د. حسين علي شعبان طالب اجتماع مجلس التعاون الخليجي في 7 آذار/ مارس المجتمع الدولي بالتدخل لانقاذ الشعب الليبي، حيث ناشد المجتمعون الادارة الامريكية والاتحاد الاوروبي الاسراع بفرض منطقة حظر جوي فوق ليبيا. الادارة الامريكية على لسان وزير دفاعها تمنعت وتدللت متذرعة بصعوبات تقنية وشروط عسكرية. في دلالة فاقعة على زيف هذا التمنع انشغلت وزارة الخارجية الفرنسية والبريطانية في اعداد مشروع قرار لهذه الغاية لعرضه على مجلس الامن. كل ذلك جاء بعد ان اتمت الاساطيل الحربية الامريكية والاوروبية تموضعها على مقربة من المياه الاقليمية اللليبية، منذ الايام الاولى لثورة 17 شباط/ فبراير 2011. قبل ذلك وفي عملية ربما تمهيدية اتمت القوات الجوية الملكية البريطانية انزالا جويا في الصحراء الليبية، ثم تناقلت بعض الفضائيات العربية بشكل مجتزأ وخجول خبر اسر رجال الثورة الليبية لجنود بريطانيين، لا يعرف الا الله وعشرة داوننغ ستريت لماذا وصلوا مدينة بنغازي. لماذا هذا العويل الخليجي، هل حقا ان امراء وملوك الخليج عاجزون عن مساعدة الشعب الليبي وثورته؟ ما الذي قدمه هؤلاء لاغاثة الفارين من ليبيا الى تونس، مع العلم ان جل الدول الاجنبية سارعت الى ترحيل مواطنيها؟ لماذا صمت أصحاب الجلالة والمعالي طوال هذه الايام الطويلة على اهل ليبيا والعرب، ولما نطقوا استغاثوا برغبات البيت الابيض؟ جريا على عادتهم وكرمهم؛ لماذا لم يتدخل احدهم أو جمعهم لدى القذافي وتقديم النصح والملاذ الامن له، كما فعلوا مع الشهيد صدام حسين (معذرة لروحك الطاهرة أيها المجيد فليس مكانك هنا)، زين العابدين بن علي وحسني مبارك؟ الحقائق التي يضج بها الاعلام العربي تقول بالوقائع التالية:
اولا: فاجأ ممثل البيت الابيض اعضاء مجلس الامن، خاصة الهند والصين كمثال لا للحصر في 3 آذار/مارس 2011 بفقرة ادخلها عنوة، من دون علم الاعضاء في مسودة مشروع قرار الى مجلس الامن؛ يجيز استخدام القوة في ليبيا، واضطرت الادارة الامريكية مخزية للتراجع امام غضب ورفض ممثل الحكومة الهندية. ثانيا: على عكس صمتها عن مجريات الثورة التونسية ودعمها لحسني مبارك أثناء الثورة المصرية (لا تصدقوا ما قاله الرئيس اوباما، بل صدقوا مستشاره ومبعوثه الى مصر) استقدمت الادارة الامريكية بوارجها الحربية التي عبرت قناة السويس لتساند اساطيلها التي يضيق بها اصلا البحر الابيض المتوسط، في حين انشغل الاعلان (بالنون) العربي بتمهيد الاجواء واعداد الرأي العام العربي لتقبل، بل والتدخل لدى البيت الابيض او الاطلسي لا فرق، للتدخل في الشأن الليبي. اما قرارات الشرطة الدولية (الانتربول) ومدعي محكمة الجنايات الدولية السيد اوكامبو، بحق القذافي واعوانه فبقيت جوفاء بلا قيمة قانونية ومعيبة لأصحابها اخلاقيا.
ثالثا: معاناة الاجانب (معظمهم عرب) الفارين من ليبيا وضعت على واجهة الاحداث وضخمت بشكل مفتعل، مع العلم ان مبادرة انسانية متواضعة لأمير نفطي عربي كانت كافية لاغلاق الملف، الشد على يد شعب وحكومة تونس اللذين استقبلا الفارين واحسنا ضيافتهم حين أظهرا كرما وسخاء عربيين. رابعا: اثر الرفض المطلق لقياة الثورة الليبية لأي تدخل عسكري خارجي في الشأن الداخلي الليبي، انشغلت جوقة الطبالين التقليديين العربية، بالترويج للفوائد الجمة للحظر الجوي الامريكي، كونه باب الخلاص الوحيد للشعب الليبي. والمؤسف حقا ان فكرة الحظر الغربية هذه لاقت استحسانا اوليا لدى بعض أصحاب النوايا الحسنة من الثوار الليبيين. نقول لهؤلاء جميعا مهلا يا سادة، فالمثل الشعبي العربي القديم يقول ‘لا يأتي من الغرب ما يسر القلب’، وهذه بعض من الحجج المفحمة: لقد تورم الجسد العربي بفعل لدغات مستوطني جحور ‘المساعدات الخارجية’؛ ألم يرد لورانس الانكليزي أرض العرب بأمر من كبار ضباط خدم حكومة جلالتها، اثناء الحرب العالمية الاولى، ليمهد الارض والنفوس العربية لجيوش الغزاة الذين لم يكتف وزراء خارجيتهم بتقسم المنطقة الى كانتونات وفق مصالحهم الانية والاستراتيجية، بل وقبل أن يجف لغو السنتهم الناطقة بكلام معسول للعرب كان حبر اقلامهم وفعل ايديهم يقدم وعدا ملكيا مكتوبا باقامة دولة للمستوطنين على أرض فلسطين. قبل أيام فقط صعق المندوب الامريكي ممثلي الدول الاربع عشرة الاعضاء في مجلس الامن بذراعه المنسلة من تحت ابطه لتصدمهم والعالم بالفيتو الذي شرع وشجع الاستيطان الصهيوني على الارض الفلسطينية التي تعترف الادارات الامريكية نفسها بانها محتلة منذ العام 1967. اكثر من ذلك فبرعاية أمريكية، فرنسية، المانية وبريطانية تستبيح حكومة التطرف الاسرائيلية وحاخاماتها الدم الفلسطيني. وعلى مرأى من هؤلاء جميعا يحاصر جيش الاحتلال أكثر من خمسة ملايين فلسطيني في غزة، الضفة الغربية وفلسطين الطبيعية؛ بالتجويع، الحصار، القتل، الاسر وقرارات العنصرية تجلب العار للحضارة الانسانية. دعكم من الاربعة ملايين لاجئ فلسطيني، فقد تولت وكالة الامم المتحدة بتمويل امريكي ومباركة اوروبية وأد قضيتهم. بالامس القريب وفي عز ايام الثورة المصرية وصفت الادارة الامريكية حسني مبارك بانه ‘رجل صالح’ قدم خدمات لا تقدر بثمن للولايات المتحدة واسرائيل، طبعا كون صفقة الغاز المصري بأسعار بخسة يسمونها تفضيلية عارا على مبارك وحكوماته. وصف وزير الخارجية الامريكية روبرت غيتس في 6 اذار/ مارس قتل القوات الامريكية تسعة فتيان افغان بـ’انتكاسة’. أليست الانتكاسات الامريكية في افغانستان وباكستان عملا يوميا درجت على تكراره قوات غيتس من دون رادع؟ ألم يتضعضع عرش كرزاي ويشيع عرش الجنرال مشرف بفعل هذه الجرائم؟ سجل القوات الامريكية في العراق حافل بالجرائم والمجازر، بدءا بالتلذذ بالقتل العمد مرورا بالاغتصاب وصولا الى التعذيب الوحشي للمعتقلين في السجون. لم تدس القوات الامريكية قرية، بلدة او مدينة في العراق الا وارتكبت فيها جرائم ضد الانسانية. وثائق ويكيليكس وقبلها اخرى بريطانية أظهرت الطيارين الامريكيين بالصوت والصورة يستمتعون ويتلذذون بقتل البشر، حتى لو كانوا من جنود حلفائهم. لا ليس تكرار قتل الابرياء بانتكاسة، بل جريمة، وعندما يرتكب هذه الجرائم جيش هو الاكثر دقة، تنظيما وتسليحا فالامر يصبح جريمة ضد الانسانية. واذا كان مجلس الامن ومحكمة الجرائم الدولية عاجزين عن جلب مرتكبيها من جنرالات وسياسيين امام العدالة، فعلى العقلاء والثوار من شعوب الارض ان تأنف انفسهم من مساعدات ملطخة بدماء الابرياء. لم تنطق الادارة الامريكية وحكومة حليفتها البريطانية بحقيقة غزوهما العراق وافغانستان الا عندما اشتد الخناق على عنقيهما بفعل الخسائر الفادحة بين الجنود وانقلاب مزاج اصحاب الاصوات الانتخابية ضدهما. يومها فقط نطق اصحاب البيت الابيض وعشرة داوننغ ستريت بالحقيقة المتمثلة بنقل المعركة الى ارض العدو لجعل بلدانهم أكثر امنا بدل انتظار العدو على ارضهم. العملاء، المهرجون المنتفعون أو البرغماتيون المحليون طقت حناجرهم بالتبشير للديمقراطية، الحرية والبحبوحة الموعودة القادمة في ذيل جحافل الغزاة. ولما انفضح زيف اضاليلهم واسيادهم عادوا الى مرابطهم الاصلية. ألم يبرر ما يسمى اعضاء مجلس النواب العراقي حملهم الجنسية الاجنبية بالقول ان الجنسية الاجنبية ‘حبر على ورق’: الصحيح أن جنسيتهم العراقية وعروبتهم حبر على ورق لأن مكان اقامتهم الحقيقي، ولاءهم، الشركات حيث يستثمرون ما نهبوه كما البنوك التي يودعون فيها مسروقاتهم ليست بغداد أو البصرة او الموصل بل لندن وسواها من العواصم الاجنبية. بالعودة الى موضوع الحظر الجوي بنصه وتفسيره الامريكي، حيث يتطابق الجنرالات، السياسيون وباعة ديمقراطية النهب على تعريف واحد لها يقول: ان شرط الحظر الجوي يتطلب في المرتبة الاولى استباحة الاجواء الليبية ثم التدمير التام لسلاح الجو الليبي بكل فروعه وقطاعاته من صواريخ، رادارات، طائرات حربية، طيارين، ابنية، تحصينات وكل ما يشك الجنرالات الامريكيون بصلته بهذا السلاح. بكلمات مقتضبة الحكومة الليبية القادمة وهي حكومة الثورة ستكون شبه منزوعة السلاح، والكفاءات الحربية غير قادرة الى أجل غير مسمى على حماية ومراقبة أجوائها السيادية لبلد شاسع المساحة والاطماع الاجنبية؛ الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بشكل خاص. ثم يبرز سؤال أكثر حيوية؛ بعد انتصار الثورة وفرض سيطرة حكومتها على مقاليد البلاد ما هي الضمانات الدولية بالرفع الفوري أو الآلي للحظر الجوي المفروض على ليبيا؟ لا تصدقوا وعودهم الشفهية أو المكتوبة.. لا تصدقوا مجلس الامن والامم المتحدة لأنه العوبتهم. من يضمن ان لا تقدم ادارة البيت الابيض وحليفاتها الاوروبيات على تمديد الحظر وابتزاز الحكومة الجديدة بتعويضات ومعاهدات امنية واتفاقيات اقتصادية جائرة. ألم تعد السيدة كلينتون وزيرة الخارجية الامريكية بفتح ملف لوكربي مجددا، هذا مع العلم ان ادارة بلادها وتوني بلير لم يكونا منصفين او عادلين بشأن التعويضات المالية الخيالية التي حصلا عليها، في حين ان الامتيازات الاستثمارية، التجارية والاتفاقيات الامنية التي فرضتها حكومتا البلدين على القذافي تؤكد ان الديمقراطية والانسانية والاخلاق لا مكان لها في اروقة البيت الابيض وعشرة داوننغ ستريت. من أين سيأتي باراك اوباما وديفيد كاميرون بالتمويل للحظر الجوي على ليبيا. فحكومة بلديهما كما مجلس العموم والكونغرس، وقبلهما الشعبان الامريكي والبريطاني لم يسمعا بحاتم الطائي، وان سمعوا به فيعتبرونه ساذجا ومبذرا. ديفيد كاميرون واوباما يعدان كبريات شركات تصنيع الاسلحة وشركات انتاج وتسويق البترول في بلديهما بصفقات بمئات المليارات من الدولارات والعكس صحيح، فتلك الشركات ستمول وربما تجبر اوباما ـ كاميرون على تنفيذ الحظر الجوي، كونه سيعود بالنفع والازدهار للبلدين. الحظر الجوي ليس الا البداية، الشهية تبدأ مع الاكل كما يقول المثل الامريكي. اما العرب الادق بلاغة فيقولون ‘الحنجلة اول الرقص’. في السياسة لا مكان للصدق، الكرم او البساطة، احذروا الكلام المعسول احذروا المساعدات المسمومة. ‘ باحث فلسطيني مقيم في بريطانيا