الوطن العربي: الديمقراطية الان أو.. الطوفان

حجم الخط
0

يعيش العالم العربي راهنا وضعا سياسيا غير مسبوق بكل المقاييس.

فبعد أن أجمع كبار المعنيين بقضايا الأمة العربية على تكلس الشارع، واستكانة المواطنين واستسلامهم للأمر الواقع، انطلاقا من ‘ ايمانهم ‘ بأنه ليس في الامكان أبدع مما كان، بل ان البعض الآخر أقر بوفاة العرب ولم يتبق سوى ‘الاعلان’ عن هذا الموت، على اثر ما عاشته المجتمعات العربية من هزائم وويلات عسكرية وحضارية تململ الجسد من جديد، ممثلا في شباب عاش ثورة معلوماتية واختبر بنجاح تقنيات التواصل الاجتماعي الافتراضي، أملا في رؤية الضوء في نهاية النفق العربي المظلم، خاصة وأن المؤسسات العربية الرسمية حققت نجاحا باهرا في حرمان المواطن العربي من أبسط حقوق المواطنة، وجعله يئن تحت وطأة الإقصاء والتهميش والفقر المادي والمعنوي، مما حدا به إلى ركوب قوارب الموت وما بعد ‘الموت’ عسى أن يعثر على قدر يسير من الكرامة. لم يعد ولن يعود الشباب العربي للاستماع إلى الأسطوانة المشروخة: لا شيء يعلو فوق صوت المعركة تأجيل الانتقال إلى البناء الديمقراطي إلى حين تصفية القضايا القومية الكبرى’.. إن الشباب العربي الراهن عقد العزم على وضع حد للأصولية الدولتية، وتغول الأنظمة الحاكمة وعلى مواجهة أنماط سياسية مهترئة وزعامات غارقة في أمراضها الفيزيائية والماورائية، كانت سببا محرقيا في تفاقم الاحتقانات الداخلية والخارجية، ونشر النعرات العرقية والدينية والفوارق الاجتماعية المدوية، وتعميق بؤر الفساد ونهب الثروات.

لم تعد الغاية الأسمى للفاعلين السياسيين من شباب ومثقفين وأصحاب الضمائر الحية، هي تغيير مسؤول بمسؤول آخر مهما علا أو دنا شأنه، لقد أضحى ديدن هؤلاء هو اقامة أنظمة سياسية ذات مصداقية ومؤمنة بالمواثيق والقيم الانسانية المتعارف عليها دوليا، انه من أوجب الواجبات في هذه المرحلة التاريخية المباركة غرس نظام سياسي (ملكي رئاسي جمهوري..) مستند إلى دستور حداثي تشارك في صياغته كل الأطراف المنضوية داخل المجتمع ودون اقصاء أو استئصال، وفي سياق استفتاء شعبي حر ونزيه لوضع حد لظاهرة الدساتير الممنوحة والمفروضة على رقاب الشعوب المضطهدة، وأن يكون هناك فصل بالفعل وليس بالقوة بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، والعمل الجاد من أجل تحقيق مطلب طالما حرم منه المواطن العربي ألا وهي الاعلام الورقي والالكتروني المستقل للمساهمة في تنظيف الممارسة السياسية العربية من مظاهر التزلف وصوغ قصائد المدح للزعيم ‘القائد المبجل المفدى’. وهكذا لا يمكن بالبت والمطلق أن نلتحق بركب الدول المتقدمة إلا بالقطع مع أساليب الحكم البائدة: أساليب الغطرسة والاستبداد والفساد بكل أصنافه، وأوضح الطرق المؤدية إلى هذا المبتغى انجاز اصلاحات بنيوية وصادقة وفعالة، دون ذلك ستكون ثورتا تونس ومصر بداية سقوط أحجار الدومينو.

و قد أعلنها صيحة مدوية منذ (1992) منظر العقلانية العربية المرحوم الفيلسوف محمد عابد الجابري في كتابه: وجهة نظر.. حينما قال: ‘إن الديمقراطية في الوطن العربي، هي اليوم أكثر من أي وقت مضى ضرورة لا من أجل التقدم وحسب بل من أجل الحفاظ على الوجود العربي ذاته’. فهل نحن مستعدون للتضحية بالغالي والنفيس من أجل الدفاع عن الوجود العربي وكينونته؟ هل نحن قادرون على تقرير مصيرنا والمشي قدما نحو ارساء دولة الحق والقانون؟ هل نحن متأهبون لزرع بذور الوحدة والتضامن والعدل والحرية؟ لعل الدماء الزكية لشباب تونس ومصر وغيرها من الدول العربية من شأنها أن تعلن عودة العرب مجددا إلى مسرح التاريخ وأن تشرق شمسهم بعد ظلام حالك السواد. الصادق بنعلال باحث في قضايا الفكر والسياسة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية