عبدالوهاب عثمان نور ندرك الآن ونحن في أعتاب مرحلة تاريخية جديدة ان الثورة العربية لاسقاط الأنظمة تضيف الى مهمتها هذه مهمة ثورية أخرى لا تقل خطورة تتعلق بإدارة التحول الذي ستسفر عنه. صحيح ان اسقاط الانظمة بحد ذاته يعتبر تحديا كبيرا يجعل الثورة مستغرقة كليا بمواردها الذهنية والنفسية في مجابهته، وصحيح أيضا ان ازالة هذه الانظمة يأتي في سلم الأولويات اذ هو حجر أساس التغيير والبوابة التي تعبر ثورة التغيير من خلالها في طريقها الى احداث ثورة التحولات الكبرى التي نأمل ان تعقب سقوط الانظمة.
وعلى الرغم من جدول أعمال الثورة المزدحم بالضرورات الآنية فان تخصيص ركن يهتم بمستقبل هذه الثورة ومصير أحلامها الكبرى له شأن في غاية الأهمية بحسبانه دليلا على العزم و مدللا على نية التوصيل بين ركنين للثورة رئيسيين وهما التغيير والتحول.
ان الدقة في مقارباتنا للثورة، وصفية كانت أم تحليلية، مطلوبة وتحريا للدقة علينا ان نسلم بان الثورة التي نشهد نموها حاليا لا تمثل التحول بل هي مفتاحه، ولكي يغدو بمقدورنا جعل هذا التحول نسيجا واحدا متصلا بأسباب الثورة وتفاديا للمنعطفات غير المحمودة علينا ضبط عملية مرور الثورة عبر الاستشراف المبكر للمستقبل والاستشعار الذكي لمواطن الخطر الكامنة فيه وكذلك بالرعاية للمبادىء السامية والتوجيه اليها بحصافة وتدبير. بالطبع ما كنا لنبلغ هذا الأفق لولا النجاح الساحق الذي حققته ثورتا تونس ومصر المباركتان وهما اللتان بدأتا بسقف مطالب أقصر نسبيا ما لبث ان انتهى بهما الى قلب التحول الذي لا يزال حراكه يتفاعل ويمور. انهما بلا شك المعيار الذي نؤسس على ضوئه الدعوة الى رفع سقف مطالب الثورة في الميادين التي سوف تكتسحها لاحقا.
الآن ندرك جيدا أن عهد الحديث الذي يساق على عواهنه قد ولى إلى غير رجعة مفسحا المجال للفعل الذي بدا مفحما بفصاحته والذي كان وسيبقى العامل الرئيسي وراء هذه الثورة، ثم انه لا يغيب عن بالنا ان الثورة في ذاتها فعل رؤيوي ـ لو جاز التعبير- دفعت اليه رؤى انسانية خليقة بالتأمل، فالسعي الى الحرية و النضال أو التضحية بالحياة من أجلها هي أمور جليلة وتنطلق أساسا من رؤى سامية ومقدسة بالنسبة إلى معتنقيها.
انظر الى ما يجري الآن في تونس ومصر، لقد أصبحتا ساحتين لحراك سياسي معظمه يعيد الى الذهن ذات المطالب التي نودي بها غداة انطلاق الثورتين، ولكن الجيد انها مطالب ما كان لينظر في تسويتها لولا الثورة وقد كان من المستحيل تفاديها سواء جاءت متأخرة أو مبكرة، والأهم ان معظمها مستوحى من النتائج الأولى للثورة، ولو قيض لهؤلاء الذين فجروا الثورتين واطاحوا بنظامين ان يختاروا بين الانتظار شهرا ريثما تنضج الظروف للثورة أو التقاط الفرصة كما لاحت بلا مقدمات، فانهم حتما سيختارون الأخيرة وكفى الثورة انها رممت أحلامنا المهيضة وأحيت فينا جذوة القتال من أجل حقوقنا المشروعة. من المؤكد ان الاشفاق على الثورة من أشكال التعثر الكثيرة لا يبرر تأجيلها ثانية واحدة عن ميعادها المحتوم، بيد ان تطعيمها بالبرامج والرؤى والاستراتيجيات بدءا من النقطة التي وصلت اليها الآن سيجعلها مضمونة النتائج وسيوفر اعباء كثيرة لحظة الشروع في تأسيس مبادئها أو تنفيذ المطالب التي رفعت أثناء حراكها. لسنا بحاجة الى تقوية الذاكرة بما حفظناه عن ظهر قلب عن مطالبنا وهي كثيرة، انه أمر لا يتعلق بالذاكرة بل بالرؤية اذ انها تتيح العكوف على الفعل وتجود بالنتائج المتطابقة مع الأهداف المرسومة، التي ستلهمنا طرائق مستحدثة وتيسر لنا الاتصال بالاسباب التي دعتنا إلى ان نثور لكي نحتفظ بالجذوة الدالة على حماستنا للثورة لسنين قادمة الى ان تتجذر الثورة في طباعنا وتحل بيننا ثقافة ومسلكا.
لقد أفلحت الثورة العربية في ميادينها في مصر وتونس – كما نرى – في الاحتفاظ بجذوتها والبقاء أطول مما اعتقدنا في تلك الميادين التي شهدت انجازاتها الأولى، لا شك في انه حراك تلقائي يستعيض بأثر رجعي جملة المطالب التي تعذر تحقيقها دفعة واحدة، ومن حسن الحظ ان الثورات عادة تستعر ويفيض غيضها اذ تستجد شيئا لم يعهده الناس من قبل وتأتي من الأفعال ما حسبوا انه يقع في عداد المعجزات، فيسهل حينئذ اجتذاب الناس الى ميادينها لآماد أطول، ولكن تلك العادة مرهونة بالوقت وسيتراجع الزخم بالضرورة في كل ميدان ايذانا بزحف الثورة الى ميادين عربية أخرى. وقد يضاف الى ذلك الوقت الذي قد تستغرقه وهو قد يطول أو يقصر تبعا لظروف الميدان والمفاجآت التي يطرحها ومن غير المستبعد ان يطول الوقت نوعا ما قبل ان يسقط آخر نظام عربي، وتاليا فانه قد يحيل التظاهرات الشعبية اللاحقة الى روتين ولربما يفقدها شيئا من جاذبية البدايات، فهل يعني ذلك ان علينا الدفع باتجاه اختراق الميادين في توقيت واحد؟! قد يتعذر اختراق الميادين دفعة واحدة نظرا لعوامل نعرفها وأخرى لا نحيط بها علما وعلى أية حال فانه ليس لدي أدنى شك في ان الوقت لن يؤثر في روح الثورة خصوصا اذا عرفنا كيف نستخلص الدروس والرؤى لكي نبثها في ثقافتنا اليومية على نحو يجعلها عادة لا تبرح أفئدتنا وأذهاننا، ولا عيب ان الثورة تحتاج الى الرؤى فهي بحد ذاتها ليست رؤية بل قوة دافعة تقود اليها، وليس عيبا ان الثورة فوضوية بعض الشيء فليس لها أعصاب السياسة وهدوؤها اذ هي ترتكز على عنصري التكثيف والمباغتة، ومن دونهما لن تكون ثورة بل عملا سياسيا مخططا فاقدا للحرارة. فضلا عن ذلك فان مورد الثورة هو ما يحمل في القلب و ما يجري بين الناس من عادات وثقافات، وما يتعارف عليه أهل السياسة ويتداولونه عن قناعة ومساواة، فان اختل ميزان العدل يوما ما واستعصت مؤسسات الدولة على تمثيل الارادة الشعبية سيعود الشعب عندئذ الى الشارع بهذا المحمول الضخم من القيم إما لكي يصحح مسار الثورة أو ليعيد صناعتها. الآن وقد انطلقت الصافرة فقد فات الوقت على الاستذكار والمراجعات الطويلة والمملة وعلى الشعوب ان تسرع الى الشارع برشاقة ونظام مدججة بسقف مطالب أعلى وبرؤى أكثر تماسكا تشتمل على كل القيم التي انجزتها حتى الآن حتى يكون في مقدورها ليس فقط اسقاط الأنظمة بل التمهيد الى اقامة دولة المؤسسات الديمقراطية بصعوبة أقل وبمهارة وإدراك كبيرين.
في هذا الوقت وانا أوشك أن أختم مقالتي يبدو جليا ان الثورة العربية تواجه اختبارا عسيرا في ليبيا ولا أظنه مستنقعا كما أريد له يكون، انما هو خندق تختبر فيه صلابة الثورة على الصمود دون ان تفقد هويتها أو تنحرف عن مسارها وحسبنا ان الثوار في ليبيا مصممون على نجاح قسمهم من الثورة وسينجحون لا محالة وسيهدوننا دروسا جديدة في فن المواجهات، وسيمدوننا بالصلابة في مجابهة العنف الذي لم يبق للأنظمة شيئا سواه. أما القذافي الذي لم يبدُ قط مثيرا للشفقة إلى هذا الحد على كثرة ما أثارها سابقا فانه يريد ان يخطف من الثورة بريقها ويبرهن للرؤساء العرب المذعورين انه قادر على ان ينزع من الثورة فتيلها، وانه مؤهل لأن يخترع عجيبة جديدة نسوغ له حكم الفراغ من منصة الفراغ وحيث تصادف أفعاله هوى خاصاً لدى الأنظمة المتوجسة شرا من الثورة فيصبح بطلها المغوار، فانه على الناحية الأخرى كشف لنا كم هي هذه الأنظمة عدوة وغبية وكم هي متسولة حيث لم يعد لها مأوى تأوي اليه الا كوخ السلطة الذي يعرف حتى الأطفال انه قد تداعى وانه لم يعد ثمة مكان صالح للشرعية إلا المكان الذي تقف فيه الثورة!