آخر ما تلفظت به زرقاء اليمامة

حجم الخط
0

مرزاق بقطاشقالت زرقاء اليمامة بعد أن استخلصت الشعرة البيضاء من اللبن الصافي:

من يتغرب، يتغرب. الوطن الذي يشرّد بنيه بحجة الإخلاف في الرأي، ويزرعهم في البرزح والأعراف، وفي تخوم الممالك الأخرى، ليس وطنا!. فاجأها الحاكم المصاب بالسرطان وبداء الحصبة في نفس الوقت:

ـ لم أستبن كلامك أيتها العجوز! هلا شرحت قولك حتى نستبين صباحنا ومساءنا وغدنا؟

وغضبت زرقاء اليمامة، وحق لمثلها أن تغضب، لأن الحاكم لم يأخذ بنصيحتها حين أنذرته بعواقب الصفرة التي علت وجهه ذات يوم:’البحر حين يغضب، الشعب حين يزمجر، الليل حين يدلهمّ… تلكم علامات النهاية، تلكم بدايات النهاية. والنهاية وتر بلا قرار، لأن الرب هو القرار!

قال الحاكم وقد صوب نظرة هزء إلى ‘هامان’ وأفراد العصابة:’ومتى كان القرار من أسماء الله الحسنى؟’لم تقرأ زرقاء اليمامة صفحة الرمل، ولا فسحة الرمل في الرمداء، لا ولا اشتكت إلى شياطين البحر والسماء.

زرقاء اليمامة، هذه التي حيرت هامان، والصقيع والجليد، وشبكات المخابرات، مؤمنة صاحبة فراسة، تنظر بنور الله!’الله، يا صاحب الصولجان، يسكن في جميع القواميس، في (لسان العرب) كما في قاموس (أكسفورد)’. الله، يا أيها الذي تبادل العشق مع هامان، يسكن في الوطن، في دارة الوطن، في حبة الوطن، ولا يحب الاغتراب. الله لا يسكن في الجريمة، في دوافع السلطة، في لغة الحطب والخشب المسندة، لأن القرار يأنف القرار في القرار!

وما دمت يا صاحب الصولجان جبة ترببت، وزعمت أنه ليس في الجبة سوى القرار، فإن فيالق الكلام والمعاني قد أوغلت في التيه، وعربدت في ليلة بلا قمر، وعبدت عجلا له خوار’. نتف الحاكم لحيته، وتبادل كلمات مقتضبة مع هامان، ثم هبّ واقفا من كرسي العرش:

ـ سأسمل عينيك أمام الملأ!

أجابته زرقاء اليمامة ببرودة من ينظر بنور الله:

ـ لقد زرعت عيني في الوطن، في كل دارة تعرف حرمة الكلام، تعرف ما القرار، فانتظر القرار، من صاحب القرار! من صبية نثرتهم، غربتهم، شحنتهم مثل الحوامض والتمور والبترول. وانتظر، ثم انتظر، إطباقة البحر على جنودك الضئيلين، ثم اعتصم إن شاء لك، بجبل من الأجساد والرؤوس والعظام.

إن هي إلا هبة، ويسقط القرار.’ كاتب من الجزائر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية