هل يمكن إسقاط النظام في لبنان؟

حجم الخط
0

د. عصام نعمان’ يعمّ بلاد العرب مطلب شبابي يلخصه شعار ساحر: ‘الشعب يريد إسقاط النظام’. الشباب تمكّن من إسقاط رأسيّ النظام في تونس ومصر، ويحاول جاهداً إسقاط بقايا النظام فيهما. كما نجح الشباب في تحريك تظاهرات ومسيرات تدعو الى اسقاط النظام في البحرين وليبيا واليمن والعراق والاردن، وقطع شوطاً طويلاً في هذا السبيل.

اكتب هذه السطور قبل ساعات معدودات من انطلاق حراك او مسيرة شعبية يعدّ لها شباب لبنان، لإسقاط النظام او ربما لإصلاحه. فهل ينجح؟

الكهول، قبل الشباب، حاولوا إسقاط النظام في الماضي، وتمكّنوا مرتين من ‘قتله’. لكن تبيّن انه نظامٌ من طراز خاص، يُقتل ولا يموت. ترى هل ينجح الأبناء الشباب في ما عجز عنه الآباء الكهول؟

ليس سراً ان الكل في لبنان يدعو، ظاهراً او باطناً، الى إسقاط النظام، لكن احداً لا ينجح في مسعاه. ما سر المفارقة؟

الجواب، لأن لبنان بلد تعددي وبالتالي فئوي، ولكل فئة من فئاته عصبية وشعائر وثقافة ومصالح وتطلعات، فلا يعقل ان ينجح الجزء في إسقاط الكل، من دون ان يسقط معه.

الثقافة السياسية السائدة تذهب الى أبعد من ذلك، ترفع شعاراً مفاده انه ما من فئة، بمعنى طائفة او حزب او تكتل من لون واحد، يستطيع بمفرده ان يحكم لبنان. هذا ‘المنطق’ يستتبع قولاً آخر مفاده، ان الفئات مجتمعة تستطيع ان تحكم لبنان. فهل استطاعت فعلاً؟

الواقع ان لا فئة بمفردها ولا فئات مجتمعة استطاعت ان تحكم لبنان. لعلها استطاعت ان تُديره، لكنها ما استطاعت قط ان تحكمه، فالحكم شيء والادارة شيء آخر. لماذا لبنان عصيّ على الحكم؟

لأن الحكم يكون في شعب ودولة، ومن خلال مؤسسات وبفعل سلطات منتخبة من الشعب وخاضعة لرقابته ومحاسبته. والحال ان طوائف لبنان او مكوّناته تشكّل اجتماعاً سياسياً، هو أدنى من شعب مندمج. هذا الاجتماع السياسي لا ينتظم في دولة، بما تعنيه الدولة سياسياً ودستورياً واجتماعياً وحضارياً، بل تتجاور مكوّناته وتتساكن في نظام هو أشبه ما يكون بآلية لتقاسم السلطة والمصالح والمغانم، بين أركان شــــبكة سياسية متحكمة قوامها متزعمون في طوائف، ورجال اعمال واموال، ومتنفذون في قوى أمن وأجهزة استخبارات. هذه الشبكة المتحكمة لا تحكم البلد بل تديره. إنها تقوم بإدارة، وفي احيان كثيرة بإساءة ادارة، العيش المشترك بين طوائفه ومكوناته بما يحقق مصالحها الضيقة ويعيد إنتاج النظام الفاسد.

هل يصعب على الاجتماع السياسي اللبناني افراز فئة مناهضة للنظام الطائفي وبالتالي قادرة على تغييره؟

كلا، فقد ظهرت في تاريخ لبنان المعاصر ثلاث محاولات لتغيير نظامه، من خلال تكوين قوة سياسية عابرة للطوائف، مندمجة في عصبية وطنية واجتماعية أعلى من المذهبية، حاملة لاهدافٍ وتطلعات تمثل حاجات الناس ومصالحهم وتعكس همومهم وطموحاتهم.

المحاولة الاولى جسّدها حزب الشعب اللبناني، الذي تحوّل حزباً شيوعياً ضمَّ عمالاً ونقابيين ومثقفين ومناضلين من شتى الطوائف والمناطق. المحاولة الثانية جسّدها الحزب السوري القومي الاجتماعي، الذي استطاع تكوين مجتمع وطني علماني، ونبّه مبكراً الى الصهيونية الزاحفة.

الشبكة السياسية المتحكمة بالنظام تصدّت لكلا المحاولتين بكل الوسائل المتاحة، وقمعتهما بقوة مفرطة، فأعدمت بمحاكمة صورية زعيم القوميين الاجتماعيين انطون سعادة، ثم سهّلت لغيرها عملية تذويب بالأسيد استهدفت قائد الشيوعيين فرج الله الحلو.

المحاولة الثالثة قادها كمال جنبلاط، الذي نجح في تكتيل الشيوعيين والقوميين الاجتماعيين، بالإضافة الى البعثيين والناصريين والاشتراكيين ومجاميع من الشخصيات الوطنية الديمقراطية المستقلة في جبهة عريضة باسم الحركة الوطنية، تمكّنت مع حلفائها خلال سنتين من ان تصبح الاولى سياسياً في ثلاثة ارباع الاراضي اللبنانية. لكن الشبكة السياسية الحاكمة استعانت بالقوى المحافظة في دنيا العرب وتمكّنت من تحويل الصراع السياسي الى حرب اهلية ونجحت، بالواسطة، العام 1977 في جعل جنبلاط ابرز ضحاياها.

منذ اغتيال جنبلاط ولغاية 2010 لم يتمكّن الاجتماع السياسي اللبناني من إنتاج جبهة عابرة للطوائف وناهضة، قولاً وفعلاً، الى بناء الدولة المدنية الديمقراطية. حتى الحركة الوطنية للتغيير الديمقراطي، التي تطمح اليوم الى الاستجابة لهذا التحدي الوطني والحضاري، ليست في وضع شعبي يمكّنها من اطلاق حراك شبابي واسع يرفع مطلب ‘الشعب يريد إسقاط النظام’. يطرح سؤال، هل لأن احداً في لبنان الفئوي لا يريد إسقاط النظام؟ ولعل الجواب، لأن احداً في لبنان لا يستطيع، منفرداً، إسقاط النظام ولا حتى إصلاحه.

يطرح سؤال آخر، هل في استطاعة مجموعة من الفئات لها قواسم سياسية واصلاحية مشتركة، او جماعات داخل الطوائف تحمل برنامجاً وطنياً للاصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي ولحماية المقاومة، بناء جبهة سياسية عريضة قادرة على إسقاط النظام؟ الجواب، لا مجال لإسقاط النظام من داخله او بواسطة مكوّناته. من يلعب الاعيب النظام، سلباً او ايجاباً، يصبح جزءاً منه. ولا سبيل امام الجزء لإسقاط الكل إلاّ اذا كان مستعداً للسقوط معه. هذا، في حالة لبنان، احتمال غير وارد، إن لم يكن مستحيلاً.

حتى لو افترضنا ان مكوّنات الجبهة العريضة المتوخاة قررت التخلي عن كل ادوات النظام، كالطائفية والزبائنية والفساد، فإن نجاحها في تغيير النظام، ناهيك عن إسقاطه، يبقى متوقفاً على مدى قدرة مكوّنات الجبهة المرتجاة على توحيد اولوياتها، فلا يكون كل منها معنياً، وبالتالي مشغولاً، بأجندته الخاصة.

هل يمكن توليف أجندة أولويات متفق عليها بين القوى الوطنية والديمقراطية المؤمنة بالتغيير والقادرة على تحقيقه؟

ثمة قوى وطنية لها أولوية مطلقة هي المقاومة، لكنها كقوى نظيفة لا تمانع أن تقترن المقاومة بالإصلاح، بما هو الديمقراطية ومكافحة الفساد.

وثمة قوى نظيفة لها اولوية مطلقة هي الاصلاح بالديمقراطية ومكافحة الفساد، لكنها كقوى وطنية لا تمانع أن يقترن الإصلاح بأولوية وطنية هي المقاومة.

المشكلة هي في وجود قوى محافظة نافذة في كلا الفريقين، المقاوم والإصلاحي، يخشى بعضها على دوره ومصالحه من جهة، كما يخشى بعضها الاخر من انكشاف مشاركة شرائح منه في مفاسد النظام من جهة اخرى، فتراها ناشطة لمنع تزويج المقاومة بالإصلاح. ذلك حال ويحول دون تطوير قضية التغيير الى قضية وطنية متكاملة ووازنة ومحفّزة للشباب ولسائر القوى الوطنية الحية.

ان مزاوجة المقاومة بالاصلاح والسير بهما معاً عملية ثورية بالغة الحساسية لا يمكن ان تتم داخل النظام، بل خارجه وبالخروج عليه. فهل طرفا المعادلة داخل القوى الوطنية والديمقراطية مستعدان للخروج من النظام والخروج عليه؟

الأمل معقود على شباب عروبي لبناني يزاوج بين المقاومة والاصلاح وينطلق، بقواه الذاتية، الى ضخ عدوى الحرية والكرامة والعدالة في عروق الجماهير لينخرط الشباب والكهول معاً في أوسع مسيرة شعبية لتجاوز النظام الطائفي المركانتيلي الفاسد. فهل يرتقي الشباب الى إنجاز هذا الإعجاز؟ ‘ كاتب لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية