سقوط احمد شفيق بالضربة القاضية على التلفزيون وعصام شرف ينال ثقة الشعب من الميدان

حجم الخط
0

زهرة مرعي

قبل الاسترسال في ما دونته وصممت على كتابته لهذه المساحة الأسبوعية تحت عنوان فضائيات أرضيات لا بد من خبر عاجل نبدأ به الكلام، وهو إعلان وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون الصريح والواضح، فشل الإعلام الأمريكي في تغطية ثورات الشعوب العربية. ليس هذا وحسب، بل تأكيدها أن الجزيرة تفوقت على هذا الإعلام الأمريكي، ليس على صعيد العالم وحسب، بل كذلك على صعيد الولايات المتحدة نفسها. صحيح أن الإعلام الأمريكي يتمتع بإمكانيات أكبر من التي تملكها الجزيرة، ويواجه عقبات أقل. لكن ينبع تفوق الجزيرة من اقترابها من نبض الحركات الشعبية وثوراتها وإيمانها بتلك الثورات. للجزيرة نقول مبروك وإلى الأمام.

إلى ميدان التحرير سريوم الجمعة الماضي حقق ثوار ميدان التحرير خطوة إضافية إلى الأمام، على طريق مشروعهم التحرري من النظام القديم. جاء عصام شرف رئيساً للوزراء مرشحاً من قبلهم، وسقط آخر رجالات مبارك. جاء شرف إلى ميدان التحرير لينال ثقته من الشعب مباشرة قبل سواه. جاء ليتعهد بتحقيق أهداف الثورة والثوار. وهكذا حقق الثوار فرحتهم الثانية التي تلت تنحي مبارك. ومع وصول شرف إلى رئاسة الحكومة ومن ثم إلى ميدان التحرير، أكد أن الثورة لها قوة تفرضها، أكبر وأشد تأثيراً من باقي الأطراف الأخرى في مصر. لقد أثبت ثوار الميدان بالفعل عجز عجائز النظام البائد عن الالتفاف عليهم، وأثبتوا في كل يوم قصور هؤلاء الساسة الذين أمعنوا في إهانة مصر وأهلها، عن تتبع أفكار الثوار الخلاقة، ومطالبهم المتقدمة، وخططهم ذات الرؤية البعيدة المدى. لم ينفع أن يقول أي فريق لهؤلاء لا تثوروا ‘عودوا إلى بيوتكم ونحن سنلبي المطالب’. أهداف الثورة واضحة. الثورة تعرف ماذا تريد. والكرنفال مستمر في الميدان، وسيستمر لحماية الإنجازات وتحقيق كل الآمال، وأحلام شباب مصر بالكرامة والحرية. فرض نفسه على الشاشات وسقط على الشاشة كم كان التلفزيون مملاً قبل عصر الفضائيات. وكم كان التلفزيون رتيباً قبل الفجر العربي الجديد. إنما المصداقية نسبية بين شاشة وأخرى تبعاً للمصالح والأهواء والحسابات البعيدة أو القريبة المدى. يبقى على المشاهد أن يتلقى ويحلل ما وصله، كيف ولماذا. إنه عصر الصورة والصوت اللذان يصنعان الكثير من التطورات والتغيرات. صحيح أن زين العابدين بن علي حاصر ثورة تونس، وحاول منع الهواء من الوصول إليها، ومع ذلك وصلت أحداثها وتطوراتها اليومية حتى عبر الهاتف النقال. هكذا غزت صورة البطل محمد البوعزيزي العالم وهو يحترق، وكانت جلجلته التي صنعت الحرية لشعبه وشعب مصر، وقريباً باقي الشعوب العربية. ومن خلال الهاتف النقال لا نزال نرى على العديد من الشاشات ذلك الفرح الهستيري لرجل تونسي يلتف ويدور ويصرخ في شارع مهجور ليلاً: المجد للشعب التونسي العظيم المجد للشهداء، الحرية للمعتقلين، بن علي هرب، بن علي هرب، بن علي هرب. وهذا ما فعله أحمد شفيق بعد مواجهة تلفزيونية على قناة ‘أو تي في’ في برنامج ‘بلدنا بالمصري’. فبعد مواجهة مع الكاتب علاء الأسواني بشأن عدم بدء التحقيق مع رجال الأمن الذين أطلقوا النار على المتظاهرين وداسوهم بالسيارات. حشر الأسواني شفيق في زاوية ضيقة جداً لم يستطع بعدها حراكاً، وهو أي شفيق الذي دأب منذ عينه مبارك، وشكل حكومته من رموز استفزازية، دأب على فرض نفسه على كافة الشاشات، من خلال اتصالاته ومداخلاته. كان يتحدث بـ’مونة’ كبيرة ‘واخد راحتو’ بالمصري. وكان يحاول الإيحاء بأنه يستوعب ويتفهم ويحاول. لكنه في الحقيقة كان مكشوفاً. وسريعاً فهم ثوار مصر أنهم قد يتعرضون لمحاولة التفاف على الثورة. عادوا وسكنوا الميدان ليحرسوا الثورة من هناك. وفي ليلة ليلاء سقط شفيق تلفزيونياً، وبعد أقل من 12 ساعة سقطت الوزارة وقدم استقالته للمجلس العسكري. هذا هو الفعل التلفزيوني التراكمي والمباشر معاً للفعل التلفزيوني والصورة. رحل شفيق ومعه أحمد أبو الغيط الذي ظهر في احدى الصور وهو يتلو الفاتحة على روح الشهداء، عجبي. يقتل القتيل ويمشي بجنازته. وهو لشدة تأثره على الشهداء لم يتمكن مطلقاً من زيارة ميدان التحرير. فهو بالطبع وفر على أهل الميدان أن يهبوا ترحيباً به، وأن يطلقوا الزغاريد احتفاءً بطلته البهية.

ليبيا صورة تلي الحدث بزمنتتواصل الثورة الليبية فصولاً في ظل تمسك معمر القذافي بقسمه بـ’الدفاع عن ليبيا حتى آخر رجل وامرأة’! هي ثورة متواصلة على قناة ‘العربية’ تحت عنوان ‘الأزمة الليبية’ وعلى قناة ‘الجزيرة’ تحت عنوان ‘الشعب يصنع ثورته’. الأخبار تتناقض حيناً وتلتقي حيناً آخر، إنما غموض يلف بعض عمليات الكر والفر في الأيام الأخيرة، خاصة أن المراسلين ليسوا في قلب الحدث، إنما يصلون إليه بعد حين. وهذا ما حدث قبل يوم السبت بالنسبة للأخبار الواردة حول الزاوية ورأس لانوف. لكن في يوم السبت كان تأكيد من المراسلين جميعاً بأنهما في قبضة الثوار.

وكما هو واضح منذ بداية ثورة الشعب الليبي في 17 فبراير، أن نظام القذافي يرتكب المجازر بحق شعبه. وهذا ما أكده مراسل ‘العربية’ من بنغازي إثر قصف الطائرات التابعة للنظام مخزناً للأسلحة، حيث قال بأن المشهد يؤدي للصدمة من الأشلاء البشرية والجثث المحترقة. وقد امتنعت ‘العربية’ عن بث تلك المشاهد.

لقد دفع الشعب الليبي حتى الآن دماءً غزيرة من أجل إنجاز ثورته، ولا زال أمامه الكثير كما هو باد من سلوك القذافي الذي تحولت خطاباته إلى نكتة يتم تداولها على صعيد دولي.

وبالتزامن مع مشهد الثورة الليبية تتناقل القنوات التلفزيونية العربية والدولية مشهداً إنسانياً مقلقاً جداً للهاربين الذين تقطعت بهم السبل على الحدود الليبية التونسية. هؤلاء البشر بالآلاف وفي أوضاع مقلقة جداً. هم علقوا بين السماء والأرض في وضع مأساوي وبدأت تتسلل إليهم الأمراض. والأشد قساوة في هذا المشهد أن الغالبية العظمى من هؤلاء من الإخوة المصريين الذين لم تلتفت إليهم حكومة أحمد شفيق، ولعل حكومة عصام شرف تنتبه لمأساتهم فتسارع لإجلائهم.

ماذا ينتظر تلفزيون المستقبل بعد 14 آذارعندما افتتح سعد الحريري تلفزيون أخبار المستقبل ليكون له موقع يمرر منه سياسته، لم يكن يدري أن هذا المشروع سيسيء له ولمشروعه السياسي ـ إن كان لديه مشروع غير المحكمة الدولية. اليوم وبعد سنوات قليلة على تلك القناة التي كانت مهمتها الأساس في البداية التحريض على النظام السوري، وبث الفتن الطائفية، وتحولت مؤخراً لتعلن حرباً مستجدة تذكرها سعد الحريري وفريقه إثر خسارته للعبته المفضلة ‘رئاسة الحكومة’ على سلاح المقاومة، فقد صارت أخبار المستقبل عبئاً ثقيلاً، بل كل إعلام المستقبل من الصحيفة التي تحمل الاسم نفسه، إلى إذاعة الشرق، وصولاً إلى تلفزيون المستقبل الذي يحمل الشارة الزرقاء، صار عبئاً لا يعرف أصحابه ومالكيه، كيفية التخلص منه أو تخفيض أعبائه المالية. فكافة العاملين في إعلام المستقبل يعانون من عدم قبض رواتبهم بصورة منتظمة منذ حوالى السنتين، لكن المعاناة تبرز بصورة جلية أكثر على أخبار المستقبل حامل اللوغو الأحمر والمملوك لسعد الحريري وحده. فحتى سيارات المراسلين الذين عليهم التحرك خارج المكاتب لم يكن فيها وقود للحركة.

والظاهر أن سعد الحريري الملياردير ينصب فخاً لمن ناصروه من الصحافيين وغيرهم من العاملين، منذ استشهاد والده حتى الآن. هؤلاء الموظفون الذين خاض حملاته التفتيتية بألسنتهم، وحارب بسيوفهم يعيشون حال قلق كبير على المصير. والأخبار الواردة من كواليس ‘أهل المستقبل’ تقول بأن لجنة تدرس حال وأحوال إعلام آل الحريري، وأن الصرف سيطال بحدود 300 موظف في القناتين، وفي إذاعة الشرق. وإن القرار سينفذ بعد انتهاء ‘همروجة’ 14 آذار، كي لا يؤثر الصرف على شعبية سعد. ليس هذا وحسب، فسعد الحريري ‘الحنون’ على العاملين معه يعد لصرف 300 موظف بعد إعلان الإفلاس، كما يردد البعض، كي ‘يزمط’ من تعويضاتهم وتراكمات رواتبهم. وعلم أن النائب والوزير السابق وعضو تيار المستقبل باسم السبع رفض تولي مهمة تصفية التركة الإعلامية لآل الحريري لأنه رفض مسك قنبلة متفجرة بين يديه تتمثل في صرف هذا العدد من العاملين. وهذا ما ذكرته جريدة ‘السفير’ الواسعة الانتشار في لبنان.

وكان المشرف العام على أخبار المستقبل نديم المنلا قد استقال من منصبه مساء الأربعاء الماضي، متوجهاً للعاملين في القناة برسالة داخلية. أما اللجنة التي تقوم بدراسة هيكلة إعلام آل الحريري من جديد، فهدفها عودة تلفزيون المستقبل الأزرق ـ الذي تملك الحصة الأكبر فيه نازك الحريري ـ ترفيهياً وإخبارياً. والهدف الأهم الذي تضعه اللجنة نصب عينيها هو توفير 15 مليون دولار سنوياً من الخسائر على آل الحريري. مع العلم أن حركة الإعلان في تلفزيون المستقبل الأزرق والأحمر معاً قليلة جداً. أما جريدة ‘المستقبل’ فهناك من لا يرى حاجة لوجودها.

التلفزيون الأحمر الذي حمل ‘شعلة الثورة’، التي يقول جماعة 14 آذار انها انتقلت إلى سائر الدول العربية من قلب فندق البريستول وبدون خجل، يقود آخر معاركه تحت عنوان ‘الشعب يريد إسقاط السلاح’. إنه سلاح المقاومة الذي دافع عنه سعد الحريري في بيانه الوزاري، لم يجد غيره في هذه المرحلة ليناصبه العداء، لأن أهله بحسب رأيه انتزعوا منه رئاسة الحكومة. ربما يسلّم جماعة 14 آذار مشعل ثورة الأرز لجون بولتون، الذي تكبدوا عناء السفر إليه في نيويورك لتقليده درعها، فيكمل الدور إعلامياً، وينشر شظاياها في العالم أجمع وليس الوطن العربي فقط!

إذاً العاملون في إعلام المستقبل على موعد مع انتهازية جديدة لسعد الحريري ستكون مؤلمة عليهم. والتلفزيون الأحمر سيغيب وسيصبح ‘ثوار الأرز’ أيتاماً يتسولون الإعلام والإعلان لإنجازاتهم الجسام.

صحافية من لبنان[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية