د. ريتا فرج
رغم أن العالم العربي دخل في مرحلة تُعد الأشد حِراكاً في تاريخه الحديث، بعد أن أنتجت حركاته الاحتجاجية الهادرة من المحيط الى الخليج، معالم النهضة الثالثة، التي أعقبت الأولى في القرن التاسع عشر، والثانية، حين بدأ العرب برسم مجالهم الجيو – سياسي، إلاّ أن الرهان على مكتسبات هذا الحِراك يحتاج لفترات زمنية أطول، فهو لم يصل بعد الى مستوى الثورات المتكاملة، على حد تعبير العلاّمة ناصيف نصار صاحب الأطروحة الشهيرة ‘طريق الاستقلال الفلسفي’. معطيات بنيوية مختلفة شكلت الجامع المشترك لفوران هذه الحركات، من أهمها احتكار النخب السياسية للسلطة ومقومات الاقتصاد الوطني، والتحولات المجتمعية الطارئة على بنى المجتمعات العربية التي دخلت في طور المدنية، بعد انتقالها التدريجي من الريف الى المدينة، ما أدى الى خلق بيئات أكثر قدرة على استيعاب مقومات الحداثة من جهة، وعلى التفاعل المتبادل عبر شبكات الانترنت العملاقة واحتكاك الأفراد كفاعلين اجتماعيين من جهة أخرى. مؤشرات دالة يمكن قراءتها من البانوراما شبه الثورية الراهنة، لعل أبرزها غياب الشعارات الايديولوجية عنها، والتمسك بالمطالب الوطنية، كالتعددية وحقوق الانسان والمساءلة السياسية والرفاه الاجتماعي، من دون أن يعني ذلك أن العالم العربي دخل في عهد ما بعد الايديولوجية. وبصرف النظر عمّا ستحصده الحركات الاحتجاجية من نتائج، لا شك أن المحصلة النهائية، تؤكد تدرج العرب نحو نهضة ثالثة، قد تتأخر نتائجها، بفعل أسباب متجذرة تحتاج الى تفكيك تراكمي، سواء لجهة مفاعيل البنى القبلية والعشائرية والطائفية أم لجهة تأطير الفرد لفهم مكتسبات الحداثة، بمعنى نقله من الانتساب الى الجماعة الى كيان الدولة الحديثة، التي لم تطرح أصلاً عند الطغمة السياسية المسيطرة على مفاصل الحكم منذ سبعينيات القرن المنصرم. وقبل أن يتوحد العرب على شاكلة الاتحاد الاوروبي، وهم الذين يمتلكون ثروات طبيعية وبشرية، تسمح لهم ببناء متحدٍ مشترك، أقله على المستوى الاقتصادي وعلى صعيد التأسيس لرؤية استراتيجية تعيد لهم صناعة القرار، يحتاجون اليوم الى إصلاح متعدد الجوانب، ديني، ومجتمعي؛ فالتغيير يبدأ بالثورة على الموروثات ما قبل الدولتية، وصفوة الاصلاح على حد تعبير كانط تتمثل بإصلاح الدين، وما أخطره عندنا. الرهان على النهوض بالعرب ومع العرب ودخولهم في مرحلة الحداثة عبر الانتفاضات أو الثورات المتكاملة المرتقبة، يحتاج الى تثوير يطال البناء المجتمعي والديني والاقتصادي، الذي يبدأ من الفرد ويصل الى الجماعات على اختلاف انتماءاتها، وهنا من المهم استحضار فرضية طرحها الراحل الكبير محمد أركون، عن إمكان اكتساب العرب والمسلمين للحداثة بقفزة واحدة من دون التدرج نحوها بشكل تلقائي على قاعدة الخطوة خطوة نحو الإصلاح؛ الصدمة المعرفية المباغتة، لا تكفي وحدها لزعزعة هذا الإرث المخيف من أنماط الأنظمة التسلطية، القائمة بدورها على بنى قبلية وطائفية، بل المطلوب تفكيك عراها، وترسيخ مفاهيم الدولة الحديثة، بكل ما تحويه من مبادئ، وفي مقدمتها تجديد العقد الاجتماعي بين السلطة الآتية من رحم الانتفاضات والجمهور، الذي ما عاد شريحة دهماوية، مستلبة، إنما هو على طريق التشكل وبناء وعيه نحو ذاته ونحو محيطه الأوسع؛ وعيٌ تأسس على تحول نوعي في المزاج العربي باختراقه جدار الصمت والانتقال من تقديس الحاكم الى حق مساءلته وإسقاطه؛ هذا المؤشر يعتبر الأهم، وهو بمثابة المعطى الجديد الذي يمكن الكشف عنه في ظل الحِراك شبه الثوري لا الانقلابي في العالم العربي؛ وفي ما يتعدى معارك الأفكار والنظريات السياسية، لا ريب أن المتغيرات التاريخية التي شهدتها وتشهدها أكثر من دولة عربية، وفي طليعتها مصر التي من المرجح أنها لم تعد بعد اليوم تمثل عمقاً إستراتيجياً لاسرائيل، تؤكد على صحوة فجرتها مؤشرات كثيفة التداخل، أولها مستوى الفجور عند الطبقة الحاكمة لجهة الاستيلاء على القرار السياسي ونهب الثروات الاقتصادية الوطنية، ثانيها، تطور الوعي العربي، الشبابي تحديداً، بفعل اكتساب تقنيات الاتصال الحديثة، ما سمح لهذا الوعي بالتعرف على مفاهيم كونية قوامها الديمقراطية وحقوق الانسان وتداول السلطة؛ ثالثها، تشكل طبقة لا بأس بها من الفئات المتعلمة والمثقفة والواعية أيضاً، والعنصر المشار اليه فرضته الهجرات الجماعية من الأرياف الى المدن؛ رابعها، موجة المطالبة بالديمقراطية التي عرفتها بعض دول أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية إثر سقوط الاتحاد السوفييتي، وإن وصلت متأخرة الى العالم العربي؛ خامسها التطور الطفيف في علاقات الجماعات على المستوى المجتمعي والاقتصادي؛ سادسها، وهو الأهم، المسار الحضاري الذي يفرضه التاريخ، بمعنى أن المجتمعات تسير باتجاه التطور الدوري حتى لو عرفت لفترات طويلة مرحلة من الضمور أو الموت السياسي، ولا مشاحة أن الجواد العربي استفاق من كبوته. الديمقراطية التي مثلت أحد مطالب الانتفاضات الشعبية لا تكفي وحدها لاحداث التغيير المنشود، وصحيح أن العالم العربي يسير نحو الدمقرطة، إلاّ أن المطلوب تحديث علاقات الجماعات على المستويات الاقتصادية والادارية والمجتمعية والسياسية، والأمر بالضرورة يتطلب مرحلة طويلة، وهنا تأتي أهمية تفعيل التنمية البشرية والعلمية، وإذا لم تستدرك الطبقة السياسية الآتية من معمودية الدم أولوية ذلك، فهي حتماً ستكرر التجربة التي خاضها من سبقها على مدار أكثر من ثلاثين عاماً. العالم العربي عاجلاً أم آجلاً سيبني مداره الحضاري وليس قليلاً على العرب امتلاكهم لثروات طبيعية وبشرية وشبابية وللغة واحدة ولمساحة جغرافية تصل الى حوالى 14.291.469 كلم أي بنسبة 10.2′ من اليابسة، ولعادات وتقاليد قريبة من بعضها البعض، وهذا ما يمنحهم القدرة على بناء مجالهم وعلى منافسة الاتحاد الاوروبي القائم على منظومة مصالح وليس على الهوية القومية. وقد يقول قائل ان العرب افترقوا الى تكتلات مناهضة لبعضها البعض، لكن الملاحظ أن الحركات الاحتجاجية الجارية في ديار العرب المترامية، نادت بثلاثة مطالب جوهرية، المساءلة السياسية، تداول القرار، الحفاظ على الاقتصاد الوطني، الذي تمّ احتكاره في العقود المنصرمة من قبل طبقة رجال الأعمال المتحالفين مع السلطة. وحين يُنجز العرب مهمة بناء الدولة الحديثة، لا بد أنهم سيعمدون لبناء مجالهم الأوسع، ما يؤهلهم لاستنهاض وحدتهم التي نص عليها ميثاق جامعة الدول العربية عام 1945. الانتفاضات الشعبية أحــــد تجليات النهضة العربية الثالثة، والعالم العربي الناهض من ركام التأخر التاريخي ومن أشلاء الاستعمار الكولونيالي السابق والأمريكي اللاحق، سيرسم مداره الحضاري على إيقاع ثورة الأفكار الكونية التي بدأت مع ثوار الانترنت وجيله الشبابي الذي أدرك متأخراً عدم جدوى الايديولوجيات الدينية والسياسية في آن.’ باحثة لبنانية