حسين مجدوبي مدريد ـ ‘القدس العربي’: تتابع حكومات وشعوب أمريكا اللاتينية باهتمام كبير ما يجري في العالم العربي من انتفاضات ضد الأنظمة الدكتاتورية، وحل محل الترحيب في البدء بسقوط كل من نظامي تونس ومصر نوع من التضامن مع الدكتاتور الليبي معمر القذافي خاصة من طرف الرئيس السابق لكوبا فيدل كاسترو ورئيس فنزويلا هوغو شافيز ورئيس نيكاراغوا دانييل أورتيغا.
وهكذا، فقد اكتشفت أمريكا اللاتينية فجأة العالم العربي، وأصبحت الثروات والانتفاضات والاحتجاجات في مجموع الدول العربية تتصدر كبريات الصحف وتخصص قنوات التلفزيون برامج متعددة لهذه الأحداث وتطورها. وتبحث عن الخبراء الذين يمكن أن يقدموا تفسيرات لما يجري. ويقول محمد المودن خبير في العلاقات بين العالم العربي وأمريكا اللاتينية في تصريحات لـ’القدس العربي’ ‘الاهتمام مرده أساسا لكون الثورات حدث عالمي بكل المقاييس، ولكن بالنسبة لأمريكا اللاتينية لديه نكهة خاصة، فعلماء الاجتماع والمحللون السياسيون يعتبرون أن ثورات العالم العربي شبيهة بالثورات التي شهدتها منطقة أمريكا اللاتينية في عقد التسعينات وبداية العقد الماضي، أي أن الشعوب هي التي تزعمتها’. ومن خلال جرد أبرز المواقف سواء الحكومية أو الشعبية في أمريكا اللاتينية، فقد تميزت بتضامن مطلق مع الشعبين التونسي والمصري خلال الإطاحة بكل من الرئيسين المخلوعين، زين العابدين بن علي وحسني مبارك. فكانت الأنظمة اليسارية مثل فنزويلا ونيكاراغوا والإكوادور هي أول من صفق كثيرا وتضامن، إذ كانت تعتبر نظامي تونس ومصر من عملاء الإمبرالية كما جاء في تصريحات البعض مثل رئيس فنزويلا هوغو شافيز.
والمثير أنه حدث نوع من التراجع لدى بعض الأنظمة اليسارية وليس الرأي العام في حالة ليبيا، فكبريات الصحف مثل كلارين الأرجنتينية وخورنادا المكسيكية واونفرسال الفنزويلية تستمر في اعتبار ليبيا دولة ديكتاتورية يستحق شعبها الحرية على غرار ما جرى في تونس ومصر، لكن المفاجأة هو الدعم وإن كان محتشما الصادر عن بعض زعماء دول المنطقة. فهوغو شافيز اعتبر أن ليبيا تعيش حربا أهلية، وتضامن بشكل غير مباشر مع القذافي، وهو الموقف نفسه الذي تبناه رئيس نيكاراغوا دانييل أورتيغا، بينما اعتبر فيدل كاسترو، الرئيس الكوبي السابق أن الغرب يرغب في السيطرة على ليبيا لاستغلال نفطها.
وكتبت جريدة ‘هوي’ الإكوادورية أمس في طبعتها الرقمية أن موقف شافيز يعود إلى التنسيق السياسي الذي كان بينه وبين القذافي، فليبيا هي البلد العربي الذي وقع أكبر عدد من الاتفاقيات مع دول أمريكا اللاتينية وفنزويلا خاصة. وقام شافيز بست زيارات الى ليبيا خلال العشر سنوات الأخيرة وهناك ملعب في بنغازي يحمل اسمه، وينسق مواقفه في الأمم المتحدة ومنظمة أوبيك مع طرابلس بشكل مكثف. ونظرا للعلاقات الوطيدة بين الطرفين، فكانت هناك أخبار عن عزم معمر القذافي اللجوء الى فنزويلا.
ويقول الصحافي والمحلل الأمريكي اللاتيني ماريو نارانخو أن دعم الدول اليسارية في أمريكا اللاتينية يبقى محدودا، فرغم التخوفات من احتلال الغرب لليبيا كمبرر للتضامن مع القذافي، فالأطروحة المدافع عنها هو ضرورة عودة السلام لليبيا وضرورة تفادي احتلالها من طرف الغرب.
ويرى محمد المودن ان ‘أنظمة يسار أمريكا اللاتينية دعمت القضايا العربية، وهو شيء يحسب لها، والآن عليها تأييد الشعوب العربية التواقة إلى الحرية، وكل تأييد للأنظمة الدكتاتورية سيكون خطأ تاريخيا’. وفي الوقت ذاته، فاستمرار الأزمة، وظهور معطيات حول المجازر التي قام بها نظام القذافي وسقوط مدن ليبية في يد الشعب، بدأ يدفع الموالين للقذافي من حكومات في أمريكا اللاتينية مراجعة مواقفهم السياسية وتكييفها مع التطورات، أي التراجع المحتشم بدل التأييد المحتشم.