جائزة الآغاخان للعمارة الإسلامية: بين الطموحات ‘الفردية’ و’أبجديات’ المدرسة الفكرية

حجم الخط
0

د. وليد أحمد السيد

أعلن يوم 24 تشرين الثاني ( نوفمبر) الماضي عن المشاريع الخمسة الفائزة بجائزة الآغاخان للعمارة الإسلامية للعام 2010، خلال احتفال أقيم في متحف الفن الإسلامي في الدوحة، وهي: مشروع التأهيل البيئي لوادي حنيفة، الرياض، المملكة العربية السعودية. إحياء تراث تونس حديث العهد. متحف مدينة الزهراء، قرطبة. ومصنع نسيج إيبيكيول، إدرنة، تركيا. ومدرسة الجسر، كسياشي، الصين. وقد تم اختيار المشاريع الفائزة من بين 19 مشروعاً تم الإعلان عنها في أيار ( مايو) 2010، بينما بلغ عدد المشاريع المقدمة للترشح للجائزة 401 مشروعاً. المشاريع الفائزة عكست الأدوار التي تلعبها المشاريع العمرانية وبرامجها في تحسين البيئة المبنية. وقد تميزت ‘آلية’ اختيار المشاريع والقائمة القصيرة في هذه الدورة، حيث أصرت اللجنة المنظمة للجائزة على شفافية ووضوح عملية اختيار المشاريع من خلال تسريب القائمة القصيرة للعموم وللمرة الأولى في تاريخ الجائزة، مما أدى لنقاش وحوار مع العموم من المعماريين والمخططين والمؤرخين. وقد حاز البروفسور ‘أوليغ غرابار’ على ‘جائزة الرئيس’ للمرة الثالثة في تاريخ الجائزة بعد المعماريين العربيين حسن فتحي ورفعة الجادرجي – تقديراً لعطائه خلال مسيرة طويلة في مجال الفن الإسلامي والعمارة. وبالنظر إلى دور جائزة الآغاخان للعمارة في رفد وتطوير العمل المعماري والتخطيطي على الساحة العربية والإسلامية لحوالي ثلث قرن، حيث تأسست الجائزة من قبل سمو الأمير صدر الدين آغاخان عام 1977، وحيث قامت الجائزة و’ المؤسسة’ التي تقف خلفها بدعم عشرات المعماريين من خلال تقييم أعمالهم ومكافأة جهودهم وتقديرهم، إلا أن الجائزة، ومن ورائها المؤسسة، وبالنظر للفترة الطويلة التي عاشتها، يمكن إعادة النظر في برنامجها والأهداف التي حققتها بعد هذه الفترة الطويلة والتي راوحت بين الطموحات ‘الفردية’ للمعماريين والمخططين للتقدير والحظوة المالية والاعتبارية، وبين الآليات الحقيقية التي كان يجب على الجائزة والمؤسسة أن تلعبها في ‘تأسيس’ فكر عمراني وتأصيل النقد العمراني وتقديم قاعدة فكرية رصينة للبحث العلمي والخطاب المعماري العربي والإسلامي المتخبط. وفي هذا الإطار النقدي في مساحتنا هذه للجائزة ودورها المفترض وإنجازاتها خلال هذه الفترة الطويلة، يمكن تلخيص النقاط التالية قبل مراجعة المشاريع الفائزة لهذه الدورة:

أولا ـ من دون أدنى شك، يلاحظ المتأمل أن الجائزة، والمؤسسة، قد ملأت فراغا هائلا في ساحة الخطاب المعماري العربي والإسلامي قبل مطلع الثمانينيات، بل من الجائز القول أنه لم يكن هناك أثر واضح لمعالم فكر معماري واضح وأن تزامن إنشاء المؤسسة والجائزة جاء متوافقا مع جهود فردية متعثرة وبوادر ‘تزاوج’ فكري أكاديمي فردي بين الشرق، تمثل ببعض البعثات الأكاديمية، وبين المعاهد الفكرية الغربية التي راجت فيها الدراسات المعمارية ‘الاستشراقية’. ومن هنا فقد توافرت عوامل وعناصر النجاح لدور المؤسسة في وسط معماري خاو على عروشه من التنافس أو التميز. وفي ظل هذه الحالة، وكما جرت عليه العادة، ونظرا للبعد السياسي للمؤسسة، والبعد الاقتصادي والاعتباري للجائزة والمؤسسة التي تقف خلفها، كان من المنطقي والطبيعي أن تتشكل معالم فرق وجماعات من اللاهثين خلفها لمصالح ودوافع ‘اعتبارية’ وطموحات فردية تتخطى أسس تشكيل معالم نهضة فكرية وتأسيس مدرسة أو منصة فكرية رصينة تؤسس وتؤطر لمشروع نهضة فكرية معالمها وأهدافها وطموحاتها واضحة لإنارة الطريق وبلورة أسس الخطاب المعماري الواضح في بيئة متخبطة. وبدلا من ذلك، جاءت بعض ملامح ‘الانتهازية’ التي ‘أغشت’ أبصار من التفوا حول الجائزة لذاتها بمثابة العقبة الأولى الكأداء أمام هذه الأطر المنهجية الأولية للمؤسسة والجائزة منذ مراحل تأسيسها الأولى ولغاية كتابة هذه السطور.

ثانياـ بالنظر إلى نتائج ما ترتب على ما سبق، وعلى الرغم من إنجازات المؤسسة في تقدير نماذج التميز والإبداع وتشجيع تخطيط المشاريع الحضرية والريفية ومبادرات الإسكان، ومشاريع الحفاظ، ومكافأة جميع القطاعات العاملة في مجال العمران بما فيها البنّاء والعمال وأصحاب العمل من ذوي الرؤى النافذة، وعلى الرغم من اختيار ما يزيد على 105 مشروعات لنيل الجائزة وتوثيق أكثر من 7500 آخر رشحت للجائزة، والشراكات الفكرية مع بعض المعاهد الأكاديمية في العالم العربي والإسلامي، إلا أن الراصد يجد أن التأثير الحقيقي والفعلي للمؤسسة والجائزة في جسر الهوة السحيقة بين العالمين العربي والإسلامي وبين العالم الغربي المتطور لم يتعد ملامسة السطح ودبلوماسيات العمل السياسي وليس الفكري مطلقا الذي ينقل ‘التلاقحات’ الفكرية المؤثرة لتطورات العلم أو البحث العلمي ووسائله وبرامجه وتقنياته ـ إلا ما ندر.

وللدلالة على ذلك يكفي عمل ‘استفتاء’ حقيقي وبعد أكثر من 33 عاما، ليس على مستوى الوعي الغربي الشعبي المثقف ثقافة عالية فهذا طموح وترف في غير محله، ولكن على مستوى المجتمع الأكاديمي المعماري الغربي، في معرفة مدى انتشار اسم الجائزة ـ ناهيك عن أهدافها وما حققته خلال ثلث قرن من إنشائها. ليس من شك في أن نتيجة ‘استفتاء’ عاجل في الأوساط الأكاديمية الغربية بمجملها للتحقق من رواج ‘اسم المؤسسة’ ستكون ‘صاعقة’ وصادمة لمن يقف خلف المؤسسة والجائزة. ومن تجربة خاصة على مدى سنوات عديدة أثناء الدراسة الأكاديمية في النظام البريطاني، وكلية بارتلت للعمارة تحديدا كمدرسة رائدة ومتصدرة في النظام الأكاديمي البريطاني، ورغم أن موضوع البحث كان يتخصص في أعمال معماريين عربِيَّيْن ِ واكبا إنشاء المؤسسة وحظيا برعايتها وتكريمها ـ هما راسم بدران وحسن فتحي ـ فلم تحظ ‘أسهم’ المؤسسة برصيد يجاوز سمعتها العامة، ولم ترق منشوراتها بغالبيتها العظمى، وبزعم أكاديميين غربيين متمرسين ‘سمعوا’ عن المؤسسة وبرنامجها للعمارة الإسلامية، إلى مستوى أعمال فكرية جادة يهتدي بها البحث العلمي الرصين. فمن الصادم والمدهش أن منشوراتها ومؤتمراتها في مجملها لا تخترق أبعد من السطح فكريا ولا تمثل أساسا علميا يمكن الاعتماد عليه في بحوث علمية أو تخطيطية أو فكرية جادة ـ بل يمكن تصنيف الغالبية منها ضمن العمارة ‘الصورية’ الاستعراضية التي تصب في الطموحات والأمجاد الفردية أكثر من تأسيسها لمدرسة نظرية أو فلسفية واضحة الأسس والمعالم بنصوصها النقدية أو العلمية.

وليعذرنا من قد يقرأ مداخلتنا ‘بسطحية’ إن دار بذهنه جدوى إجراء استفتاء حول انتشار ‘اسم الجائزة’، فليس هو المقصود بذاته، لكنه مؤشر ودليل على مدى نجاح أي مشروع في ‘اختراق’ أوساط النخب المثقفة والشعبوية سواء بسواء، وهذا ينطبق على مستوى المعاهد الغربية العامة دون الاستشراقية منها وهي قليلة، أسوة بمشاريع الجوائز العالمية التي تنتشر في العموم انتشار النار في الهشيم، فضلا عن قدرتها على الارتقاء بالفكر والفلسفة والتأسيس إلى ‘سلم’ من الإبداع لا يقف عند درجته الأولى من نال الجائزة مرة بل هو مفتاح التقدم إلى الأمام ومقياس تراجع الأداء أو صعوده وهو موضوع النقطة التالية.

ثالثا ـ من أبرز إشكاليات الجائزة، ومن ورائها المؤسسة، أنها كرست بشكل غير مباشر أسماء ورموزاً وانتهت آثارها المؤثرة في المحيط عندهم. فالفوز بجائزة ما في مجال إبداعي لا يعني نهاية الطريق، تماما كالتخرج بدرجة علمية أو أكاديمية، بل هو بداية بحث جاد ودوؤب لتأصيل الفكر والبحث لنقله من الحيز ‘الخاص’ إلى الحيز ‘العام’ وهو ما لم يحدث مطلقا. فالمؤسسة والجائزة تمحورت حول ‘شخصيات’ مهنية وأكاديمية سواء بسواء، استفادت وتلمعت، بقربها من الجائزة، لكنها تقوقعت عند مدى ‘الحظوة’ التي تقدمها لها الجائزة ـ وبالقدر الذي تقدمه لها أيضا بشكل يتناسب طرديا بما يفضح ‘الانتفاع’ الشخصي ويصب فيه. ومن دلائل هذا الادعاء الذي نقدمه أنه لم يفز أكثر من معماري واحد بالجائزة مرتين ـ باستثناء عبد الواحد الوكيل عامي 1980 و 1989، وعلى الرغم من أن أعماله الاقتباسية ‘الحرفية’ مثيرة للجدل مع ذلك بما يتمحور حول الحيز ‘الخاص’ بعيدا عن التأثير الفكري المعماري ‘العام’ للأوساط المجتمعية، والأكاديمية، وقد يرسل الرسالة الخطأ للجيل القادم بالعمارة ‘الحرفية’ الصورية. بعض هذه ‘الشخوص’ التي انتفعت من المؤسسة، عاشت في أكنافها لكنها لم تقدم إضافة معرفية جادة للفكر المعماري العربي والإسلامي لعقد أو اثنين، وانسلت بعيدة عن المراجعة، وغدت ‘رموزا’ معمارية فكرية أسهمت وما تزال في تراجع الفكر وحالة ‘المزيج’ الهلامي الذي تعيشه العمارة العربية المعاصرة اليوم. في محيط ذلك كله تبرز مجموعة التساؤلات حول المدى الفعلي الذي أسهمت به الجائزة ومؤسستها في رفد وتطوير ‘الأسس المنهجية’ للعمران في العالمين العربي والإسلامي كـ ‘عملية’ (Proce) أكاديمية وفكرية ومهنية، وليس كنهاية (end product) وقفت عندها بعض ‘الأسماء’ على أنها ‘نهاية المطاف’ من جهة، ووقف عندها بعض المتشككين بأهدافها من جهة أخرى.

رابعا ـ قد يبدو منطقيا جدا القول أن عمل المؤسسة والجائزة في تقييم وتقدير أعمال العمران في العالمين العربي والإسلامي كنتائج هي رسائل واضحة أو مشفرة لكل المهتمين بالأعمال الفكرية والمهنية وعليهم التقاط هذه الرسائل وتحليلها والبناء عليها. وهذا صحيح في شقه، لكن مواكبة الجائزة في مسيرتها الطويلة لثلث قرن لبعثات أكاديمية ورعايتها لمراكز ومعاهد تعليمية غربية، وإن بشكل مغلق جدا ومحدود لمحيطها، وبرامج المؤتمرات والنشرات كلها تشير إلى ‘إطار’ ثقافي وفكري كان يمكن أن يشكل ‘منهجية’ فكرية ناظمة أبعد من مجرد إرسال رسائل ‘رمزية’ للباحثين والطلاب والأكاديميين والمهنيين. ومن هنا فمراجعة ومساءلة أهداف برنامج المؤسسة وما حققته على أرض الواقع المهني والأكاديمي العربي والإسلامي في رحلتها الطويلة، والدوائر الخاصة ‘المنغلقة’ التي تنعزل عن ‘المحيط’ الفكري والفلسفي العمراني العالمي من جهة، وعن البيئات المجتمعية الشعبوية التي تتأثر فعلا بنتائج الترشيحات وتطبيقاتها على أرض الواقع من جهة أخرى، كل تلك المراجعات تبدو أساسيات مهمة لمعرفة اتجاه بوصلتها الفكرية والفلسفية المعمارية.

خامسا ـ لم تسهم الجائزة، أو برامج المؤسسة، في رأينا، في نقل العمارة ومتعلقاتها من الوعي الخاص النخبوي إلى الوعي الثقافي الشعبوي العام. وعلى الرغم من ترشح وفوز الكثير من الأعمال ذات الطابع الاجتماعي والبيئي، ومنها المشروع الأخير الفائز في السعودية في الدورة الأخيرة، ومن قبله مشاريع حضرية منها مثلا مشروعا عبد الحليم ابراهيم في وسط القاهرة ومشروع المسجد الجامع وتطوير وسط الرياض ـ وكلا المشروعين فازا في العام 1992 في الوقت الذي عملنا مع كلا المعماريين الفائزين على تطوير المرحلة الثانية للأسواق العقارية في الرياض ومشروع تطوير الجمالية في القاهرة، ومنها مثلا مشروع تطوير شرق الوحدات في الأردن الذي فاز بالجائزة في نفس العام ـ كل هذه المشاريع وغيرها لا تتجاوز حدود الترشيح والفوز، وليس لها إحداثيات عملية فعلية على أرض الواقع في بعث العمارة والعمران في الوعي الشعبي ورفع قيمة المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار أو المساهمة به من قريب أو بعيد على الرغم من بعض النظريات القليلة التي تبرز على السطح هنا وهناك. فمثلا مشاريع كتطوير منطقة شرق الوحدات، وهي منطقة كالعشوائيات لإيواء طبقات من ذوي الدخل المحدود معلومة شخصيا للكاتب، لا يقدم أو يؤخر فوزها بجائزة عالمية بقدر ما يهمها تضافر ‘شراكة’ مؤسسية عالمية ومحلية لرفع قيمتها البيئية وقيمة الخدمات الأساسية التي تقدمها للقاطنين ومحاربة جيوب الفقر بها تخطيطيا ومعماريا لأنها في النهاية جزء من منظومة اقتصادية وسياسية وثقافية تعيش الواقع المحلي ولا تتأثر بالإطلالات العابرة العالمية لجوائز وتقديرات. ومن هنا فعمل الجائزة لا يقف عند حدود الوقوف المرحلي عند عتبة التقييم الابتدائي، بل يمكن أن يتطور كثيرا بوجود برامج فعلية عملية، تنبثق من مؤسسة الجائزة، بالتآلف مع برامج محلية أكاديمية وسياسية حكوماتية تعالج البيئة المبنية وترفع من سويتها. ومن هنا فآلية ترشيح ‘منطقة حضرية’ للجائزة ينبغي أن يأخذ في الحسبان ‘رأي العامة والجمهور’ فيها قبل أن تتم النظر إليها من وجهة نظر معمارية نظرية. فما معنى أن تفوز منطقة عشوائيات بجائزة عالمية وتقدير من قبل لجنة ‘بورجوازية’ تعيش في بيئة متناقضة مع بيئة عمرانية تفتقر إلى الخدمات الأساسية في الوقت الذي ربما لم يسمع أحد من ‘قاطني العشوائيات’ عن الجائزة أو حتى فوز ‘حارتهم’ بها؟

في ظل هذه المراجعة النقدية والتأملات لقيمة وفعالية الجائزة والمؤسسة القائمة عليها كجهة خدمت وتخدم الساحة العمرانية في العالمين العربي والإسلامي لعقود، يتوجب الوقوف ومراجعة الذات وتقييم الهدف واتجاه البوصلة، وبخاصة ‘برنامج المؤسسة’ القائمة خلف الجائزة، لمنع الاسترسال في وجهة قد لا تخدم السياسات والأهداف الفكرية والفلسفية التي تحتاجها فعلا العمارة العربية والإسلامية في منعطف القرن الحادي والعشرين وبأطر وتداعيات العولمة.

حول المشاريع الفائزة، يمكن الاطلاع على الملف الخاص بجائزة الآغاخان للعمارة، دورة 2010 من خلال الرابط التالي: (http://www.akdn.org/Architecture/2010recipients.asp) معماري وأكاديمي – لندن[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية