أيقنت الشعوب العربية اليوم أن أنظمة الحكم في عواصمها تكلست وتجصصت، فأشعلت نيران الثورات والاحتجاجات داخل العديد من الدول العربية، خرجت هذه النيران من بين رماد قهر الشعوب، لم تستطع هذه الأنظمة التي أعدت نفسها وتحصنت وراء متاريس قمعها من الصمود أمام غضب الجماهير، رغم الأسلحة التي كدستها وزودتها بها الدول الامبريالية، لكي تحمي نفسها ولكي تستمر بحماية مصالح الدول المزودة بالأسلحة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، كانت هذه الأنظمة تدرك أن يوم الحساب ليس بعيدا، وآمنت بأنها قادرة على الاستمرار في فرض سياسة الترهيب، إلا أن هشاشة وعجز هذه الأنظمة فاجأ الجميع، فقد أثبتت الثورات والاحتجاجات التي نشبت حتى الآن بأن غالبية الأنظمة في الأقطار العربية من ورق، فارتدت جميع آلات القمع التي أعدتها إلى نحرها، وثبت أن قادة هذه الأنظمة جبناء، لأنهم سارعوا لاحتواء غضب شعوبهم بعروض جديدة من الخداع وتقديم بعض الفتات من الرشاوى في أجور العمل. قبل أن تهدأ العواصف الثورية في تونس ومصر، كان الشعب في ليبيا على موعد مع آماله وتطلعاته، هذا الشعب الذي مضى على معاناته من حكم القذافي وأسرته أربعة عقود ونيف قرر ان يقول كفى للطاغية، لقد حكمهذا المذهوب في عقله البلاد بأسلوب ‘قراقوش’ حكماً مزاجيا من الصعب وضعه في أية خانة إنسانية أو حضارية، لقد جعل القذافي من نفسه الثورة والشعب والنفط والاقتصاد والفكر والقومية، وهو في الحقيقة غريب عنها جميعاً، أقام مؤسسات وهمية لا علاقة لها بالشعب، يديرها مرتزقة من مؤيدي النظام الذين يشاركونه في نهب ثروات الشعب، كان للقذافي دستورهالخاص يعكس هذا الدستور نفسيته المضطربة، بسبب هذا الدستور الوهمي العبثي فقد الشعب الليبي هويته الحقيقية.
من اجل خداع كل الذين يؤمنون بالإجماع القومي، خصص القذافي فضائية خاصة اسماها (الوطن الكبير) مهمة هذه الفضائية بث خطاباته وخطابات عبد الناصر وقراءة بعض الفصول من الكتاب الأخضر، الذي يعتبرهكتاباً مقدساً من وحيه تتعلم شعوب العالم، نادى نفسه بملك ملوك أفريقيا وعميد الحكام العرب وإمام المسلمين والأخ العقيد قائد الثورة، قام بما سماهاللجان الشعبية، وهي في الحقيقة لجان فاشلة وهمية سببت الفوضى والفراغ التنظيمي داخل المجتمع، في حين منع القذافي التعددية الحزبية، كما منع من الشعب الليبي إقامة دستور للحكم يواكب العصر والحضارة، كما فرض تعتيماً شاملاً على ممارسات مؤسسات الحكم في البلاد وحاصر وسائل الإعلام بكل أنواعها.
الصفقة التي عقدها مع الغرب كشفت حقيقته وزيف مواقفه، فقد اعترف نجله سيف الإسلام في حديث لصحيفة ‘الديلي ميل’ البريطانية في السنة الماضية بأن والده قام بتعيين قاتل أطفال العراق توني بلير مستشاراًله، وشدد القذافي الابن في هذه المقابلة بأن بلير صديق شخصي للعائلة وأنه زار ليبيا مراراً، هذا هو القذافي انه جزء لا يتجزأ من إجماع سيفالاستبداد الذي يسلطه الحكام العرب على رقاب شعوبهم، كما جعل من نفسه الحارس الأمين للمصالح الأمريكية في المنطقة، إذاً لم يكن مستغرباً عليه عندما عارض ثورة الشعب التونسي ضد الطاغية زين العابدين بن علي، وقد تضاعف إحباطه ويأسه عندما قام الشعب المصري بكنس نظام حسني مبارك.
تميم منصور