فيلم ‘عمر المختار’: سيرة مقاوم انتصر بموته على جلاديه… وأحفاده يكملون المشوار

حجم الخط
0

بعد ثلاثين عاماً على إنتاجهمحمد منصور في الوقت الذي يعيش فيه الشعب الليبي فترة من فتراته التاريخية المشهودة… في الوقت الذي يتكسر جدار الصمت، وتثور دماء الأحرار، وتسير قوافل الشهداء نحو الشمس والحرية… في الوقت الذي تتردد عبارة عمر المختار: (نحن نحارب لا نستسلم… ننتصر أو نموت) على لسان شباب هذه الثورة، وتلهمهم معنى البقاء وحلم النصر. يجدر بنا أن نتوقف عند سيرة عمر المختار، كما قدمها المخرج السوري مصطفى العقاد في فيلمه الخالد (أسد الصحراء) الذي مضى على إنتاجه اليوم عقدان من الزمن… لكنه مازال قادراً على أن يقدم صورة شديدة التعبير عن هذا التاريخ الليبي الناصع الذي يعيد نفسه، حتى لو استبدل الليبيون نضالهم ضد موسوليني بعائلة من الطغاة تضم معمر القذافي وأبناءه السبعة! يعتبر فيلم (عمر المختار) من أضخم الأفلام التي قدمت عن سيرة ثائر عربي في وجه الاحتلال الأجنبي لبلاده في العصر الحديث، وهو يكتسب فرادة خاصة في هذا السياق، سببها ندرة الأعمال الملحمية الضخمة التي قدمت عن أبطال حركات المقاومة الشعبية في غير بلد عربي، خاض أبناؤه معركة التحرر ومحو عار الاحتلال. وربما لهذا السبب، عمل مصطفى العقاد على جعل هذه السيرة أنموذجاً في نظرية المقاومة ومبادئها وأخلاقياتها، وفي وحشية الاحتلال في آن معاً… فالعلاقة بين عمر المختار وجلاديه بدت علاقة مثيرة للتأمل، وخصوصاً حين يشعر المحتل في قرارة نفسه بأنه أقل أخلاقية ونبلا من هذا الشيخ السبعيني، الذي لم يهن ولم يستسلم، وأسر وهو يقاتل، ورفض أن يلتمس أي استرحام، بل وقف يجابه الموت بشجاعة مثيرة للإعجاب. الاحتفاء بصورة الجريمة (هنا في ليبيا نصوّر كل شيء… لن تجدنا بدون صورة) هكذا قال أحد الضباط الطليان لغراتسياني في حفل استقباله في بنغازي، بعد تكليفه من قبل موسوليني بإدارة ليبيا… إثر الهزائم التي مني بها أسلافه السابقون!

والواقع أن الصورة كانت المدخل الأساسي للولوج إلى طبيعة الصراع منذ مقدمة الفيلم… حيث نرى مصوراً فوتوغرافياً إيطالياً، يقوم بالتقاط صور للمقاومين الليبيين الأسرى، وهم على أعواد المشانق قبل إعدامهم.. في سلوك وحشي غريب حرص عليه الفاشيون لتوثيق جرائمهم، باعتبارها جزءاً من الأمجاد التي كان يعتقدون أنهم يبنونها. وحين ننتقل من الصورة السينمائية الحية إلى الصورة الفوتوغرافية الثابتة، نتابع الديكتاتور الفاشي موسوليني، وهو يتصفح هذه الصور بشيء من الضجر والغضب؛ فإذا كان التمرد قد سُحِق، فلماذا يتم إعدام المزيد من (البدو) على حد تعبيره، وإرسال الصور إليه.. ولماذا نذهب إلى نصر كنا قد حققناه سابقاً؟ ويبدو أن لغضب موسوليني ما يبرره، فالتمرد لم يسحق بعد… وزعيم المتمردين (عمر المختار) أصبح اسماً يقض مضجع السلطة الفاشية في روما، ويرعب المستوطنين الطليان في ليبيا، الذين أصبحت كلفة حمايتهم تقارب كلفة إقامتهم في فنادق فخمة. ولهذا اختير الجنرال (غراتسياني) المشهور ببطشه كي يقوم بهذه المهمة.. وكي ينهي المقاومة التي تقف أمام طموح أربعين مليون إيطالي. وفي لقاء التكليف يقول غراتسياني وهو يقف أمام موسوليني، معبراً عن الفلسفة المثالية التي يؤمن بها في عمله العسكري: (اسمح لي زعيمي حين أسحق تمرداً، لا أشعر إلا براحة الضمير كجندي). الحياة المستقرة في مواجهة آلة الدمار ومن هذا التوتر النفسي والعسكري للمحتل، ينتقل الفيلم مباشرة إلى الحياة الاجتماعية والمدنية في إحدى قرى ليبيا، حيث نرى عمر المختار يقوم على تعليم مجموعة من الأطفال واليافعين آيات القرآن الكريم، في واحدة من المدارس أو الكتاتيب الدينية التي كانت سائدة ومنتشرة في مشرق الوطن العربي ومغربه، في تلك الفترة من بدايات القرن العشرين. يطل عمر المختار هنا، شيخاً جليلاً وأستاذاً وقوراً، لكنه يبقى حاضر البديهة والنكتة بلا تجهم… فهو يتواطأ مع الأطفال في إنهاء الدرس بعد أن دخل ساحة القرية موكب احتفالي لعرس صاخب، شتت انتباه الأطفال، وجعلهم مشدوهين إلى فرح الموكب تحدوهم الرغبة في الانضمام إليه.. ولهذا ما إن يحمل المعلم أحد الألواح ويهم بقراءته، حتى يفر الأطفال هاربين من حلقة التعليم، بمرح وشغب لا يقاومان. هذه المشهدية المتداخلة، تسعى لرسم صورة الحياة المستقرة الآمنة، التي يفترض أن يعكرها خبر تسليم الجنرال (غراتسياني) مقاليد الحكم في ليبيا… إلا أن عمر المختار يتعامل مع هذا الخبر بكثير من الصلابة واللامبالاة ويصف القادة العسكريين الطليان بأنهم يأتون ليبيا كالأسود، ويعودون كالماعز المنهكة. إيمان عمر المختار لا يمنع من تبدل صورة الحياة، التي سرعان ما ستتغير بفعل هجمات سلطات الاحتلال الانتقامية، التي تنكل بالأهالي، وتمارس القتل العشوائي بحق شبابهم ورجالهم، وتحرق مؤنهم وغذاءهم بحجة أنهم يحرقون نصف ما سيعطى لمختار. وهكذا يسعى الفيلم ليؤكد منذ البداية عذوبة الحياة البسيطة التي تمور بالفرح، في مواجهة قسوة الاحتلال ووحشيته، التي تترك أثراً فجائعياً مدمراً ليس على حال القرى والبيوت والناس، بل على المتلقي الذي يجد نفسه معنياً بتبدل هذه الصورة من النقيض إلى النقيض… من الفرح إلى الخوف… من ألق الحياة إلى برودة الموت المجاني الذي لا يستثني جريحاً مصاباً كان يتماثل للشفاء في منزله… فجّرته أيدي الجنود إلى الخارج كي تعالجه رصاصة الموت. مجتمع المقاومة: خيار أم ضرورة؟ تتوالى فصول الصراع بين عمر المختار ورجاله المقاومين، وقوات الاحتلال الإيطالي المدججة بالسلاح والعدد والعدة والعتاد… ويركز الفيلم على حالة الثأر والانتقام من السكان المدنيين، في ظل فشل المحتل من الدخول في مواجهات مباشرة مع رجال المقاومة، الذين يشنون هجمات خاطفة ومباغتة تارة في عمق الصحراء التي يعرفون مسالكها ودروبها، وأخرى في كهوف الجبال التي يضطرون للجوء إليها بعد اشتداد شراسة المحتل، وقيامه بحرق القرى والبلدات وتهجير سكانها، من أجل حرمان عمر المختار من إمداداته بالمؤن والرجال، إلا أن قسوة المحتل وسياسة البطش التي يتبعها تسهم في دفع الكثير من الشبان إلى الالتحاق بالمقاومة… فهذا البطش يجعل منهم ثواراً ومقاومين بالضرورة، لأنهم فقدوا كل شيء من حولهم، فقدوا أهليهم وبيوتهم ودمرت حياتهم أمام أعينهم، وبالتالي لم يجدوا أمامهم بداً سوى الإيمان بالمقاومة كوسيلة ثأر للكرامة المستباحة، وكسبيل للدفاع عن معنى حياتهم، ضد أي موت مجاني يمكن أن يطالهم على يد سلطات الاحتلال من دون أي ذنب اقترفوه!

وهكذا تتحول المقاومة من خيار إلى ضرورة، وهي فكرة يلح عليها الفيلم، كي يرسخ هذه الثقافة باعتبارها السبيل الأمثل لمقاومة أي محتل… ويصور الفيلم بطريقة مؤثرة ألم غياب واستشهاد الأب في عيني الطفل الصغير (علي) حين يعود عمر المختار ورجاله إلى القرية، ويرى ذلك الطفل حصان أبيه يسير وحيداً مع خيول أخرى يقودها الرجال. وعندما تدخل الأم مع طفلها إلى عمر المختار، الذي نراه وهو يتوضأ للصلاة، يقدم للأم مصحف الأب الشهيد، ويوصي الطفل بالاحتفاظ به والحرص عليه، وكأنه يحمله تذكار الشهادة، ورسالة المقاومة الرمزية التي لابد أن تتوارثها الأجيال، مادام الوطن تحت الاحتلال، وعندما يرى المختار الدموع في عيني الأم الشابة، يخاطبها بثبات قائلاً: (لا تبكي أمامه كثيراً، نريد أن يذكرنا الأطفال أقوياء واثقين لا بائسين). ثمة نسج بارع ومرهف لتفاصيل العلاقة مع المقاومة كمفهوم وحالة، ولصورة مجتمع المقاومة من الداخل. وثمة تركيز على الأثمان الباهظة لهذه المقاومة، إنما باعتبارها ضريبة إجبارية يدفعها أبناء وطن محتل، يريدون محو عار الاحتلال… وهذا في الواقع جوهر ما أراد العقاد التأكيد عليه في فيلمه، حتى وهو يصور لنا مفاوضات السلام، التي يلجأ إليها (غراتسياني) بعد أن أعيته الحرب… وعندما يستغرب الجنرال المفاوض (ديوديتشي) خيار (غراتسياني) هذا، ويتساءل: ما الذي يمكن أن يعطيك إياه رجل صلب وغير مساوم كعمر المختار، يقول غراتسياني معبراً عن الدوافع الحقيقية لمفاوضات السلام: (لن يعطيني سلاماً، ولكن سيعطيني الوقت وكل حاجتي هي الوقت). أكذوبة السلام والواقع أن هاجس تحويل عملية السلام إلى بديل عن ثقافة المقاومة، وإلى جسر لتقديم التنازلات، يسيطر بوضوح على محور المفاوضات مع عمر المختار. ومن الضروري أن نتذكر هنا أن مصطفى العقاد صنع (عمر المختار) كما اعترف في كثير من حواراته الصحافية، كرد على خطوة الرئيس المصري أنور السادات زيارة القدس المحتلة، وعقد اتفاقية سلام منفرد مع الكيان الإسرائيلي في كامب ديفيد عام 1979 وهي الفترة التي كان يجري فيها التحضير للفيلم، الذي أنتج عام 1980. ومن هنا نجد أن الفيلم اتخذ موقفاً حاداً يدين أي عملية (سلام) بين محتل يسيطر على الأرض، ومقاوم يسعى لتحرير هذه الأرض… وخصوصاً حين تختل موازين القوة بين الطرفين. وقد أكد العقاد في هذا الفيلم، أن ما بدا (عملية سلام) كان هدفه كسب الوقت… وأن عمر المختار رغم أنه قبل بمبدأ المفاوضات، إلا أنه لم يقبل أن يبدل أياً من المسميات التي توصف جوهر الصراع، ولا أن يجعل من هذه المفاوضات بديلاً عن خيار المقاومة بأي حال من الأحوال، وقال في هذا السياق منطلقاً من ثقافته الدينية والوطنية: (كتاب الله صريح جداً.. إنه يفرض علينا أن ندافع عن أنفسنا ضد الذين يشردوننا من بيوتنا)؛ ولهذا استطاع عمر المختار أن يرفض التنازلات، وأن يرفض (عملية السلام) برمتها، لأنه لم يخسر موقعه الأصلي كمقاوم يسعى لتحرير الأرض بقوة السلاح، كما احتلت بقوة السلاح!

الدفاع الأخلاقي عن صورة العرب يشتد الصراع بين المقاومة والمحتل… ويركز الفيلم على تباين الأخلاقيات في سلوك كلا الطرفين… ولعل هذا التركيز هو جزء من اهتمام مصطفى العقاد بإبراز صورة مضيئة للعرب الذين شوهت هوليوود صورتهم، وألصقت بهم أسوأ الاتهامات والنعوت. أبرز الأخلاقيات التي يركز عليها الفيلم قضية التعامل مع الأسرى… ففي إحدى المعارك، يهم أحد الشبان بقتل جندي إيطالي أسير، إلا أن عمر المختار يصرخ به قائلاً: (نحن لا نقتل الأسرى) ويرد الشاب: (ولكنهم يقتلون أسرانا) فيرد عمر المختار: (إنهم ليسوا قدوة لنا). وفي المحاكمة الصورية التي يواجهها عمر المختار أمام محكمة عسكرية إيطالية بعد القبض عليه… يبدو المختار هادئاً ومنضبطاً طيلة المحاكمة، إلا أنه يثور ويغضب حين توجه له المحكمة تهمة قتل وتعذيب الأسرى. فهو يعترف بكل ما قام به من أفعال لأنه مؤمن بحقه في المقاومة… لكنه بالتأكيد يدرك أن قتل وتعذيب الأسرى عارٌ يجب ألا يلصق به.

هذا التباين الأخلاقي هو جزء من تأكيد مشروعية المقاومة… ومقابل استهداف عمر المختار ورجاله للعسكريين الإيطاليين في الهجمات التي كانت تُشن ضدهم في مواقع ومهمات عسكرية، نجد أن الاحتلال كان يستهدف المدنيين ويحرق القرى ويهدم البيوت فوق رؤوس ساكنيها.

التباين في السلوك الأخلاقي، خلق تبايناً من نوع آخر وهو ومثير درامياً، فأمام تواضع المقاومة في تنفيذ عملياتها، وأمام حكمة وصبر عمر المختار وتوازنه وهو يحصد النجاح في هذه العملية أو تلك ضد أعدائه، ثمة حالة من الغرور والاعتداد السريع بنصر سرعان ما يتضح أنه هزيمة منكرة… فتتحول عبارات الظفر إلى خيبة مرة يطبق عليها الصمت والانكسار! طبعاً كل هذه التباينات، لا ُتنسج بطريقة الأضداد الجاهزة، بل يمضي سيناريو هاري كريج في رسم تفاصيلها التراكمية بحبكة تشويق ماكرة، تعد مشاهدها بكثير من لحظات الترقب والانقلاب والمفاجأة.. ولهذا لا تبدو صورة العدو مضحكة ومهزوزة لمجرد أنه (عدو)، بل تكمن المشكلة في معرفة عمر المختار لكيفية التعامل مع خصمه، وفي إيمانه الداخلي العميق الذي كان يهزم عدوه نفسياً قبل أن يهزمه العسكري. حاربناكم… ذلك يكفي قوة ونجاح المقاومة كانت تستدعي من سلطات الاحتلال اللجوء باستمرار إلى خرق القواعد الأخلاقية والإنسانية للصراع، ويصل هذا الخرق ذروته بتحويل أجزاء كبيرة من ليبيا إلى معسكر اعتقال جماعي محاط بالأسلاك الشائكة، بهدف قطع الإمدادات عن عمر المختار ورجاله، والضغط نفسياً عليهم عبر أخذ شعب بأكمله رهينة… إلا أن عمر المختار يؤكد لرجاله: (الأسلاك ستنتصر إن استطاعت أن تمزق معنوياتنا) وهكذا يبقى عمر المختار معتداً بإيمانه بحقه التاريخي وبانتمائه لقضية شعبه، حتى بعد أن يقبض عليه. وفي معالجة محبوكة برهافة وذكاء، يرسم كاتب السيناريو ومعه المخرج، حالة شديدة الخصوصية لمشاهد لقاء الجنرال غراتسياني بعمر المختار لأول مرة وهو مكبل بالأصفاد في سجنه… يشعر غراتسياني بزهوة النصر بالمقدار الذي يشعر فيه بالاحترام العميق لخصمه اللدود العنيد، الذي لم يساوم ولم ينحن ولم يهادن… احترام ينطوي على إعجاب صامت ومحرج… فهذا الرجل الذي قاتل لعشرين عاماً وجاوز السبعين من العمر، يبدو مثالاً جديراً بالاحترام، بغض النظر عن الصراع المرير الذي خاضه معه… ينحني أمامه ليُلبّي طلباته البسيطة وهو يطلب فك قيوده كي يتمكن من الوضوء والصلاة.. وهو يتمنى ألا يقول له حتى كلمة (شكراً) لأن مشاعره المتناقضة والمختلطة في هذه اللحظة تمنعه من قبول كلمة الشكر هذه… فقد فرض عمر المختار احترامه على جلاديه، وقد وقف غراتسياني ليضرب له تحية الاحترام العسكري أمام المشنقة التي نفذ فيها حكم الإعدام. إلا أن الفيلم لا ينسى أن يتوقف في حوارات مطولة ولقاءات متتالية، تبدلت فيها المشاعر بين عمر المختار وغراتسياني قبل تنفيذ حكم الإعدام… حوارات كتبها كريج بتركيز وكثافة بالغين ليلخص بها كل ما أرادت هذه الملحمة الشعبية، وهذه السيرة الذاتية قوله: – غراتسياني: عندي لك سؤال واحد: لماذا ثرت كل هذه المدة أكنت تأمل طردنا من ليبيا بالقليل الذي لديك؟ – عمر المختار: حاربناكم.. ذلك يكفي- غراتسياني: ولكن ألم يهمك دمار بلادك – عمر المختار: أنتم الذين تدمرون بلدي… ماذا تفعل لو أن أحداً احتل أرضك؟- غراتسياني: هل خطر لك كيف كانت هجماتكم تبدو لنا… كمين.. قتل في الليل… وخداع في النهار… وتهديد لمزارعينا – عمر المختار: يزرعون أرضنا… ليبيا ليست بلدكم… ولا حق لكم فيها ولا مرعى بقرة. – غراتسياني: لايطاليا الحق هنا كأي دولة أخرى… إنكلتر لها الحق في مصر، وفرنسا في تونس والجزائر، وإسبانيا في المغرب؛ وليس لهم حق تاريخي.. لنا حق هنا يعود إلى مئات السنين. – عمر المختار: قريباً ستجردني من كل شيء وتريدني أن أبارك سرقاتكم… لا حق لأمة في احتلال أمة أخرى! إلا أن أبلغ ما يختم به عمر المختار حديثه مع غراتسياني.. تلك الكلمات التي تلخص جوهر الصراع التاريخي، على المدى البعيد، وهي كلمات تصلح بالتأكيد لتكون درساً لأي محتل، ووساماً على صدر أي مقاوم:(نحن لن نستسلم ننتصر أو نموت.. ولا تظن أنها النهاية، سيكون عليك أن تحارب الجيل القادم والأجيال التي تلي… أما أنا فستكون حياتي أطول من حياة شانقي). إخراج كلاسيكي متقن تعامل مصطفى العقاد مع سيرة بطله بإيمان مطلق، لكنه كان حريصاً على ترجمة هذا الإيمان المطلق، بإقناع درامي وبصري مطلقين أيضاً. وقد اعتمد في الأساس على سيناريو متماسك، محبوك بعناية، متوازن في التنقل بين العام والخاص، وفي المزج بين قوة حضور البطل الشعبي، وقوة حضور قضية الشعب التي يمثلها، وملحمة العذاب والألم التي كان يعيشها هذا الشعب تحت الاحتلال. حالة الإنتاج الضخم التي ينتمي إليها الفيلم، ترجمها مصطفى العقاد ببراعة إلى مشهدية سينمائية ضخمة، عبر لغة إخراجية محكمة لا تستعرض بالمجان، بل توظف إمكانات الإنتاج في خدمة المشهد والحالة بأبعادها المفتوحة على ملحمية مشبعة ومكتملة العناصر. تنساب لغة العقاد الإخراجية بحس كلاسيكي متقن، فزوايا الكاميرا وحركتها، وأحجام اللقطات، وأسلوبية التقطيع السينمائي، والإحساس بزمن اللقطة، كلها تتضافر من أجل خلق مشهدية كلاسيكية البناء تلتزم القواعد الأساسية في التوصيل والتأثر، وتأسر لب المشاهد العادي بلا تعقيد شكلاني أو إسراف تجريبي، بالقدر الذي يمكن أن تأسر فيه المشاهد الخبير. إلا أن هذا البناء الكلاسيكي المنضبط والمدروس، لم يخلُ من ذرى ميلودرامية في الرؤية والأداء، أسهمت في جذب المشاهد الشعبي وإيصال القضية إلى قلبه ووجدانه قبل عقله. ومما لاشك فيه أن مصطفى العقاد كان مدركاً لأهمية هذه اللحظات الميلودرامية، وقادراً على توليفها مع بناء الفيلم الكلاسيكي بلا تنازلات فنية… فالموضوع يحتمل أو يتطلب ذلك، وقوة الصراع غير المتكافئ بين شعب أعزل وقوة احتلال مدججة بأحدث أنواع الأسلحة وأحط القيم الأخلاقية… لا بد ستصنع الكثير من الفواجع الشخصية والعامة، التي لم يكن بالإمكان التعامل معها ببرود، أو القفز عليها بلا مشهديات أليمة ودامية.

لقد شحن مصطفى العقاد مشاهده بمشاعر أبطاله وشخوصه… فمشاهد الفيلم يتذوق قسوة البطش ومشاعر الخوف، ورائحة الأرض المحروقة، وحدة الأسلاك الشائكة وهي تمزق الأجساد في صحراء الضنك، مثلما يعيش معنى الصلابة والثبات على المبدأ، وفلسفة الأمل، ولذة الظفر بهزيمة الأعداء والانتقام من بطشهم، في هجمات الكر والفر والعزة والكرامة. إن سمة الإنتاج الضخم مكنت العقاد في النهاية من تقديم لغة سينمائية ترقى إلى ما رأيناه في كبريات الأفلام التاريخية العالمية… لكن هذا النجاح الفني ليس صنيعة الإنتاج الضخم وحسب، بل نتاج قدرة فائقة على رفع سوية التحدي الفني لمقاربة الفيلم العالمي.. وهو تحد نابع من خبرة ومعرفة وموهبة وطموح… وقبل هذا كله: إيمان عميق بنبل الموضوع. مباراة الأداء ومرجعيات البيئةاستطاع مصطفى العقاد أن يهدي أنطوني كوين في (عمر المختار) واحداً من أدواره الخالدة… مثلما استطاع أنطوني كوين أن يثري الفيلم بعبقريته الأخاذة في الاقتراب من الشخصيات الغريبة عن بيئته وثقافته، كما كان يفعل على الدوام. مزيج فريد من الحكمة والحنكة والصبر والقوة والصلابة والشجاعة والتواضع، جسده أنطوني كوين، ليجعل من شخصية (عمر المختار) عالماً من البساطة والثراء الشرقيين، عبر تماهٍ خلاق مع بيئة الشخصية وطقوسها الدينية التي كانت مرجعاً مهماً من مرجعياتها وفلسفتها الجهادية كذلك. أما (أوليفر ريد) فقد قدم الجنرال غراتسياني بتماسك صارم ومدروس، حيث الحركة العسكرية المنضبطة، وحدة التعابير والانفعالات التي تكسو الوجه، والتحكم بانفعالات العالم الداخلي، بحيث تبقى بعيدة عن منأى من حوله إلا في اللحظات الفائقة التأثير والأهمية. ولعل أجمل مشاهد أوليفر ريد في الفيلم على الإطلاق، هي تلك التي جمعته مع عمر المختار في السجن بعد وقوعه في الأسر… حيث الصراع الحاد بين مشاعر الظفر بالقبض على خصمه والإعجاب والاحترام الذي يكنه في أعماقه له، والتي عبر عنها ريد بشكل أخاذ… في حين نحى (رود ستايغر) في دور (موسوليني) منحنى خارجياً متوتراً واستعراضياً، ليجسد بذلك صورة زعيم الفاشية وقيم عالمه السياسي… وقاربت (إيرين باباس) في دور (مبروكة) الحزن الشرقي في أدائها، التي تأرجح بين الحس التراجيدي وبعض الميلودرامية أحياناً. إن فيلم (عمر المختار) يبقى أيقونة كلاسيكية خالدة في الوجدان العربي، فهو يروي سيرة ثائر ومقاوم أخلص لقضية شعبه، وتعامل مع المقاومة كعقيدة غير قابلة للهزيمة.. وهو يبرز مصطفى العقاد مخرجاً عربي الانتماء والهوية، عالمي الأداء والصنعة والطموح الإنتاجي، بالقدر الذي يقدمه كمخرج جماهيري. أيضاً.. يعرف كيف يؤثر بمشاهده ويشحنه ويهزه بعنف وإيمان من أجل أن يأخذه إلى قلب التاريخ النابض برسائل الحاضر والمستقبل… وربما كانت ثورة السابع عشر من شباط (فبراير) التي اندلعت ضد الظلم والطغيان في ليبيا اليوم، واحدة من رسائل هذا المستقبل[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية