب.. فمن سيبقى لإدارة صناعة النفط الليبية؟ بل هل سيتوجه العمال أصلا للعمل؟’. وليبيا هي ثالث أكبر منتج للنفط بإفريقيا وهي محل أكبر احتياطيات مؤكدة بالقارة إذ يقدر احتياطيها بنحو 44 مليار برميل. ويمثل النفط الليبي عادة اثنين في المئة من الإنتاج العالمي.
وليبيا هي أول دولة رئيسية مصدرة للنفط تواجه اضطرابات حادة منذ عصفت موجة الاحتجاجات بالشرق الأوسط في يناير كانون /الثاني وأطاحت برئيسي تونس ومصر.
وتوقف إنتاج ما يقدر بنحو 300 ألف برميل من الإنتاج النفطي الليبي الذي يبلغ 1.6 مليون برميل يوميا مع إجلاء الشركات لعامليها ووقف عملياتها. وتدير شركات أجنبية منها إيني وريبسول معظم قطاع النفط الليبي في حين يحكم الزعيم معمر القذافي قبضته على المؤسسة الوطنية للنفط.
وتعهد القذافي يوم الثلاثاء بالبقاء في السلطة بأي ثمن وتوعد المحتجين بالملاحقة والقتل. ومع تنازع فصائل متنافسة على قطاعات من شرق ليبيا الغني بالنفط والذي تفصله مئات الكيلومترات من الصحراء عن العاصمة طرابلس الواقعة في الغرب يحذر محللون من أن البلاد قد تواجه حربا أهلية.
وعادة ما تؤدي الحروب وغيرها من الأزمات السياسية الكبرى في دول أعضاء في أوبك تمثل فيها البنية التحتية النفطية دورا رئيسيا في الاحتفاظ بالسلطة والسيطرة على مقاليد الأمور المالية إلى تعطل الإمدادات على نحو يستغرق تخطيه سنوات أو حتى عقودا.
فمع الثورة الإيرانية عام 1979 انخفض إنتاج البلاد من النفط بأكثر من النصف ولم يعد إلى سابق عهده بشكل كامل إلى الآن. وأدى الغزو العراقي للكويت عام 1990 إلى انخفاض حاد في إنتاج كلا البلدين لسنوات وحدث تخريب لآبار النفط الكويتية. وفي فنزويلا تعطل الإنتاج بسبب إضراب ضخم بقطاع النفط عام 2002 ولم يعد إلى ما كان عليه.
وسبق أن تدخلت المملكة العربية السعودية أكبر منتج في أوبك لتعزيز الإنتاج عندما تعطل إنتاج أعضاء آخرين. وقال وزير البترول السعودي علي النعيمي يوم الثلاثاء إن المنظمة مستعدة لضخ مزيد من النفط عندما يستدعي الأمر. ويقول مسؤولون أمريكيون إن المملكة يمكن أن تعوض الإمدادات الليبية في غضون شهر واحد وإن كان ذلك سيقلص من طاقة الإنتاج الفائضة.
وقال محللو مجموعة يوراشيا غروب في مذكرة يوم الثلاثاء ‘من المرجح ألا يتوقف إنتاج النفط (الليبي) تماما لكن يصعب تصور ألا يسبب هذا المستوى من الفوضى تعطلا كبيرا في العمليات’. وأضافت المذكرة ‘من المرجح أن تمر البلاد بفترة طويلة من عدم الاستقرار المتسم بالعنف مع احتمال نشوب حرب أهلية شاملة’. ولأن الانتفاضة تهدف لإنهاء حكم القذافي المستمر منذ 41 عاما فان البنية التحتية النفطية قد تدخل في اللعبة. وعلى النقيض من نيجيريا وأنغولا – مصدري النفط الإفريقيين الرئيسيين- حيث تقع معظم منشآت النفط في البحر تقع معظم المنشآت الليبية على البر مما يجعلها أكثر عرضة للتخريب.
وقالت شركة بي.
اف.
سي لاستشارات الطاقة في مذكرة إنه مع تدافع شركات النفط لسحب عامليها من ليبيا ستعمل صناعة النفط الليبية ‘تحت ظروف صعبة. وسيدفع استمرار انعدام الأمن شركات النفط الأجنبية للبقاء بعيدا لفترة’. وحتى الآن لم ترد أنباء عن وقوع هجمات على البنية التحتية لقطاع الطاقة، لكن زعماء القبائل بالمناطق الشرقية هددوا بوقف الصادرات التي تتدفق إيراداتها عادة على العاصمة طرابلس معقل القذافي في غرب البلاد. وعلى مسافة ليست ببعيدة تعطل بالفعل عمل خط أنابيب بحري للغاز.
وقد يدل وقف صادرات منتجات التكرير الليبية على أن العمال يتركون بالفعل مصافي التكرير بالبلاد ووحداتها التي يمكن أن تنفجر بسهولة.
وجاء في عمود نشرته مجلة ‘تايم’ يوم الثلاثاء إن القذافي نفسه يمكن أن يأمر بهجمات تخريبية على أنابيب النفط المؤدية إلى البحر المتوسط واستشهد الكاتب بمصدر في المنطقة.
أما في آبار النفط الليبية التي يقع معظمها في مناطق صحراوية نائية فإن أي تعطل فجائي قد يلحق ضررا دائما بالبنية التحتية.
وقالت جافي ‘من سيشعر أن بمقدوره السيطرة على البنية التحتية في المستقبل لن يحاول على الأرجح أن يخربها’. وأضافت ‘لكن قد يتعين على الشركات بما فيها المؤسسة الوطنية الليبية للنفط أن تأخذ قرارا صعبا.. فإما أن تحاول وقف العمل بشكل منظم يضمن استئناف الإنتاج بسهولة لاحقا وإما أن تبقي الحقول مفتوحة مع ما ينطوي عليه ذلك من المجازفة بتعرضها للضرر’.