حظوة لتجاوز جنون الطائفية
د. علي محمد فخروحظوة لتجاوز جنون الطائفية هل معارك الفتنة الإسلامية الكبري، الحربية والسياسية والمذهبية، تطلًّ بمحيًّاها القبيح علي أمًّة العرب والمسلمين؟ هل ستعود إلينا معارك الجمل وصفٍّين، وأسئلة من أحقًّ أن يحكم المسلمين، وادٍّعاءات من يمثل الإسلام الصحيح ومن له الحظوة الروحية الأكبر عند نبي الإسلام؟ ماعادت هذه الأسئلة الجنونية أسئلة أكاديمية أو مزحة في المشهد السريالي العربي. إنها في قلب العَفَن الحالي في العراق ولبنان وفلسطين والعفن الآتي قريباً لأرض العرب كلٍّها. وإذا كان القنصل الفرنسي في بيروت قد وصف الشرقيين منذ حوالي مائة وخمسين سنة بأنهم بشر لايميلون للإنتماء إلي أمة أو وطن وإنما يفضٍّلون الانتماء إلي مذاهب وأديان، فانًّ الواقع العربي والإسلامي الحالي المر يؤكٍّد بأن ذلك الوصف لايزال ينطبق علينا، لكأنًّ الزمن العربي الإسلامي في الفكر والممارسة قد تسمًّر في الماضي السحيق. نعم، أن التمزُّق الذي نشاهده أمامنا اليوم هو حصيلة تناحر سياسي للفوز بالحكم وتسابق اقتصادي للاستئثار بالغنائم، وهو حتماً جزء من مخطُّط التجزئة والتشرذم الأمريكي الصهيوني الذي يطال كل بلاد العرب والإسلام، لكن كل ذلك يحدث متأثراً بصورة أو بأخري بالتًّمايز المذهبي المتشدٍّد كفكر متخلف وإيديولوجية فقهية غير مرنة وأوهام تاريخية ومشاعر مريضة وغياب لأخلاق التسامح. وإذن فجزء من المشكلة الطائفية يكمن في الاختلافات والصٍّراعات المذهبية التاريخية بين المسلمين. هذه حقيقة مؤلمة. ومواجهتها لا تكون بتجاهلها وإنما بالقيام بخطوة شجاعة تساعد علي حلٍّ إشكالية لم يستفد من بقائها طيلة القرون إلاً جماعات المصالح والأغراب وأعداء الإسلام.إذا كانت القرون لم تنجح في تقريب المذاهب الإسلامية بحيث تستطيع أن تتعايش بسلام ومحبة، وبحيث لا تنقلب إلي أدوات يستعملها كل من هب ودب من أجل مصالحهم الأنانية الضيٍّقة، وإذا كانت حوارات التقريب بين المذاهب عبر القرن الماضي كله لم تزل تراوح مكانها.. إذا كان الأمر كذلك فلماذا لايتجرًّأ أحد علي القفز فوق كل تلك المذاهب ويؤصٍّل لمدرسة فقهية جامعة جديدة؟ لقد طرحت هذا السؤال، بعفوية وبغيرة علي مستقبل الإسلام والمسلمين والعرب، علي عدد من المفكرين الإسلاميين فلم يستهجنوا ذلك، وإنمًّا تحدًّثوا عن المصاعب المعقدة التي تقف في وجه خطوة كهذه. أحدهم قال بأن بناء أي مذهب يحتاج لوجود أسس نظرية جديدة من أجل تأصيله، كما فعل مثلاً الإمام الشافعي أو الإمام جعفر الصادق. فاستعمال نفس المعايير والضوابط القديمة لاستنباط الأحكام الشرعية سيقود إلي مذهب مماثل للذين سبقوه. وآخر حذًّر من إمكانية ازدياد التشرذم والخلافات المذهبية. وآخر وافق بلا تحفظات.إذن فهذا موضوع قابل للنقاش وقابل للنظر بجديًّة. ذلك أن التراكم المعرفي المذهل في حقول العلوم الطبيعية والطبية والبيولوجية والاجتماعية، إضافة إلي الخبرات البشرية الهائلة عبر عدة قرون وتوفٌّر العلماء المسلمين الغياري في تلك الحقول لا يمكن إلاً ان يعزٍّز تلك المنطلقات النظرية التي سيحتاجها تأصيل أية مدرسة فقهية جديدة. وبالطبع فان ذلك لا يمكن أن يتمًّ علي يد فرد، حتي ولوكان فذاً كما كان الأوائل من المؤسٍّسين لمختلف المدارس الفقهية، وإنما سيحتاج إلي مؤسسة تضمُّ متخصٍّّّّّّّّصين في شتي العلوم وعلماء في شتًّي فروع الدين. لقد أنتجت غيرة الأوائل المؤسسين علي دينهم وشجاعتهم وعبقريتهم مدارس فقهية كانت غاية في الإبداع لمتطلبات عصورهم، لكن الأزمنة تغيرُّت وتخلٌّف الأمة قد قاد إلي تمترس مذهبي يتصف بغياب المرونة وعدم التسامح، كما أن الأغراب لا يعدمون وسائل للاستفادة من مثل هذه الأوضاع لتفتيت الأمة ودينها، فهل نطلب الكثير حين نتطلًّع لسبر أغوار كل الإمكانيات التي قد تخرج الأمة من أخطار التشرذم المذهبي الطائفي الحالي؟التفكير في التأسيس لمدرسة فقهية جديدة سيساهم في حلٍّ جانب من مشكلة العاصفة الطائفية الحالية وأيضاً في حلٍّ إشكالية الإجتهاد الذي ينتظر مأسسته ليعاود إبداعه. لقد جني المسلمون علي دينهم، وعلي عقلائهم أن يعملوا علي عودة صفائه وألق توحيد قلوب معتنقيه.9