محمد عبد الحكم دياب
الثورة المصرية في حالة سيولة، وبين مد وجزر، وهي تتخذ من الشارع مسرحا لعملها، ومن ميدان التحرير ملاذا آمنا لها، ومن الشعب عمقا وسندا لمطالبها. وعلى القرب منها يقف طرف يدير دفة الحكم ويملك حق إصدار القرار، وفيه من يفصح بأن ما تم يكفي، مع أن الثورة لا تتوقف إلا حين تُحقق أّهدافها، ولا يكفيها إزاحة رأس الحكم، أو إبعاد أسرته وتحديد إقامتها والتحقيق معها. ففي مصر ما زال بنيان الحكم السابق قائما، وإن أصابته تصدعات وشروخ لا يقلل أحد من أهميتها وحجمها. والفضل في ذلك يعود إلى الثوار وثباتهم ووحدة موقفهم وتماسكهم. من هنا تكتسي معركة استقالة رئيس الوزراء أحمد شفيق، وقد تم الإعلان عنها أثناء كتابة هذه السطور؛ تكتسي أهمية خاصة، لأنها جاءت محصلة لأكثر المعارك احتداما بعد معركة تنحي حسني مبارك. ورأى الاتجاه الغالب بين الثوار أن استمراره يعني تجميد الثورة والوقوف بها عند حدود إزاحة رأس الحكم من موقعه وليس إسقاط الحكم ذاته. ومثل هذا التجميد قد يهيئ الظروف لإجهاض الثورة؛ خاصة أن فلول الحزب الوطني، ومعهم جهاز مباحث أمن الدولة وعدد من رجال الأْعمال اللصوص، الذين لا يتعظون كعادتهم مما جرى يتمادون في تمويل التخريب والبلطجة والحرب النفسية والشائعات الكاذبة، وطبع وتوزيع المنشورات المضادة للثورة؛ جهارا نهارا، وعلى الطرق وفي المواصلات والأماكن العامة والخاصة.
الثورة المضادة تتحرك على أكثر من جبهة؛ الأولى لملمة فلول الحزب الوطني وتسليم زمامه لأحد رجالها وخادمها محمد رجب؛ القائم بأعمال الأمين العام، فمن ترعرع وتربى في مستنقعات وبؤر الفساد النتنة، ولم يعرف له رأي، ولم يسمع له صوت؛ تعود على خدمة كل سيد مقابل أجر وامتيازات بلا وجه حق. والجبهة الثانية هي شرعنة الثورة وإعادة انتاج حزب لحسابها يكون جسرا للخداع والفساد من جديد، وتتحرك الثورة المضادة وكأن الحزب الوطني ما زال قائما ومغتصبا للثروة والسلطة والنفوذ، وإعادتها لإنتاج الحزب الجديد اقتضت منها وضع توصيف خادع له، فيدعي رجب أن ما كان هو ‘يمين الوسط’. ولأول مرة يوجد من يفلسف وجود جمعية منتفعين وتشكيل عصابي جمع المنحرفين والخارجين على القانون، ويدعي أنه ينقله من ‘يمين الوسط’ إلى صفته الجديدة ‘يسار الوسط’. تخريجة ساخرة وفكاهية لا تنطرح إلا ممن غاب وعيه وفقد قدرته على التمييز وعلى معرفة ما آلت إليه الأوضاع من حوله. وهي المرة الأولى في حدود علمي أن أجد من يضفي على جماعة كاملة من اللصوص والسماسرة والقتلة وأباطرة الحديد والأغذية الفاسدة والمبيدات المسرطنة والدماء الملوثة والمخدرات المدمرة وغسيل الأموال والعاملين في البلاط الصهيوني؛ يضفي عليهم توصيفا براقا مثل هذا. في ظروف يُجمع فيها كل من يعرف ألف باء السياسة أنه لا يمكن لمثل هذه الجماعة الخارجة على القانون أن تُكَوّن حزبا ينطبق عليه مثل هذا التوصيف، ولن يكون حزب ‘يسار الوسط’ الجديد إذا ما خرج إلى النور أقل فساد وانحراف من وجهه الآخر. وكان على هذه الجماعة أن تصمت، كما صمت غيرها انتظارا لمفاجآت الأيام. وبدلا من هكذا تخريجات أقرب إلى منطق الحشاشين عليها أن تتوقف عن التآمر على الثورة من أوكارها السرية، التي تتصورها بعيدة عن الأنظار اليقظة. لقد تحولت هذه الأوكار إلى غرف عمليات تُنَظّر للفوضى، وتخطط للعنف، وتجند البلطجية ضد الثوار الصامدين والمواطنين المسالمين، وتبذل أقصى الجهد والمال لإحداث الفتن وزرع بذور الشقاق بين الشعب وقواته المسلحة. وقد كشف شباب الثورة بعض هذه الأوكار؛ وأحدها في حي الزمالك الهادئ، ويشغل قصرا لرئيس أسبق لأحد أندية مصر الكبرى؛ معروف برعونته وخبراته الواسعة في البلطجة والسمسرة وغسيل الأموال. ومكنت انحرافاته أجهزة الأمن منه حتى أصبح خادما مطيعا لها، خاصة مباحث أمن الدولة سيئ السمعة.
كان خبر استقالة الفريق أحمد شفيق مدويا؛ قبيل ثماني وأربعين ساعة من موعد بدء الاعتصام المفتوح بميدان التحرير يطالب بإسقاطه كرئيس حكومة عينه حسني مبارك قبيل تنحيه. وجاءت الاستقالة بعد مساجلة بين شفيق وبين الروائي الشهير علاء الأسواني والإعلامي اللامع حمدي قنديل على قناة ‘أون تي في’ الخاصة. وكانت مساجلة ساخنة؛ حمَّل فيها رئيس الوزراء المستقيل المجلس الأعلى للقوات المسلحة مسؤولية استمرار الوزراء غير المرغوب فيهم: أحمد أبو الغيط وزير الخارجية، وممدوح مرعي وزير العدل، وعلي مصيلحي وزير الضمان الاجتماعي؛ من بقايا حكم مبارك، واستمد أبوالغيط شهرته من الاستئساد على الفلسطينيين في غزة وهم تحت الحصار، وتهديدهم بكسر أرجلهم إذا ما عبروا الحدود إلى مصر. في الوقت الذي أخذ على عاتقه دعم السياسة الصهيونية والعمل لحسابها؛ مثل سيده المخلوع الذي وُصِف بأنه ‘كنز للدولة الصهيونية’!. وممدوح مرعي وكان قاضيا ومع ذلك كان الأكثر عداء لاستقلال القضاء ورفضا لإشراف القضاة الكامل على الانتخابات، وفي عصره تعرض القضاة لمهازل لا حصر لها وإهانات بالغة. أما مصيلحي لم يحرك ساكنا أمام ضياع حصيلة أموال التأمينات الاجتماعية، واستيلاء يوسف بطرس غالي عليها لحساب رجال الأعمال اللصوص؛ وهي من حق أصحاب المعاشات والمتقاعدين والعجزة وأصحاب الاحتياجات الخاصة؛ كانوا وزراء لأفسد حكم في تاريخ مصر القديم والحديث.
صبت إقالة شفيق في صالح المجلس الأعلى للقوات المسلحة؛ فقد كان تلبية منهم لمطلب من أهم مطالب الثورة، وإن بقيت مطالب أخرى واجبة التنفيذ؛ منها حل الحزب الوطني، وإلغاء حالة الطوارئ وتصفية جهاز مباحث أمن الدولة وتأهيل جهاز الشرطة بوحشيته وساديته التي سامت المصريين سوء العذاب. وكل هذا يفقد قيمته ما لم تتغير هياكل الحكم كاملة؛ رؤساء الهيئات الحكومية والمؤسسات العامة ومحافظو الأقاليم ورؤساء الأحياء والمدن والقرى ورؤساء ومسؤولو أجهزة الإدارة والخدمات؛ من أجل أن تستقر الأوضاع وتعود الحياة إلى طبيعتها.
وسأل كثيرون عن السبب في اتباع نهج التغيير الجزئي وليس التغيير الشامل، وعدم تلبية مطالب ثورة لها كل هذا العنفوان والزخم مرة واحدة، هنا يأتي اختلاف الثورة المصرية وسبقتها الثورة التونسية عن غيرها من الثورات التقليدية. فتلبية مطالبها مرهون بإرادة طرف آخر هو المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وعلينا أن نعرف طبيعته، فبجانب طبيعته العسكرية فهو ليس مجلسا للثورة، ولم يكن صانعها أو مشاركا فيها وإن كان مؤيدا وحاميا لها، واستجابته للمطالب يتم وفق ظروفه وحساباته. وما زال تركيزه على الأمن وإعطاء الأولوية للاستقرار بمعنى الانضباط. بينما يرى الثوار أن سرعة معالجة الأسباب التي فجرت الوضع هي التي تُحقق الاستقرار الحقيقي وتحفز المواطنين للعودة إلى أعمالهم.
ثورة مصر ومثلها الثورة التونسية لا تحكم، والقرار السياسي ليس بيدها؛ تكتفي برفع المطالب وتستمر في الضغط؛ بالتظاهر والاعتصام. وإن كان هذا مَعْلما من معالم القوة، إلا أنه مصدر الإشكالية الراهنة. فحين يغيب الثوار عن الحكم تصير إرادة الثورة معلقة بإرادة الغير، وتبقى رهينة ما تسمح به ظروف من يملك القرار وسُلم أولوياته؛ وهو في حالة مصر الجلس الأعلى للقوات المسلحة. وتبدو طبيعة البدايات غالبة على ما وصلت إليه الأمور. وكلنا يذكر أن البداية كانت في حدود الوقفة الاحتجاجية لحمل عدة مطالب ضد حالة الطوارئ والتصدي لوحشية الشرطة وإلغاء مجلسي الشعب والشورى؛ بعد التزوير الفاضح الذي قام به جهاز أمن الدولة لحساب جمال مبارك وأحمد عز، وتنفيذهما ما أطلقنا عليه وقتها ‘التطهير السياسي’ واغتيال كل رموز المعارضة، التي لم تكن حينها تمثل خطرا فعليا على حكم مبارك. وكالعادة قوبلت المطالب باستخفاف واضح وتعنت بالغ؛ وكان السيل قد بلغ الزبى، ولم تبق هناك طاقة على التحمل، وجاءت دعوة جمعة الغضب في 28/1 لتشهد مصر مظاهرة مليونية، هي الأولى من نوعها خلال العقود الأربعة الأخيرة.. مظاهرة لم تتوقعها السلطات الأمنية ولا مليشيات جمال مبارك، ولا بلطجية أحمد عز ولا رجاله من المستثمرين اللصوص، وكان كبيرهم قد رد على قيام البرلمان الموازي مستهترا بقوله ‘خليهم يتسلوا’ بينما أبواقه تردد أن مصر ليست تونس وكأنها في كوكب آخر خارج الكرة الأرضية. وازداد العناد واستمر رفض المطالب، وسرت مشاعر القوة والقدرة على التحدي بين الناس، وكانت تلك لحظة تحول تاريخي مشهود؛ تحرر فيها الشعب من خوفه وانتصر على نفسه، وكانت شرائح منه قد أبلت بلاء حسنا حتى تحررت من خوفها من سنوات، وتصدت ببسالة للتوريث والتمديد والفساد والصهينة. وانفجر بركان الغضب، وتقهقرت قوات الشرطة وأجهزة الأمن بما تملك من قوة أمام مقاومة المعتصمين في ميدان التحرير، وانتصر الثوار في معركة المواجهة بشكل حاسم. واستمر المعتصمون في اعتصامهم رغم حجم الشهداء والضحايا، ولم ينفضوا إلا بعد تنحي حسني مبارك ومغادرة عائلته مقرها الرسمي. وبقيت هناك مسافة بين الثورة وبين المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهذه المسافة هي التي جعلت إيقاع الاستجابة بطيئا وجزئيا وليس شاملا ولا كاملا.
لم يغب عن المجلس العسكري أن الثورة، وما واجهت من عنت عائلة مبارك وعناد كبيرها وحماقة صغيرها ووحشية وزير داخليتها وزبانيته؛ لم يغب عنه أن ذلك أدى إلى سقوط ذلك العدد الكبير من الشهداء والضحايا، وحول الاحتجاج إلى ثورة. لكن قد يغيب عنه أن سقف الثورة هو الأعلى، ومداها هو الأوسع. وأفقها إلى منتهاه. ومن الطبيعي ألا تقبل أنصاف الحلول، وألا تقنع بالتسويات الناقصة. وقد يغيب هذا عن ذهن كثير من السياسيين وقادة الرأي وحتى بعض قوى الثورة وقادتها. فأنصاف الحلول والتسويات الناقصة لا تناسب الثورة، وتنتكس بالأوضاع وتعود بها إلى ما كانت عليه، وهذا ما تراهن عليه الثورة المضادة.’ كاتب من مصر يقيم في لندن