استخدمه المنتفضون في تونس ومصر وليبيا والبحرين:
مازن معروفبيروت ـ ‘القدس العربي’ : هي ثورات استخدمت الوسائل الرقمية والمواقع الاجتماعية للنقاشات وتفعيل الإرادة ضد أنظمة تتآكلها أحماض الزمن كما تبيّن مع سقوط الرئيسين التونسي بن علي والمصري حسني مبارك. وهي مواقع مقامة على أرضية من الأصدقاء الافتراضيين، والمساحة الافتراضية أيضا، لذلك، فإننا في هذا التحقيق، أطلقنا العنان لأنفسنا بالشطط قليلا في طرح إشكاليات وتغييرات قد تتوالد يوما ما عبر الفيس بوك وتويتر وسواهما، من خلال الأسئلة التالية:1 ـ مواقع التواصل الاجتماعي لعبت دورا هاما في قيام الثورة المصرية، وتأجيج التونسية. فهي استطاعت حشد الآلاف وهو أمر عجزت عن فعله أحزاب المعارضة منذ قيامها تقريبا، وفي كل الدول. كيف بتَّ تنظر الآن إلى هذه المواقع الالكترونية؟ 2 ـ وهل هذا يعني أننا أمام أنواع جديدة من المعارضة ‘الالكترونية’؟ وإلى أي مدى ممكن لهذه أن تستعيض في دورها، عن الاحزاب المعارِضة بشكلها الكلاسيكي؟ هل نجاح هذه الثورات من خلال المواقع الالكترونية، يعتبر فشلا للكِتَاب ودوره الريادي والمحرض؟ 3 ـ هل تتجه مجتمعاتنا بعد هذه الثورات، إلى أن تصبح عبارة عن تكتلات سوسيولوجية رقمية؟ وهل يمكن أن تنتج عن هذا وسائل جديدة من الممارسة السياسية، أن يصير عندنا برلمانات رقمية مثلا؟ 4 ـ هذه الثورات تبشِّر بمرحلة جديدة، فكيف تنظرون إلى مستقبل الثقافة في المجتمعات العربية؟ حسان عزت: ليست أكثر من وسيلة اتصالحسان عزت شاعر وصحافي سوري يقيم في الإمارات، يعتقد أن المواقع الاجتماعية ليست أكثر من وسيلة اتصال إعلامي طاقتها أكبر وأسرع بالوصول إلى كم هائل من الناس، ففي الحين الذي تبدو فيه وسائل الاتصال المعتادة بطيئة وصعبة الوصول، مثل التلفزيون والصحف والراديو والمئذنة، فالفيس بوك مئذنة جديدة تجاوزت الأدوات الأخرى ولم تلغها، وسيلة اتصال عامة ليست رسمية، بينما وسائل الاتصال الأخرى تأخذ بعدا رسميا وخاصا، بهذا المعنى فالفيس بوك أداة إعلام وتحضير مباشر له تأثير كبير على مساحات واسعة من البشر، هم الذين يغذونه ويوجهونه، جزء من التقدم العلمي الرقمي الجديد، جزء من الثورة العلمية في القرن العشرين والواحد العشرين، وبالتأكيد فإن شباب الفيس بوك لا يلغون الأحزاب ببعدها الكلاسيكي وإنما يضيفون إلى منبر الأحزاب منبرا جديدا حيويا وفعالا، ومرتبطا بالشباب، وتأتي أهمية هذا المنبر من أنه منبر مفتوح ويمكن لأي إنسان أن يدخل إليه بعيدا عن الطلبات والترشيح للأحزاب. عزت يعتبر أن فيس بوك يقدم كذلك بروزا للكثير من المجانية والعمومية والتسرع أيضا. لكن الامر يختلف حين يتاح لهذا الموقع قيادات واعية مثل وائل غنيم وغيره، تعرف ما تريد، تحرك وتوصل، ولها فعالية، مثل إيصال قضية شهيد الاسكندرية الشاب خالد سعيد، حيث سجلتها وشرحت أبعادها، كانت بمثابة ثورة شباب مصر، قبل إضرام الشاب بوعزيزي النار في نفسه. ويشير عزت إلى أن قسما من هؤلاء الشباب ينحدرون من انتماءات وثقافات محيطة بهم، وقسم آخر قادم من ثقافة الفيس بوك، يقع تحت تأثيرات تتوافق مع رغباته، مثل الحاجة إلى الحرية، العدالة، التعبير عن الذات، المشاركة في الشأن العام. إذا هذه المواقع رافد ومنبر وهي لا تلغي الأحزاب، بل تساعدها على الوصول للرأي العام وبلورة الأهداف. يرى عزت، أن نجاح الثورات لا يلغي الكتاب، بل إن نجاح هذه المواقع يعزز أكثر الحاجة إلى المعرفة والعودة إليها، وهذه الوسائل تؤكد تراكم المعرفة وتجديد دمائها والتسريع بتبادلها، ولا شك في أن هذه المواقع لا تلغي أيضا اجتماع البشر ولقاءهم مع بعضهم وتحاورهم على أرض الواقع، مظاهرات ميدان التحرير مثالا، أما أن تصبح المجتمعات رقمية فمعنى هذا إلغاء خصائصها الإنسانية. وعلى ضوء هذه الثورات، ينظر عزت إلى مستقبل الأمة على أنه مشرق، لأنه يحمل في طياته إمكانية أن يكون للأمة مشروع تهتم به وتعبر عن نفسها ويكون لها من خلاله موقع متقدم بين الأمم، بعدما ابعدت عن مشروعها وأشغلت في متاهات التنظير والقطرية، وإشباع النرجسيات العادية. لكنه يعتقد في المقابل، أنه لا يمكن الحديث عن مستقبل الثقافة بتفاصيل، لأن لا أحد يملكها، ‘هي نتاج تفاعلات الواقع، وتعبير الجماهير عن ذاتها الآن باتجاه حصولها على الكرامة والحرية وتوظيف طاقات الشباب ووضعها في موضعها الصحيح في مسار المجتمع والتنمية، حلّق أيها الطائر وانشر حنينك الناري أيها المتوّج بالشمس’. فاتن حمودي: العالم قرية صغيرةفاتن حمودي الصحافية والتي تعمل معدة برامج في شركة أبو ظبي للإعلام، ترى بلا شك أن الثورة التكنولوجية جعلت العالم قرية صغيرة، وأتاحت من خلال الانترنت مساحة من الحرية مقابل السجن الكبير الذي تحولت إليه معظم الدول العربية. ‘الشباب العربي بات يشعر بالاحباط من تحقيق أي تقدم سواء على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي حيث ارتفاع البطالة، وإحكام قبضة الأنظمة الاستبدادية على البلاد، وكأن المدن تحولت إلى زنزانة كبيرة.. (المدن لا دخول ولا خروج.. ولا قدور نملؤها حُمصا ونعدّ)، أمام هذا الوضع، وبعد سقوط الكثير من الأيديولوجيات، لم يبق أمام الشباب سوى التواصل من خلال الانترنت وبعض المواقع الاجتماعية لا سيما الفيس بوك، تلك المواقع لعبت دور التنشيط والتحضير، والاطلاع ثم الانتفاضة وربما الثورة، إذا حملت معنى التغيير الجذري.. هذه الانتفاضة جمعت أطيافا مختلفة من الانتماءات، ومن الناس البسطاء.. الذين اجتمعوا على موقف واحد وهو التغيير.. تغيير النظام’. أما فيما يتعلق بالسؤال الثاني، فتقول حمودي ‘لا شك في أن فعل الميديا الاجتماعية والتكنولوجيا السياسية في المجتمعات العربية، له الدور الكبير، إذ لم يكن أحد يتوقع أن ينجح الشباب التونسيون، والمصريون، الذين جذبهم العالم الافتراضي، والذين كانوا يلتقون في غرف الدردشة، وعلى صفحات المواقع الكترونية، يوجهون أنشطة الناس، ويتواصلون بالرسائل الخليويه ينظمون الاف الجماهير، حيث لا سيوف ولا خيول.. بل شعارهم السلم، حتى بات كل شيء يتغير، ويتحرك بسرعة البرق، فقبل شهر من الآن لم يكن ليخيل للمرء أن أي تغيير في الوضع العربي أقرب ما يكون للخيال. ورغم ذلك فإن هذا لا يلغي لا الكتاب الالكتروني ولا الكتاب الورقي، ولا شك في أن الصحافة الورقية والمنشورات، لعبت دورا في هذه الانتفاضة، بما كان يوزعه النشطاء من بيانات في الشوارع أوصل رسالتهم بسرعة إلى عامة الناس، بما في ذلك من لا يتعامل مع الانترنت، وبالتأكيد فإن هؤلاء الشباب لن يلغوا وجود الأحزاب القائمة على الفكر والفلسفة، والتعددية. أما أن تتجه مجتمعاتنا بعد هذه الثورات، إلى أن تصبح عبارة عن تكتلات سوسيولوجية رقمية، فهذا يعني تفريغ الناس من الوجدان الجمعي، تبقى العلاقات الاجتماعية الحية رغم اتساع العلاقات وصداقات العالم الافتراضي، وبلا شك فإن هذا سينتج وسائل جديدة من الممارسة السياسية، كون العالم اصبح مكشوفا، بعيدا عن أن يصير هناك برلمانات رقمية.
وحمودي تعتقد أن هذه الثورات تبشِّر بمرحلة جديدة، ‘الثورة نجحت بسبب ايمان هؤلاء الشباب بالهدف، وعدم وجود حسابات لأي مكاسب سياسية، إنهم شباب حالمون، في حين كان الكل يترقب، ويتابع، فيما كانت الاعين مفتوحة والابصار شاخصة الى شاشات التلفاز والكومبيوتر الذي تحول الى سلاح فتاك لا يقل عن المدرعة والدبابة حيث يلجأ الحاكم قبل سقوطه الى إغلاق الانترنت والهاتف الخلوي بمجرد أن يبدأ الناس بالتحرك في وجه نظامه. لذا فإن الثقافة الجديدة ستتجه نحو الإعلام، والاقتصاد، وعلوم الاتصال، وستتمحور حول الحقوق والواجبات، وجسور الحضارات، والأهم أن دور الحكم القمعي سيتغير بالتأكيد بعد أن بات العالم مكشوفا’. دارين قصير: إتاحة الحقيقةالشاعرة والإعلامية اللبنانية دارين قصير تعتقد أننا لسنا أمام ثورة الكترونية ‘لأن الثورات لا تقوم بالشعارات التي نطلقها على المواقع التي لا تساعد الجماهير المشاركة مباشرة في الحراك الواقعي، إلاّ بالاطلاع على ما يجري من أحداث أثناء قيام هذه الثورات، هي بمعنى أوضح قربت المسافات بيننا وجعلت الحقيقة متاحة في حين أنها في بعض الأحيان تخضع لتعديلات. الثورة الفعلية تصنعها شخصيات وأفراد من المعارضة وأعني هنا الرجال والنساء والأطفال وكل حر يثور على نظام ما عذبه وقمعه وأساء إليه ومنعه من أن يعيش حياة كريمة أعطاه إياها الله منذ أن خلقه حراً غير خاضع لأحد، أطراف المعارضة بشكلها الكلاسيكي هي التي تقوم بالنزول إلى الساحات والطرقات والاعتصام ومواجهة الظلم وهي التي حررت ووصلت إلى مبتغاها وإلاّ فإن المواقع الالكترونية معرضة بأية لحظة للإقفال والإغلاق حسب سياسات البلد، وكما رأينا في مصر أغلقوا الفيس بوك وأغلقوا القناة الفضائية التي نقلت ما يجري على الأرض، ومنعوا الانترنت، إذن لا يمكننا أن نعول على الإلكترونيات لمواجهة الظلم فقط يمكننا من خلالها التضامن والاطلاع والمواساة وإطلاق صرخة مكبوتة في داخلنا’. أما بالنسبة لثورة تونس، تقول قصير ‘لم تندلع الثورة من خلال المواقع الالكترونية. البوعزيزي لم يحرق نفسه الكترونياً ولا فيسبوكياً. البوعزيزي قام بإيقاظ المعارضة من نومها، لا من أجل مال أو سلطة أو كرسي إنما من أجل كرامته التي فقدها في وطنه، الكتاب يؤرخ لهذه المراحل وهذه الثورات وسنجده بعد ألف عام ولكن للأسف المواقع اليوم كالفيس بوك لا تعيد إلينا ما كتبناه قبل عام أو اكثر، وكما قلت إنها معرضة لأي لحظة للسقوط والتلف، إنما للكتاب رائحة خاصة به أن تراه في مكتبة بيتك وغرفتك شرفة تطل من خلالها على الماضي الذي عرفنا به كرامة وعزة وسقوطا لأنظمة فشلت في المحافظة على حريتها قبل حرية شعوبها’. والثورات الفيسبوكية، بالنسبة لها ‘تساعدنا على التواصل أكثر من أناس عاشوا هذه الأحداث في لحظتها أحياناً، وتساعدنا على القول بأننا ندعم ونؤيد هذه الثورات لكنها لم ولن تحل محل الكتاب أبداً وما نراه اليوم من ثورة للإلكترونيات والمعلوماتية ستنتهي في اكتشافات جديدة، هي ثورة آنية لا ثابتة’. قصير لا تجزم رأيا بشأن فرضية البرلمانات الرقمية ‘لا برلمانات رقمية. ربما وسائل جديدة لممارسات السياسيين بأن يمتلك السياسي وقتاً للتعرف على ما يعانيه شباب وطنه من أزمات ليؤمن له رغباته ومتطلباته، أمّا المجتمع الرقمي فنحتاجه قليلاً لتسيير أمورنا وحياتنا العملية بشكل أسرع ولكن حتى في كبرى الشركات تسقط أحيانا السيرفرات وتتعطل الأعمال. أتمنى أن يمتلك السياسيون وقتاً لشعوبهم لا الكترونياً بل واقعياً ليكونوا على تواصل معهم عن قرب ومعرفة تطلباتهم قبل أن تقوم ثورة فالشعب اليوم ومن خلال البوعزيزي أدرك أن الشعب بمقدوره إسقاط الأنظمة حقاً متى شاء فله وحده السلطة’. والإعلامية ترى أنه على كل مثقف أن يستفيد من هذه الثورات لأنها حقاً تبشر بمستقبل زاهر يسمح بحرية الرأي والتعبير وما من سقف سلطة يحكمهم ويردعهم فليستفيدوا منها لإصلاح ما أفسدته السياسة لا أن يكونوا عبيداً لكرسي ما وجهة ما. عليهم الصراخ والكتابة والاعتراض على ما يجدونه يسيء إلى ثقافة بلادهم فالسياسة ثقافة وفن.
سامح كعوش: تنسيق الجهودالشاعر الفلسطيني والناقد سامح كعوش، يوافق تماما على دور المواقع الإلكترونية. يقول ‘نعم لعبت شبكات التواصل الاجتماعي كالفيس بوك وتويتر دوراً كبيراً في تنسيق جهود المعارضين أصلاً لأنظمة الحكم وممارسات المؤسسة الحاكمة في بلدانهم، فأنا أخالف الرأي القائل بأن التأثير كان أصلاً للفيس بوك، وأن الحسم في الصراع ضد الأنظمة كان بفعل الفيس بوك، لكن هذه الأدوات والمساحات التواصلية ساعدت كثيراً على إيصال رسائل التثوير غير العادية والتي اعتمدت بشكل أساسي على عناصر تأثيرية لم يعهدها الخطاب التثويري النخبوي سابقاً، والذي استطاعت الأنظمة تدجينه واعتادت عليه وتحضرت جيدا لمواجهته، فالدعوة إلى الثورة والتأطير الثوري سابقاً اعتمد بشكل أساسي على الكتاب كوسيلة تبادلية للفكر والأدلجة، واعتمدت على الاجتماع السياسي والتجمهر ثم التظاهر، ومن هنا كان وعي النظام لخطورة التقاء عدد يزيد عن شخصين في أية مساحة من مساحات الوطن العربي، ولهذا كانت الضربات الاستباقية لهذه التجمعات تقمع حركتها وتشل قدرتها على التغيير. أما بوجود الفيس بوك تحديدا لتبادل الأفكار والتأثير غير المباشر عبر الخطاب الاجتماعي المتنوع، وبتأثير خاص من عدد من المثقفين والمتسلحين عالياً بثقافات ثورية وقدرات فكرية وتجارب عملية في الثورة والتأطير على المتصفحين العاديين من جميع شرائح المجتمع، إضافةً إلى التأثير الكبير للصورة والصوت ومقاطع الفيديو التي بثها موقع اليوتيوب وتبادلها جميع متصفحي الإنترنت عبر الإيميل وصفحات الفيس بوك ورسائل التويتر. كلها كانت عوامل حاسمة في فضح النظام وتجييش الجمهور ضده، إلا أن الحركة التي حسمت المعركة هي الحركة الميدانية، لا نسبة إلى ميدان التحرير، لكن نسبة إلى الخروج إلى الشارع والتجمهر والتظاهر ومواجهة شرطة وأمن النظام بأساليب غير تقليدية، وأبرز دلالة على ما أقول أننا بتنا اليوم نرى شرطيا يحمل هراوة وبندقية الغاز المسيل للدموع في مواجهة متظاهر متسلح بكاميرا فيديو الموبايل في يده’. كعوش يوافق على ‘أن نجاح هذه الثورات وكل الثورات الآتية على عجل، عائد إلى فشل وسائل التحريض التقليدية كما أشرتَ إلى ذلك، لكن بالعكس، فإنني أؤكد أن ما يحدث هو انتصار لمادة الكتاب المتمثلة في الكلمة وهي مصدر التوعية الأول في كل ما جرى، لأنها وسيلة التخاطب التي أكدتها الشبكات الاجتماعية ولم تنفِ دورها على الإطلاق، فلا يعقل أن ننظر إلى دور الفيس بوك والتويتر وغيرها دون أن نلحظ الدور الأكبر للكلمة كحاملة دلالة ومفردة وعي وثورة وتحريض على التغيير’. ويضيف كعوش ‘أنا أعتقد أن هذه الثورات لم تنتج عن مجرد تكتلات سوسيولوجية رقمية، بل بدأت هناك في المساحات التي غفل عن مراقبتها النظام الأمني، ثم انتقلت إلى الأرض كواقع تفاعل حي عبر الهاتف والرسائل النصية القصيرة وتبادل مقاطع الفيديو، والتجمع العفوي الجماهيري، ولكن بتحريض وجرأة الناشطين السياسيين أنفسهم الذين لم يستسلموا طوال عقود طويلة ولم ينحنوا لجبروت وقمع النظام وأمنه ومخابراته، وأعتقد أن التحادث الرقمي والتفاعل الإنترنتي سيستمر في بيئات الفساد والقمع مساحةً مؤقتةً للتعبير الديمقراطي كما كانت في مرحلة من المراحل مساحة مؤقتة للتواصل العاطفي والتفاعل الحر من قيود مجتمعية فرضتها العادات المتخلفة في بيئاتنا العربية، إلى أن تنشأ مساحات حقيقية للديمقراطية في البرلمانات والنقابات ومنظمات المجتمع المدني’. والشاعر المقيم حاليا في الإمارات، يؤمن بأن الثقافة العربية بألف خير، ‘وهي عبر مساحات التفاعل الافتراضي تنشئ عوالم جديدة للإبداع لا تقوم فقط على العناصر الطبيعية السابقة من بحر وماء وهواء وطبيعة وخضرة وبساتين ورود وصحراء حتى، بل ستقوم على غلبة عنصر الخيال وعمل المخيلة لأن العالم الرقمي الافتراضي عالم يحفز الحواس السادسة وما بعدها ويحفّز الرؤى ويقوم بدور فاعل جدا في عملية الوحي والإلهام. هذا في مجال الحديث عن الثقافة الإبداعية، أما الثقافة التراكمية والمعرفة فإن هذا العالم الافتراضي سيتيح للمثقف العربي حتما وسائل تطوير ذاتية غير مراقبة وحرة ومصدر مفتوح للمعرفة ذا قيمة عظيمة، فالمكتبة العالمية ستكون متوفرة في مساحة ضغط سبابته وسيكون بإمكانه أن يستمد مصادره المعرفية من جهات شتى، الأمر الذي سيخلق لديه قدرات معرفية وثقافية غير محدودة’. رامي الأمين: تحريض ليس إلاّالشاعر اللبناني والإعلامي رامي الأمين يعتبر أن ما حدث على الفيس بوك وتويتر كان له دور تحريضي وتحضيري ليس إلا. وأن هذا الجناس، أسس للثورتين، ولعب الفيس بوك دور الروزنامة وضابط الإيقاع فيهما. أما الحضور الأساسي الذي صنع الفرق، فكان للشباب على الأرض، الذين تعرضوا لشتى أنواع القمع من البلطجية وأزلام النظام، في مصر وتونس على السواء. وأذكّرك أن محمد البوعزيزي، أحرق نفسه واقعياً وليس افتراضياً. لا أؤمن كثيراً بأن الفيس بوك فعلها. من فعلها هم الناس، الذين في الغالب، لا يملكون المال لشراء التكنولوجيا واستخدامها. الأمين لا يرى رابطاً بين الكتاب والفيس بوك أو التويتر، ربما الصحف والجرائد هي التي تفقد شيئاً من دورها، لكن المقارنة لا تصحّ كثيراً ها هنا، وربما الفيس بوك، يصير مثل السيف، ‘أصدق إنباء من الكتب، في حده الحدّ بين الجدّ واللعب’ على ما يقول المتنبي. الفيس بوك حياة أخرى، قد يكون للكتاب مكان فيها، وقد لا يكون. الناس، والشباب تحديداً، هم من يقررون. على كل حال، لا يمكن أن نحمل الكتاب أكثر مما يحتمل. ولا يمكن أن نحمّل الفيس بوك اكثر مما يحتمل. وهو يعتبر أن كل شيء وارد فيما يخص البرلمانات الرقمية والمجتمعات الإلكترونية، ففي مفهوم الخيال العلمي كما يقول، كل ما يتخيله العقل البشري ممكن الحدوث. لكن العبرة بالنسبة له، ليست في شكل البرلمانات، بل في الأنظمة التي تديرها. قد نصل إلى برلمانات رقمية قمعية. هذه قمة الرجعية. أما فيما يتعلق بمستقبل الثقافة، فالأمين غير متفائل.
بشير البكر: البداية من اوبامابشير البكر، شاعر سوري وإعلامي يتنقل بين باريس وبيروت. يقول ‘أصبحت هذه المواقع ذات فعالية كبيرة في العمل السياسي. وكان موقع المرشح باراك اوباما وسيلة مبكرة لاظهار كيفية تأثير الشبكات الاجتماعية على الحملات الانتخابية والعمل السياسي، وقد جمع ما لا يقلّ عن مليوني عضو ساهموا في الدعاية للمرشح الرئاسي. وقد وفر الامكانية للنقاش بسهولة حول البرنامج الانتخابي بين الناخبين، ومن بعد في عمليات فرز الاصوات. تم تشارك هذه النشاطات من قبل مواطنين يعرفون بعضهم وآخرين أخذوا يقومون بصلات تعارف وصداقة، وشيئا فشيئا صاروا يتبادلون رسائل الكترونية حول كل حدث. منذ ذلك الحين صار احد الاغراض الاساسية للفيس بوك هو التعرف على الاحداث والمناسبات مثل الحفلات الموسيقية او القراءات الادبية التي ينوي الاصدقاء حضورها، وصار في وسع كل منا ان يرى احداث الحملة التي تطوع معارفنا للمشاركة فيها، وخاصة اولئك المهتمين بالسياسة. والملاحظ ان الكثيرين ممن كانوا بعيدين عن الالتزام السياسي زادت مشاركتهم في التعرف على الاحداث وتطور لديهم حس الفضول وانفتحت امامهم نوافذ جديدة وطرق اسهل وابسط واكثر شخصية في التعاطي مع الاحداث، وهذا هو السر في تكون هذه الكتل الفيسبوكية التي لا يربطها إلا الخط السياسي العام، وهو ما ظهر جليا في ثورتي تونس ومصر، حيث كانت الفكرة الاساسية هي التغيير، والتي صارت اكثر سحرا وهي تتسرب في القنوات الاليكترونية وليس عبر برامج وايديولوجيات حزبية’. وفيما يتعلق بإشكالية تأثير المواقع الإلكترونية على الكتاب، فالبكر لا يرى وجها للمقارنة بينهما، ‘شبكات التواصل الاجتماعي هي بمثابة مرافق عامة للتواصل، وربط نشاطات الفرد مع الافراد الآخرين. ولكن تتوجب الاشارة هنا الى مسألة هامة وهي ان شركة غوغل المهيمنة على عالم الانترنت نشرت اهدافها المتمثلة صراحة بتنظيم المعلومات في العالم وجعلها في متناول الجميع، على عكس منتجي الكتب الذين يخضعون بضاعتهم لحقوق الطبع والنشر، وبالتالي ان الطموح لتحويل الانترنت الى تجربة انسانية آخذ في التحقق’. ويعتقد البكر أن الفيس بوك يمكنه منح شعور زائف بالتواصل مع أناس في عوالم بعيدة، ‘ولكن معظمنا يعلم ان صفحة آخر الاخبار المحدثة باستمرار من قبل الاصدقاء ليست بأي شكل من الاشكال بديلا عن المحادثة الحقيقية. وهنا أشير الى مسألة هامة وهي ان شبكات التواصل الاجتماعي نشأت على نحو نخبوي ولم يكن هدفها خلق تكتلات سوسيولوجية، ونجاح فيس بوك في البداية يعود الى هذا السبب، فهو بدأ بالطبقة الأعلى من الهرم الاجتماعي من خلال تحديد العضوية على جامعة هارفرد، ورغم انه كان ناديا حصريا إلا انه اضطر الى مد نشاطه. ظهر فيس بوك كامتداد طبيعي للمناخ الجامعي، ولكن خلال فترة قصيرة تطور ليتحول الى اوسع شبكة تواصل اجتماعي، صارت بفضلها تتكون بؤر تواصل مفتوحة بين شتى الطبقات والاعمار والبلدان، والمسألة ما تزال مفتوحة’. جولان حاجي: تقويض الهرميةبدوره فإن الشاعر السوري جولان حاجي يعتقد أن الأجوبة تكمن في جوهر الفرد قبل أيِّ شيء آخر. فكلُّ ما قدّمته التكنولوجيا ليس إلا وسيلة لتيسير التفاهم والمعرفة وتسريعهما. حين أقدمت الأنظمة في تونس ومصر وليبيا والبحرين على استيراد أحدث التقنيات، برعاية كفلائها في التسويق المتبادل (سماسرة الدول الكبرى ورعاة المكيافيللية والبراغماتية والإيهام بالديمقراطية)، لم تكن تدرك أنها تستورد ما يهدمها، بل ما سوف يفضح الغرب نفسه أيضاً بشركات نفطه وتجار أسلحته الديمقراطيين. وزّعت الأنظمة الهواتف والحواسيب المحمولة على من تسمّيهم ‘مواطنيها’ و’ أبناءها’، وحسبت هذه الصفقات باباً آخر من أبواب النهب والإحسان والتخدير وإلهاء القاصرين، سيفضي إلى تكريس الزهو بالمقتنيات وهوس الراشدين بمراهقتهم. وبالطبع لم يطلِ الوقت لتنقلب ‘التسلية’ إلى جدية فاجأت الجميع ببصيرتها ومرحها. كان المتظاهرون الذين أنضجهم العنف مفتونين ومذهولين بأنفسهم أيضاً. نبوغهم في المرح والرفض والعناد زعزع جدية العقلاء وجهامة المنظّرين التي كانت عجزاً عن الاستيعاب وتلويناً للأحكام المسبقة’. وحاجي يعتبر أن موقعا مثل الفيس بوك ‘متاهة متشعبة تقوّض بشكل من الأشكال نمطَ الهرمية في التفكير، إذ لا فوق على صفحاته ولا تحت، وما حدث في ضوئها لم يكن إلا تمهيداً للعودة إلى الحياة، ولن يغني عنها أبداً، تماماً كما لن يغني البعض عن الكتاب الورقي، فالأهم في النهاية هو الحياة نفسها، وما القراءة ذاتها إلا فعلٌ يتضافر فيه التفكير والحلم، بغض النظر عن الوسيلة. ربما ستنحسر هذه الموجة الإلكترونية بسبب التوق إلى الحياة الحقيقية، وبسبب الإدمان والضجر وآلام الظهر والعينين. متنقّلين، أثناء الثورات، بين شاشتي التلفزيون والكمبيوتر، ونحن نتوجّس ونغتبط ونقشعرّ وندمع، أبهجنا فوران النشر الإلكتروني وعفويته وعشوائيته وارتجالاته التي لا يمكن لأحد أن يتوقع فطنتها ورهافتها وعمقها أحياناً. لملمت مماثلات موقع الفيس بوك أفراداً متناثرين، وربما وحيدين، في شتى الأماكن وحشدتهم ووحّدتهم، فكنت ترى وتقرأ وتسمع وكأنك على قارعة الرصيف وسط الناس. فلنتذكر: كان مقتل الشاب الذي يشرع ذراعيه أمام القناص كافياً لتنحية كل أباطرة الأرض’. ويرى الشاعر السوري أن الشبان ‘يفهمون جيداً ذواتهم كأفراد على درجة من الوعي والتهذيب أبهرت العالم، فهم لا يثأرون من الموتى ولا يتفاصحون ولا يسعون إلى المنابر والمناصب والتشريفات؛ إنهم ورثة الأرض، ويدركون كيف مارست الأنظمة تشويهاً بطيئاً ومدروساً للمؤسسات والأحزاب، وأغرقت المسحوقين بالإعلانات وكلِّ ما يعجزون عن نيله؛ كما قرنتِ الفساد بالإصلاح كحلٍّ وحيد ممكن، ولم تبدِ أيَّ تساهل، جرياً على عادتها في التسامح الشكلي، إلا إزاء التجمّعات التي تخلو تقريباً من أي مضمون فكري وروحي وأخلاقي حقيقي. الأنظمة أيأست الناس من أحزاب المعارضة أيضاً، فقد علّقتها في جو الإرجاء والحذر والمراوحة على عتبة الإصلاح بانتظار اللحظة المناسبة للتغيير، كما جعلتها ببطش العادة أحزاباً محافظة يرى خبراؤها أنهم كامنون دائماً، ويتحيّنون في يأسهم فرصةً ذهبية لم تأتِ قط. لكن الفرد الذي جوّعته السلطات وأهانته وشرّدته ظلّ حياً وضميره يتطلع إلى الحرية والعدالة والمساواة في حاضر لا تخيفه القوانين فيه ولا يروّعه كلُّ ما يُفترض أن يطمئنه كالشرطة والقضاء. انخرط الكثيرون، شباناً وكهولاً، في فضاء الإنترنت، فتغيُّر الذائقة العامة كان أمراً في غاية الأهمية. جاءت مشاركاتهم تمريناً جسوراً على مواجهة الحقيقة، فلمَ سيرتابون بالمستقبل ويخشون فوضى المجهول، ما داموا يدركون جيداً فداحة خوفهم وصبرهم في الحاضر؟ بين متعلمين عاطلين، وليس الطيبين والبسطاء والسذّج فحسب، انبثقت كفاءات تهيأت ونضجت في الخفاء الذي استخفّ به الكثيرون في البداية. ولم يعُد أي شيء مستبعداً، حتى نشوء البرلمانات الرقمية، على الرغم من غرابة الفكرة. جاءت المساهمات في مواقع الإنترنت ابتكاراً وخلقاً: اجترح الشبان النكات والأمثال والطموحات، وهم ضاحكون أمام الرعب يسخرون حتى من أنفسهم. عثروا على سهولة التعبير المتاحة وبساطته لأنهم محفوفون بأصدقاء لا يعرفونهم في الواقع أحياناً، ويؤمنون بالشجاعة. جنونهم النبيل باغت الواقعيين: لم يتخذ أحد دور القائد أو التابع، وكان غضبهم وعقلهم اليانع بلا قديسين وبلا عرّافين وبلا مخطِّطين وبلا أسلاف. فور اشتعال الأحداث في تونس ومصر، بدت معظم الكتابات التي كتبت قبلها باهتة قديمة خرقاء، عُرّي النفاق وبدا الأمس غابراً واللحظة الراهنة جديدة إلى درجة مربكة محيرة. بدت السياسة نفسها لغواً لا يقول شيئاً والدبلوماسية ترديداً لترهات ضبط النفس. تلك التظاهرات، الشبيهة باحتفالات القدماء الرياضية المفعمة بالعافية، تطهيرٌ أخلاقي وإعادة اعتبار للإنسان العادي المجهول؛ إنها احتفاء بالحاضر الزائل واللحظة الفانية ضد الأبدية وبطولاتها المزوّرة، بعيداً عن اللغط الذي تثيره مناقشة الأسباب والنتائج على أهميتها القصوى’. وحاجي يؤكد أن كل ذلك سيسفر عن أدب جديد ‘نكاية في القدر كما قال هوميروس، يستعجلنا ويستحثنا كالثورات نفسها، فقد زال الخوف وعادت التجربة إلى ألق الحرية. ستأتي السخرية والدقة في ملاحقة كل ملاحظة عبرت الشوارع والساحات والعقول، وسنكون حقاً مادة كتابتنا وتاريخ أنفسنا’.