استثمار اللحظة.. وداعا زمن الخنوع

حجم الخط
0

محمد عبد الرحمن محمد فالمن قال وراهن ذات زمان عربي رديء ان الشعوب العربية خلقت للخنوع وعبادة الحكام؟ وأنها عصية على التململ والتأوه من ويلات ‘ أمير المؤمنين’ الذي لا ‘يأمر’ إلا بتمجيد ذاته وتقديسها آناء الليل وأطراف النهار؟.

ومن ظل يبصم بالعشرة أو العشرين ان هذه الشعوب الغوغائية الدهماء لا تصلح البتة لاستيعاب أي مفهوم من مفاهيم الثورة والتحرر؟ وربما ذهب لأبعد من ذلك حين يجزم موقنا ان موروث ‘أمراء مؤمنينا’ الدموي، استأصل كل خلايا الإحساس في الجسد العربي الذي كرمه خالقه ببعثه أكرم مخلوق من طينته، وإرساله رحمة للعالمين، فتأمر من بعد خلفائه الراشدين – وأخر من بعدهم راشدون قليل ما مهم – اعتقدوا ان هذه الشعوب بدمائها ودموعها وأموالها وأعراضها ما هي إلا غنائم لهم حل لهم ولمن يرثهم من ذويهم إلى يوم الدين. ومن يرى ان هذه الشعوب العربية لا مندوحة لها عن الذل والهوان لكونها سيمت أشد العذاب وسيقت كالخراف لكل مواطن الإهانة والتنكيل منذ أول حجاج عربي إلى ‘حجاججة المؤمنين’ المعاصرين؟ ومن أيقنته دراساته الإستراتيجية وتقاريره الاستخباراتية من بني ‘الأصفر’ أو ‘الفرنجة’ ان كل سياساتهم المشبوهة في المنطقة ستظل تنفذ كما ترسم، مهما كانت بشاعتها كالعبث بالعراق، وفجاجتها كتدليل إسرائيل وهي تواصل ‘محرقتها’ للشعب الفلسطيني الأعزل؟ لكل من قالوا وراهنوا وجزموا وأيقنوا، بموت الشعور العربي يقول لهم لسان حال الشعوب العربية اليوم:

الأرض للطوفان تعشق علها من درن تغتسل!

نعم انه الطوفان الشبابي يغمر البلدان العربية لتطهيرها من درن الأنظمة التي أفسدت البلاد والعباد وعاثت في الأرض وطغت وتجبرت وكاد قائلها يقول ‘أنا ربكم الأعلى’. بالله عليكم من كان سيعلم في نفس الحارة التونسية ان مواطنا عاديا حرق نفسه في دولة ينام رجال أمنها داخل أدمغة مواطنيها، دولة يحكمها أفظع جهاز قمع عربي وان كانت الفظاعة سمة مشتركة بين تلك الأجهزة ‘العربية’ الرهيبة. لكن رمزية حرق المواطن التونسي البسيط (البوعزيزي) لجسده تاركا حياة الذل والظلم والخنوع هي التي أجبرت ‘شر الحاكمين’ في تونس على الهروب مطرودا مدحورا، وهو الذي كان ملء العيون والقلوب، ومن جبروته بلغت القلوب الحناجر. هرب زين العابدين جهارا نهارا باحثا عن عاصم من أمر الله، مانع من غضب الشعب، والمضحك المخزي لزين العابدين هو ان أسياد الأمس الذين يتبتل لهم باسترقاق الشعب ومحاربة شعائر الله تخلوا عنه بسرعة البرق بعد ذهاب نور السلطة الذي كان عليه، إنهم يخافون من ثورة الشعوب ان استضافوا دكتاتورا لا يملكون قدرة سحرية لتأمينه من صولة يد القضاء. هكذا أشعل البوعزيزي النار في جسده المهترئ لتلتهب جذوتها حارقة كل تابوهات الغطرسة والدكتاتورية العربية وملتهمة كل مشاعر الذل والخنوع والهوان والجبن في نفوس الشباب العربي، لاسعة بألسنتها الحارقة أساطين وعروش أمراء المؤمنين على امتداد القارعة العربية.

جذوة ‘البوعزيزي’ تطايرت شرارتها لتشعل أكبر البلدان العربية وأكثرها محورية في الشأن العربي، إنها ارض الكنانة التي طردت هي الأخرى بصرخات شبابها وشيبها ذكورا وإناثا من تربع على عرشها وجثم على عقول وقلوب وأرزاق وأعناق شعبها منذ ثلاثين سنة، بعد ان كان حريصا على توريث ابنه المدلل جمال. لكن يبدو ان الثورات تأتي بما لم يشته الحكام فلم يكن مبارك ‘مباركا’ في نظر المصريين الذين ضربتهم سنيه العجاف بقحطها، وسلقتهم أجهزة قمعه بسياطها، فبلغ سيل أحزانهم زباه. لا احد كان يتصور أو يتوقع زلزال الغضب العربي هذا الذي يضرب مشكورا منطقتنا العربية حاليا، ولا اعتقد ان جهازا استخباراتيا في العالم ولا أي مركز للبحوث والدراسات الإستراتجية يمكن ان يزايد ويدعي انه توقع أو تصور ما نرى ونعيش. بالفعل انه لا يصدق.. انه الغليان الوجداني للشباب العربي بدأ يلقي ويقذف حممه دونما سابق إنذار تماما كما فعل قبل شهور بركان ‘ايسلندا’ الذي شل حركة العالم، لكن شتان ما بين الرماد واللهيب، وما ابعد الفرق بين شل حركة الطيران لأيام معدودة وشل حركة جبابرة حكموا منذ عقود وما زالوا يخططون للتخريف والتوريث. طبعا لا احد يصدق ان الشباب العربي الذي ظلت هذه الأنظمة تحاربه في كل شيء حتى في لقمة عيشه، وكرسي دراسته، هو من يفعل فعلته اليوم في وطننا العربي. لقد سخرت هذه الأنظمة وبكل سخاء مليارات الدولارات للشباب العربي من الماء إلى الماء، لتنفيذ سياسات رسمت ‘بخبرات خارجية!’ لتمييع الشباب العربي وإبعاده عن مواطن الإحساس بالهم الوطني والاستشعار الروحي، وتدمير المنظومة الأخلاقية والقيمية في المجتمع حيث تلهث الشعوب العربية خلف شهواتها وغرائزها تماما كالأنعام والدواب. فتم العمل على إنتاج أجيال عربية لسان حالها، لا نرى لا نسمع لا نتكلم بل لا نفهم ولا نهتم، إنها أجيال الشوكولاتة والهامبرغر والبيبسي كولا والسراويل الساقطة وقصات الشعر الغريبة، أجيال غريبة في أشكالها وأطوارها واهتماماتها ومظاهرها وظواهرها كانت بالفعل قرة أعين لأمرائنا، في أوطان لا يريدونها للأجيال المشاغبة التي ‘تفهم’ و’تعي’ ما لها من حقوق وما عليها من واجبات. كم من الفضائيات الهابطة تبث سمومها عبر السموات العربية في الغرف والبيوت والمجالس والنوادي العربية؟ الله وحده يعلم حجم الإنفاق عليها وعلى مسلسلاتها الرخيصة والهابطة وبرامجها الخليعة والتافهة، التي لا تتناغم مع ما لهذه الأمة من قيم ومعتقدات روحية وأخلاقية.

كم من الفضائيات والنوادي الرياضية المبالغ فيها وفي الإنفاق عليها لتخدير هذا الشباب بالهم الرياضي فقط لا غير وإبعاده عن كل اهتمامات وانشغالات أخرى خاصة الهم الوطني والقومي (لعلنا نتذكر ‘الحرب الكروية’ التي كادت تنشب بين مصر والجزائر قبل شهور بدعم سخي ورعاية كريمة من الوريث الوديع جمال مبارك). كم من بيوت الرذيلة ومقاهيها وإعلاناتها حتى في قنواتنا الفضائية الحكومية، وفي الصحف والمجلات العربية الهابطة، تستهدف غرائز ومشاعر هذا الشباب في مرحلة حساسة من نموه العقلي والجسدي؟ كم عدد حوانيت المخدرات والخمور في شوارع وحارات وأزقة بلداننا العربية؟

كم من الملايين ان لم نقل المليارات أنفقتها أجهزة امننا العربية على آليات وماكينات التعذيب والترويع لقمع (وأحيانا قمع عشيرة) من تسول له نفسه التفكير في هموم وانشغالات الوطن والأمة؟ كم وكم وكم… لقد ظلت ولا تزال أجهزة امننا وإعلامنا تصوب أسلحتها الفتاكة في وجه الشباب العربي ليعيش خانعا خاملا منغمسا في شهواته وملذاته مرعوبا حتى من الاستماع لضمير جمعي يصحو في لحظات ما من لحظات الوجع العربي.

حالة الشباب العربي هذه هي التي جعلته لقمة سائغة يلتهمها كل الضواري من أصحاب الأجندات الخفية من ‘رعاة’ التطرف والانحلال الأخلاقي لـ’دعاة’ التطرف والانبهار الفكريوهذا ما دفعت وتدفع بلداننا ضريبته الدموية منذ بعض الوقت، لدرجة ان التطرف الفكري أو ما يطلق عليه ‘الإرهاب’ كاد يصبح الماركة المسجلة للعرب والمسلمين في كل بقاع العالم بعد واقعة الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001. ومع ان الحديث عن ‘استغلال’ الشباب العربي كوقود لما كان يطلق عليه في زمن ما ‘الجهاد’ وفي زمن آخر ‘الإرهاب’ حديث يطول لأنه ينبش في عرض حكومات عربية غررت بأبنائها خدمة لأجندات خارجية في زمن عربي كانت فيه أمريكا ولا تزال، حسب نزار قباني: … تجرب السوط فينا وتشد الكبير من أذنيهفي وضع كهذا طبيعي جدا ان تضرب لوثة إحباط عقول الشباب العربي، وهذا ما جعله فريسة سهلة أمام كل من يوهمه بزرع أمل جديد في الحياة حتى ولو تمثلت تلك الحياة في الموت ذاته! لكن يبدو انه رغم كل السياسات والتدابير، قد انقلب السحر على الساحر، فقد تشرب الشباب العربي من مفاهيم الحرية والعدالة والديمقراطية، بعد ان تعانق بعيدا عن عيون ‘الرقيب’ على صفحات الشبكة العنكوبتية وتطارح الهموم، واكتشف صدق ومصداقية وحدة الشعور والمصير، واتخذ من بساط ‘الفايسبوك’ وشاشات القنوات الفضائية المنشغلة بهموم الأمة وقضاياها وقليلة ما هي – ميدانا حقيقيا لتنسيق المواقف والقرارات، وتقديم الإمدادات بالأفكار النيرة في حرب سلاحهم فيها قوة الحق ضد بلطجية أنظمة مدججة بحق القوة.

فجأة صدع الشباب العربي بما ظل يأمره به ضمير جمعي نام على الضيم لعقود ليهب هبة الرجل الواحد، معلنا أنها ثورة حتى تنعم الأمة بكل خيراتها وحرياتها، فلن يستعبد أبناؤها بعد اليوم وقد خلقوا أحرارا، ولن تنهب خيراتها كغنائم وموروثات عائلية. انه بكل تأكيد فتح عظيم ما كان ليتحقق لولا عناية الله بشباب قدموا أرواحهم قرابين رخيصة في سبيل حرية وحقوق امة عمل قادتها بسياساتهم ‘الرشيدة!’ على ان لا تكون ‘خير امة أخرجت للناس’. لكن على الرغم من الفتح العظيم الذي تحقق ويتحقق يجب ان لا نطلق العنان للعواطف، ولا نترك فرصة للخيلاء، فقديما قالوا ‘حفظ الموجود أولى من طلب المفقود’، علينا ان نضع التصورات ونفكر بهدوء وروية لترسيخ المكتسبات الشبابية هذه واستخلاص الدروس واستنباط العبر. هناك طوفان من أسئلة التحدي يحاصرنا علينا ان لا ننشغل عنه بالرقص في ميادين التحرير زهوا ونشوة بنصر مبين، علينا ان لا نتوهم ان سدنة الأنظمة الفاسدة وخفافيش ظلامها سيتوقفون عن محاولات الالتفاف على الثورة وتفجيرها وهم من لهم باع واسع وعمر طويل في الدسائس والسيناريوهات المرسومة في الغرف المظلمة. وعلينا ان نمارس الثورة ونعيشها في جميع بلداننا العربية لكن بأسلوب ديمقراطي متحضر لا من اجل الإطاحة بهذا الرئيس أو ذاك بل لنشر ثقافة الإصلاح السياسي والتنموي ومحاربة الفساد والمفسدين، للخروج ببلداننا من براثين التخلف الحضاري والتنموي.

صحيح ان تداعيات هذه الثورة عظيمة جدا وتبعث على التفاؤل خاصة أنها وان كانت تطيح بالعروش الفاسدة، ستبدد وتبخر على المدى المنظور الأفكار المتطرفة التي عششت في عقول وقلوب شبابنا المحسوب على الحركات المتطرفة بمختلف تشكلاتها وتصوراتها. إذ لا يسع أي حركة شبابية اليوم ان تغرد خارج السرب، لقد ولى زمان الخنوع العربي وبزغ فجر الشباب العربي الثائر المتسلح بالخبرات العلمية والعملية. كما ان هذه الثورات الشبابية تخدم حكامنا وساستنا أكثر من غيرهم، حيث تضع حدا لنهاية غير المصلحين، وتدعم المصلحين أو الجانحين للإصلاح بأوراق ضغط قوية أمام الاملاءات والأجندات الخارجية. يجب ان يمتنع الحاكم العربي عن تمثيل دور ‘المأمور’، ولا غضاضة في التعلل بتجنب غضب شعبه، لان الآية انقلبت وأصبحنا في العالم العربي نعيش زمن خوف الحاكم من الشعب بعد ان ولى إلى غير رجعة زمن خوف الشعب من الحاكم، وعندما نستوعب هذه الحقيقة بحكمة وتواضع ستختفي ظاهرة الخوف لتتحول إلى حب متبادل بين الحاكم والمحكومين. واعتقادي ان هذه اللحظة ان وفقنا في استشعارها واستثمارها كفيلة بصهر كل طاقات الشباب العربي في بوتقة فكرية واحدة عنوانها الولاء والإخلاص للأمة والوطن، عندها فقط نتصالح مع ذواتنا ويحسب لنا الآخر أي آخر ألف حساب، لا لأننا سنركب خيولنا ونغزو العالم بحرابنا وسيوفنا ونعود بالغنائم، بل لأننا مؤهلين أكثر من أي امة أخرى للإسهام الفعال في الحضارة البشرية والإنسانية بحكم عمقنا الحضاري ورسالتنا السمحاء، ولنا في تاريخنا المغمور والمسروق شواهد وبينات.’ إعلامي موريتاني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية