ابراهيم حسن الأنظمة العربية تصر على وضع تعريف خاص بها على أن ‘الرئيس السابق’ يجب أن يكون ‘الرئيس المخلوع’، ويبدو أن إصرار رؤساء الأنظمة في الميل نحو هذا التعريف في هذه الأيام بالذات، صحيح جدا، وهم أنفسهم، أي الرؤساء، يثبتونه في الواقع. الظاهر أننا سنشهد الظاهرة من الآن فصاعدا بصيغة الجمع ‘المرتب’، بمعنى ان واحدا يلحق الثاني وهكذا تكون الصيغة ‘الرؤساء المخلوعين’. الشعوب العربية ترغب أن يبقى التعريف الأصلي المتفق عليه لغة ومصطلحا وفي علم السياسة، لكن الأنظمة تصر على أن ‘الرئيس المخلوع’ هو التعريف الأنسب من ‘الرئيس السابق’، لذلك فنحن كشعوب عربية نُذكر بأننا في القرن الحادي والعشرين لكننا لا نمانع ما دامت هي رغبة الرؤساء، بل ونقول لهم تفضلوا هذا هو اختياركم الذي أحببتموه وقاتلتم من أجله.
في الحقيقة عندما كنا نبحث عن الرئيس العربي السابق لم نجده، فأصبحنا نلف وندور وبصعوبة بالغة استطعنا أن نعثر على يتيم واحد فقط في لبنان، وهذا استثناء عربي نرجو أن يكون من الآن فصاعدا هو القاعدة، وليس الاستثناء، وذلك إما بالالتزام بالموعد الدستوري والتقاعد وإلا الثورة، كما حدث في تونس وفي مصر.
ما أجمل أن نشاهد الرئيس اللبناني السابق وليس المخلوع من على شاشات التلفاز حرا أبيا يتحدث، يناقش، يٌستشار، يروح ويجيء، يزور ويزار، غير مطارد وبعيدا عن لعنات الشارع. هذه اللحظات تذكرنا بحالة عربية استثنائية أخرى لن تتكرر، نتذكر في هذه الأيام الشهم الكريم سوار الذهب الذي صدق ما واعد عليه الشعب في السودان ولم يتشبث بكرسي الحكم، حيث قاد مجلس قيادة الثورة بعد إسقاط نظام جعفر النميري، وبعد تشكيل الحكومة انسحب وبقي شخصا عاديا من أفراد الشعب السوداني، لكنه ذهب! نريد حكاما عربا لا يتسمرون على كراسيهم إلى الأبد لأننا نعتز ونسعد عندما نرى الرئيس السابق بيننا وليس الرئيس المخلوع البعيد عن الأنظار. لا أدري ما الذي يجعلهم يصرون على اللقب السيئ، بينما الشعوب تقدم لهم لقبا جميلا على طبق من ذهب. لا نريدكم أن تكونوا كسوار الذهب الذي لم يحكم إلا في الفترة الانتقالية، لكنكم تحكمون دورة أو دورتين تكفي لأن تكونوا ‘الرئيس السابق’ المعزز والمكرم، فلم لا تميلون إلى هذا اللقب الجميل؟ الآن، اللقب الذي أصررتم عليه وعشقتموه قد تحقق في تونس وفي مصر ولا ندري أين يتقرر بعد أن أسقط أكبر الفراعنة في أكبر بلد عربي وأم للدنيا، لا ندري إن كان اللقب ‘الرئيس المخلوع’ من نصيب المغرب العربي أم المشرق العربي، لكننا نجزم بأن اللقب لن يناله إلا حاكم عربي لأن ‘الرئيس المخلوع’ ميزة عربية أصيلة لا يتنازل عنها العرب لغيرهم حتى لو سالت الدماء! الشعوب العربية تسأل حكامها إن كان هذا هو الخيار الأفضل الذي يريدون، فأهلا وسهلا ولا تمانع إرادتهم، فكما أن الرئيس التونسي السابق لم يرض أن يكون فقط السابق، بل أصر على أن يكون المخلوع، لذلك لن نستطيع أن نراه يتحدث ويجتمع كما الرئيس اللبناني السابق إميل لحود، وإن قدر لنا أن نراه من على الشاشة فسيكون خارج تونس، أما إذا كان في تونس فسيدعى المتهم لا الرئيس السابق، والتونسيون لا يريدون أن يروه إلا خلف القضبان، وإلا فعدم رؤيته أفضل، وفرعون مصر حصل على اللقب بامتياز جدا جدا، وننتظر أن نقرأ مذكراته إن استطاع كتابتها قبل الموت! هكذا هم الرؤساء العرب الذين يدعون بأنهم لم يأتوا لمنصب الرئاسة إلا لخدمة شعوبهم في الليل وفي النهار، وأن المنصب تكليف وليس تشريفا ويرفضون أن يشاركهم أحد في هذا ‘التكليف’، لكننا نكتشف أن هذا التكليف نتيجته المليارات من الدولارات في حساباتهم وحسابات أبنائهم وعائلاتهم وحاشيتهم، وفي الجانب الآخر كرامة منتزعة وشعوب جائعة! الحاكم العربي لأنه طاغية ومتجبر ولا يرى إلا نفسه، فإنه يتكبر على أن يكون ‘الرئيس السابق’، وعلى استعداد تام لأن يضحي بمصالح بلده وبمقدرات شعبه ويجاهد بكل الأساليب الدموية الفاشلة وبإصرار غريب على أن يكون ‘الرئيس المخلوع’ لا ‘الرئيس السابق’! ابراهيم حسن – البحرين