رواية ‘عصا البلياردو’ لعبد الرحيم جيران:محسن الزكريكيف للرواية أن تمنحنا تأويلا للعالم في حالة انفلاته؟ يمكنها ذلك باصطناع حبكة تكون بمثابة كل تستند إليه الذات لتحقيق فهم ما يعتمل في العالم من صيرورات لا يمنحنا الزمن الفرصة لفهمها، فيأتي السرد مستعيدا إياها وقد ولت، ليعطينا إمكانا جديدا لإعادة بنائها وصياغتها بما يجعلها قابلة لأن تصير متبدية على نحو مُرضٍ للنظر. هذا على الأقل ما تعلمنا إياه رواية ‘ عصا البلياردو’ لصاحبها عبد الرحيم جيران. فهي رواية تقدم فهمها الخاص لمرحلة معينة من تاريخ المغرب والوطن العربي بعامة، عن طريق ممارسة نوع من النقد والتعرية لأوهام المثقفين بصراحة لعلها صادمة وجارحة، يتحول فيها النقد إلى نقض بالمعنى الهايدغيري الذي يروم التشكيك في البداهات والمسلمات التي تغشي التجارب بوصفها منابع أصيلة لتحقيق فهم أعمق بالظاهرة. ولا يتحقق هذا النقض بالكلمة فحسب بل أيضا بواسطة الشكل الداخلي. فرواية ‘ عصا البلياردو’ تعدّ بحثا مضنيا، من دون شك، عن الحبكة المنتجة لفهم الحياة من حيث هي تجربة منظور إليها من زاوية تجارب أخرى وفق تصور تجديلي تكون فيها الأنا مفحوصة في ضوء ما يعيشه الآخر والعكس وارد، فهي إذن رحلة الكتابة.. كتابة الرواية بالمعنى الأكثر أصالة وتجذرا. الرواية وترميم المعنىأولى البداهات التي تود ‘عصا البلياردو’ إعادة النظر في جدواها هي سطوة الحنين الجارف الذي تُروى به المرحلة الممتدة من الستينيات حتى التسعينيات من زمن المثقف العربي في نصوص عديدة. فهي تعالج هذه المرحلة من الزمن الحابلة بالأحلام والآمال العريضة والذكريات والأوهام أيضا، لكنها لم تفعل ذلك بالسكن في هذا الحنين الذي يعتري الذات وهي تتذكر تاريخا ولى وصار جزءا من الذاكرة وأمسى نواة للهوية يصيرها أينما شاء وكيفما شاء، بل بمساءلته والنظر إليه من زاوية مدى جدارته بأن يكون حنينا. فعادة تكون للماضي سطوته الآسرة التي تجعله عصيا على النقد، تنحو معه الذات في غالب الأحوال منحى تبريريا، هذا إذا لم تنسق وراء الخدعة التي يلح الماضي دائما على إسقاط الذات فيها وهي خدعة التبجيل والأسطرة. لكن رواية ‘عصا البلياردو’ أقامت مسافة واضحة تجاه هذا الماضي، ونزعت منه إسار الشوق الذي يعمي، وتسلحت بصراحة صارمة منحها التخييل هامشا كبيرا من الحرية لإعادة النظر في مرحلة غنية من تاريخ المغرب والوطن العربي. لا يتعلق الأمر هنا برواية تاريخية، بل برواية تخييلية بامتياز استقت مادتها الأساسية من أجواء المثقف الذي عاش مرحلة الحلم الرومانسي الثوري الذي صاحب فترة ما بعد الاستقلال وجايل الإخفاقات التي واكبت هذه المرحلة وتلك التي أعقبتها. قد لا يكون من السهل على الرواية أن تسلم من سطوة التاريخ، على اعتبار أن الرواية هي وجهه الآخر والأكثر صدقا، لكن ‘ عصا البلياردو’ جعلت منه مجالا لمحاولة تلمس حقيقة أخرى ممكنة، محاولة رسم صورة بديلة موازية لها امتدادها الطاغي حتى نهاية الفترة التي تغطيها الرواية. لقد تعاملت مع التاريخ بوصفه حاضرا ما زال مهيمنا على المخيلة في رسم حيواتنا، فلا أقل من أن نمارس عليه نوعا من المقاومة ولتكن مقاومة بواسطة الكتابة.. الكتابة على إيقاعات الحفر والتعرية.ما الرواية في الحقيقة إلا محاولة لعلها يائسة لترميم المعنى، وما التجاؤها إلى اصطناع حبكة موازية للحياة سوى محاولة للقبض على ما ولى ولم يعد بالإمكان القبض عليه وترميم أخطائه.. إنها كتابة على إيقاع الفجيعة، وتأريخ للحياة بكل ما تنضوي عليه من خسارات وخيبات فادحة، فلم يعد التاريخ مصوغا من أحداث كبرى، بقدر ما صار العيش كما خبرته شخصيات عادية، لا تملك أمام خيانة الزمن لها سوى التوسل بحكي تاريخ عيشها لفهم ذاتها والعالم. على هذه الإيقاعات تسير الرواية في تسريد عوالمها، فتعمل الكتابة فيها – متوسلة بالانقلاب على نفسها – على ترميم الغياب الذي يلف مخزون الذاكرة كما ألمح إلى ذلك ‘ المعطي’ في مستهل الرسالة التي كتبها إلى صديقه ‘ العبار’. يحرص السارد منذ البداية ـ في هذه الرسالة ـ على إعلان اختياراته وتبريرها في إشارة ربما إلى أن الكتابة وحدها هي المجال الذي ما زلنا نملك فيه حرية الاختيار، وبخاصة أنه ظل عاجزا في مختلف أطوار الرواية على تبرير اختياراته الأخرى. فالكتابة تملك وحدها تعلتها الأولى.. تعلتها الهيولانية المكتفية بذاتها مستغنية عما يغايرها لكي تكون مبررة أو مسوغة. يقول المعطي الرابحي صاحب الرسالة والصوت الذي يتكفل بالسرد ‘ وأظن أن الوسيلة المسعفة في تحقيق هذا المسعى هو الكتابة، لذلك وجدتني أنخرط في عالمها، جازما بأنها الممكن المتبقي للمقاومة في عالم يزداد تنكرا لذاته’ (ص 7). ليست الكتابة مجالا لحرية الاختيار فقط بل كذلك هي مجال للمقاومة، على الأقل مقاومة الزمن الذي يحرص على طي الحياة في تلافيف النسيان، ومقاومة تعذر الفهم أيضا. وأمام إفلاس كل خطاب آخر يصير الحكي المنقذ الممكن، وتصير الحبكة بقدرتها على التنسيق ولحم الشظايا مسعفة لنا في قول نقص العالم وعدم كفايته وفق حقيقة مختلفة، أو وفق احتمال ممكن لحقيقة أخرى غائبة. تعدّ رواية ‘ عصا البلياردو’ رحلة البحث عن المعنى الغائب لا الضائع، وذلك في تقابل مع البحث عن الزمن الضائع لمارسيل بروست. فالفكرة الأساسية التي تدور في فلكها أحداث الرواية، هي أن الحقيقة ليست كما نتصورها دوما على أنها ضد الخداع، فلكي تكون كذلك لا بد لها أن تحمل في أعطافها قدرا منه. ويكفي أن نتأمل موقف العم حسان من الاستعمار والمقاومة لنكتشف أن هناك كثيرا من أشكال الزيف التي تلف الحقائق. ما يستشف من هذا الموقف هو أن المستعمِر لم يكن في مجمله شريرا، وأن الإشكال لم يكن كامنا فيه وحده، بقدر ما كان كامنا أيضا في المستعمَر (بفتح الميم الثانية). والأمر نفسه ينطبق على المقاومة التي لم تحصد نتائج نضالها لأنها تعاملت بنوع من الرومانسية والطوباوية مع السلطة والحكم. هكذا تتطور أحداث الرواية لتشوش في كل مرة على كثير من البداهات التي يقدمها التاريخ بوصفا حقائق لا يعتورها الشك. ويعد العم حسان نفسه وجها آخر للتاريخ: تاريخ المكان (الدار البيضاء) وتاريخ العيش، وتاريخ المعنى (الموت وضمور الجذور). كما أن كل شخصية من شخصيات الرواية تختصر جزءا من التاريخ ليغدو هذا الأخير جماع تلك الحيوات المبعثرة هنا وهناك، وهو الأمر الذي تكفلت به الرواية، لكن سعي المعطي الرابحي إلى الاستماع إلى حكايات العم حسان كان بغاية ترميم الثغرات التي تعتري تلك الحيوات.الحكاية من أجل الوجودوإن ما يجعل الوجود محجوبا لا يكمن في الظاهر الجاري أمام العين، أو في ما جرى وصار محفورا في الذاكرة، وإنما يكمن في الافتقار إلى كلّ ٍ يمحو تلك الثغرات والفجوات التي تمنع من الفهم، وهذا الكل لا يكون ممكنا إلا بالقبض على نقطة ارتكاز تصير بموجبها الوقائع المفككة قابلة لأن تكون متسقة. يقول المعطي الرابحي في الرسالة: ‘في هذه الحالة مجرد بحث عن نقطة ارتكاز تمكن من السماح للوقائع بالتجمع داخل حبيكة متسقة’ (ص 7). فـ ‘ المعطي’ يحاول هنا تبرير حاجته إلى كتابة الرواية ويربطها بفهم المنصرم من الحياة، ولكن من زاوية حياة الغير (بيت العم حسان)، ولن تكون هذه الحاجة مجرد فهم للوجود الخاص والذاتي، أي فهم السارد لوجوده هو فحسب، بل فهما لهذا الوجود مع الآخرين، ومن خلال وجودهم كما يرونه، ويحكون استعصاءه. ولن يكون استعصاء الوجود مفهوما إلا بوضع حكي الذات ـ السارد داخل حكي الآخرين (المعطي الرابحي يحكي قصة العبار ونظيمة من داخل حكي العم حسان عن مجيئه إلى الدار البيضاء). انطلاقا من هذا المعنى يمكن اعتبار النواة السردية التي هي بمثابة نقطة الارتكاز تلك التي ينطلق منها السارد لإنشاء الحكاية ماثلة في قول المعطي: ‘ حتى الحكي لم يعد من أجل المتعة، بل صار وسيلة للمقاومة من أجل البقاء فقط.. من أجل البحث عن تعلة نبرر بها الوجود’ (ص 53). هذا الملفوظ السردي كان المنبع الذي فاض منه فعل السرد.. فلكي تبقى إحك ِ، ولكي توجد ويكون لوجودك معنى إحك ِ. فالملفوظ المذكور يختزن إحالة على الفعل وإحالة على الزمن بما يضمن التأشير على التحول الاستثنائي الذي هو قوام نشوء السردية كما يلح عبد الرحيم جيران في كثير من الدراسات النظرية. ويؤشر فعل السرد على أزمنة مختلفة، فالحكي بما هو فعل آني يكون في الزمن الحاضر المستمر ويحيل بمحتواه على الماضي والمستقبل، الشيء الذي يجعل من السرد بوصفه المقولة المؤطرة لفعل الحكي ممارسة وجودية في أكثر أشكالها أصالة وعمقا. ولا يقف الأمر عند هذا الحد فحسب، فالحاجة إلى السرد من أول الأشكال الاستعارية التي مارسها الإنسان إن لم يكن أولها، ولذلك تكون العودة إليه عودة إلى روح متأصلة في الذات الإنسانية موغلة في القدم. ولنتذكر عصور الإنسان الأولى عندما اخترع النار وبدأ يتجمع حولها من أجل الحكي، من أجل نقل تجاربه في الحياة حول الصيد الذي كان السبيل الأوحد للوجود. كان الحكي في هذه الأزمنة السحيقة سبيلا للمحافظة على الوجود بعدما كان هذا الأخير بداهة من البداهات. لكن في أزمنة الشك صار الوجود نفسه موضع شك واختبار، وصار هو الآخر في حاجة إلى تبرير. وكان الحكي الوسيلة الممكنة: ‘ الحكاية من أجل الوجود’. ولا شك في أن السارد ـ وهو يحاول تجسيم هذه العبارة بواسطة التخييل باعتماد الحبكة ـ كان يحاور مقولة بول ريكور المشهورة ‘ الحياة بحثا عن السرد’، ولعله أضاف إلى هذه المقولة شقها الغائب وهو السرد من أجل الحياة. ويتعلق الأمر هنا بالسرد بوصفه مستوى من مستويات التأويل الذي يعد بدوره مستوى من مستويات الفهم ولحظة مركزية من لحظاته، ويعدّ الفهم ـ كما يقول بول ريكور في كتابه ‘ صراع التأويلات’ـ مستوى من مستويات الوجود. ولا يقتصر سؤال الوجود على الحياة بوصفها تجربة، بل يمتد إلى تجربة الكتابة نفسها بعدها وسيلة للوجود أيضا. فالسارد يلح في ‘ عصا البلياردو’ على استحضار إشكال فعل سرده من حيث هو وسيلة للفهم، إذ لا يقوم بعملية السرد دون أن يتأمل السرد نفسه والكتابة نفسها. إن الرواية بهذا المعنى تمارس نوعا من التأويل المضاعف، تأويل العالم وتأويل نفسها في الآن نفسه. لكن السؤال الذي يبعث على الحيرة يكمن في مدى انقلاب الحكاية على فعل السرد نفسه، حيث إن في الرواية حكايات تحكى ويستعصي فهمها على السارد الذي ينقلها عن الآخرين (حكاية ميلود وعابد). لذلك لا يملك أمامها سوى الشك فيها وإعادة السؤال في صددها.السرد ولعبة التوسطاترسالة المعطي الرابحي هي نفسها الرسالة التي تتضمن المتن السردي في ‘ عصا البيلياردو’، فالنص عبارة عن رسالة موجهة إلى العبار تتناسل داخلها مجموعة من الحكايات بأصوات مختلفة وساردين مختلفين تماما كما هو الشأن مع ‘ ألف ليلة وليلة’. ولا يخفى أن في استلهام الرواية لـ ‘ ألف ليلة وليلة’ تكريس لفكرة المقاومة التي أعلن عنها السارد في مطلع النص في سياق بحثه عن الأسباب التي دفعته إلى الكتابة. فشهرزاد كانت تقاوم الموت بواسطة السرد، والسارد يقاوم بدوره نوعا آخر من الموت هو الموت الرمزي الماثل في الاستسلام التام لحركة الزمن والخضوع المطلق للتاريخ كي يملي علينا اختياراته الخاصة في العيش واختياراته الخاصة في تأويل الحياة، وهي اختيارات لا تكتبها سوى السلطة في النهاية ليحكم على الحقيقة بالضياع الأبدي، ويحكم على الذاكرة بالاندثار والتشظي. لكن الكتابة تصير وسيلة لمقاومة حركة الزمن الناظمة لوجود زائف. فتناسل الحكايات كما هو الشأن في ‘ ألف ليلة وليلة’ هو أكثر الأشكال السردية اكتمالية وأكثرها تجذرا في اللاوعي الإنساني، ويعود ذلك إلى الطبيعة الدائرية لهذا السرد مع ما تحيل عليه الدائرة من سمات الكمال والمطلق. ويمكن أن نعدّ تناسل الحكايات مقابلا سرديا للدائرة التأويلية؛ ففي ‘ عصا البيلياردو’ تخلق الرسالة دائرتها التأويلية الخاصة من خلال اللعب بـ (المعنى الغاداميري) على الجزء والكل، وتتمثل الأجزاء في الحكايات الصغيرة التي تتناسل على ألسنة السراد الذين يتناوبون على فعل السرد، ويتمثل الكل في تلك الوشيجة التي تنسق بين تلك الحكايات لتخلق نسقا سرديا مترابط الأجزاء هو نفسه الرواية. لا يفهم الكل إلا بالعودة إلى الأجزاء، ولا سبيل إلى فهم الأجزاء إلا بالعودة إلى الكل. وبالتالي فإن ‘ عصا البلياردو’ نقلت الدائرة التأويلية إلى عالم السرد لتبني الشكل الأساسي للرواية؛ وذلك بتوسط نص ‘ ألف ليلة وليلة’. ويتحقق هذا التوسط عن طريق محاورة الرواية لها من حيث دلالته على المقاومة بواسطة الحكي، ومن حيث اعتماده على تناسل الحكايات الذي يحول العالم إلى حبكات صغيرة تؤلف حبكة كلية تفضي إلى تحقيق فهم آخر بالعالم. لكن ‘ عصا البلياردو’ لا تكتفي بمحاورة ‘ ألف ليلة وليلة’ فحسب، بل تتصادى فيها أيضا نصوص كثيرة أخرى تمثل التوسطات التي شكلت العلاقة بين الذات والموضوع. فلا جرم أن ‘ عصا البلياردو’ تشكل حوارية لنصوص مستعادة، ولمتخيل غير شعوري موغل في القدم كانا يضغطان على الذات أثناء الكتابة. ولعل الصراع حول الأخت بإحالته على قصة قابيل وهابيل يشكل أحد تلك التوسطات عبر الرمزية التي ألحت على السارد، وهو يركب تلك الحبكة المنشودة الطامحة إلى تحقيق الفهم المشتهى في رحلة إعادة بناء الحقيقة والبحث عنها. ويتجلى هذا الصراع الذي ما زالت الإنسانية تعيشه منذ الأزلية في النص من خلال الاكتشاف المهول الذي ستختم به الصيرورة السردية فصول الرواية، والذي يتمثل في معرفة المعطي الرابحي أن ‘ شبيك’ ما هو إلا أخوه الضائع الذي ظل يبحث عنه منذ أن فقده عندما كان صغيرا، و’ شبيك’ ليس سوى طليق سعاد التي أحبها المعطي وشاءت الأيام أن لا يكتب لهما الزواج نظرا إلى الفشل في لعبة الاختيارات الوجودية. عندما تحس الذات بالعبث الوجودي وباليقين الوحيد المتمثل في الفوضى التي تكتنف المصائر في العالم وأن لا سبيل إلى توقع الاختيارات ورسمها، تتبدى في المقابل حقيقة أخرى لا تقل فجاعة وصدمة، وهي أن الحياة لها منطقها الخاص ولها نواميسها التي تفرض علينا اختيارات حياتنا دون أن ندري، هي نواميس موغلة في القدم ما زالت البشرية تعيد إنتاجها بطرق مختلفة وبجوهر واحد. لذلك نجد الرواية في كثير من الأحيان تطرح ذلك السؤال الوجودي الكبير ‘ أكنا أحرارا بالفعل في اختياراتنا أم كانت هناك ضرورات حتمت علينا أن نسلك مسارات بعينها دون أخرى’ (ص 68). هذا السؤال يحيلنا أيضا على إشكالية أخرى تطرحها الرواية بعمق وتحاور فيها نصا آخر هو رواية ‘ الحي اللاتيني’. يكفي أن نتأمل نهاية الروايتين ليتبين لنا أن الساردين كانا يصدران عن أسئلة مشتركة. فرواية ‘ الحي اللاتيني’ تختتم على النحو الآتي ‘ لقد انتهينا الآن إذن يا بني أليس كذلك؟ فأجابها من غير أن ينظر إليها: بل الآن نبدأ يا أمي…’. وتختتم ‘ عصا البلياردو’ على النحو الآتي: ‘ وأنا في نهاية الممر أرى أني لم أر البداية’ (ص 191). تعكس النهايتان موقفين يحيلان على حجم الحوار الذي أقامه سارد ‘ عصا البلياردو’ مع سارد ‘ الحي اللاتيني’، نهاية هذه الأخيرة نهاية خطية تعكس الطموح والأمل في ذلك الغد النابع من إيمان الذات بإمكانية التغيير والإصلاح بما يتماشى مع الفترة التي كتبت فيها الرواية (الطبعة الأولى كانت سنة 1953) والتي كان المثقف فيها على درجة عالية من الأمل والالتزام والإيمان بالحس الثوري القادر على تغيير العالم. على العكس من ذلك تماما تؤشر النهاية الدائرية في ‘ عصا البلياردو’ على حالة التيه الذي يلف الذات التي اكتشفت عماها المطلق وحالة الضياع التي لفت المثقف وأقعدته عن التغيير والحركة، بما يتماشى أيضا مع الفترة التي تغطيها نهاية الرواية أي التسعينيات من القرن الماضي. إنها أحلام المثقف، بل أحلام جيل بأكمله عاش ويعيش مرارة خيباته التي لا تنتهي، ‘ جيل كان منذورا للنقاء كما بشرت به أحافير أزمنة الوعد الوارف، لكن طواحين الكذب والرياء والتزلف نطلته، فذرته الرياح في كل الجهات..’ ص (118). تحتار الذات في معرفة حقيقة وجودها، فتارة يبدو وكأن الأمر محكوم بنظام وتارة أخرى لا يظهر سوى العبث والفوضى، لكن الأكيد في ‘ عصا البلياردو’ أن الحياة تصر على محاذاة الجميل والحب والاكتشاف المتأخر، كما لو أنها تلح على أن تكون سلسلة من الموت المتكرر، لذلك وضع المعطي في رسالته عنوانا أول يشير إلى هذا المعنى وهو ‘ الموت مرة أخرى’. ويتبدى هذا المنطق من خلال رمزية موت الأم بالنسبة إلى كثير من شخصيات الرواية التي جربت فداحة اليتم والوحدة مثل العم حسان والمعطي وساحم وسعاد. كما أن الرواية تمضي على إيقاع الفقد لا الاكتساب؛ فالعم حسان سيفقد أمه وابنه نبيل وزوجته، ثم ابنه العبار الذي سيهاجر إلى فرنسا، والمعطي سيفقد أمه وأباه وأخاه وحبيبته سعاد التي ستصاب بالجنون بعدما فقدت هي الأخرى ابنتها التي ماتت. والعبار نفسه سيفقد نظيمة التي أحب، كما أن المعطي على الرغم من أنه سيجد أخاه سليمان سيفقده مرة أخرى لاكتشافه أن هذا الأخ شخص مقيت وليس بالأخ الذي كان يشتهي لقاءه، ففقده بالنسبة إليه كان مضاعفا. قد تكون هذه هي الحقيقة الأخرى التي تمضي وفقها الحياة: صيرورة متواصلة من الفقد والوداع. إن رواية ‘ عصا البلياردو’ ضرب من الواقعية التأملية التي تتسلح بالسؤال الذي يكاد لا يطمئن إلى المترسخ من القناعات الجاهزة. فكثيرة هي الإشكالات التي تعالجها وتجسر بينها: الموقف من الكتابة وسؤال الوجود، ومفهوم المثقف، وطبيعة الاستعمار، وحقيقة التاريخ. كما أنها لا تحرص على تقديم أجوبة أو إعطاء حقائق بقدر ما كانت تقوم بعملية تشويش وإرباك. إننا مع ‘ عصا البلياردو’.. نجد أنفسنا أمام نص روائي مسكون بفتنة الكلمات ومشغول بثقل السؤال، فلا شك في أنه سفر من الأسفار النوعية في الرواية العربية. باحث من المغرب