العصفور في اليوم السّابع

حجم الخط
0

فــاروق وادي

يُدرك المُروِّض، في قصّة زكريا تامر ‘النمور في اليوم العاشر’ (التي ننسج على إيقاعها وبوحي منها عنوان هذا المقال)، أن مَعِدة الخصم، يجب أن تكون دائماً هي الهدف الأوّل. ولذلك، فهو يراهن على أن النمر المتعجرف، المزمجر في قفصه، سوف يتحوّل إلى كائن مطيع، وديع، لا حول له ولا قوّة. وشيئاً فشيئاً، يسقط النمر في الفخ الذي نصبه المروِّض له. فهو يبدأ بالاستجابة لأمر الوقوف أمام المروِّض، ثم في تقليد مواء القطّة مثلما يُطلب منه، ثمّ نهيق الحمار، ثمّ التصفيق لخطبة المروِّض.. إلى أن ينتهي به الأمر للتسليم بالمآل الذي وصل إليه: أن تُصبح الحشائش طعامه الوحيد!

تبدو القصّة بعيدة عن الرّمز، بل ومفرطة في واقعيتها السّافرة، إذا ما تتبعنا المآلات التي بلغتها رموز مثقفي السُّلطة الفاسدة في العهد البائس لمصر. ويكفي أن نعرض سريعاً لحالة واحدة، علّها ترسم صورة توضيحيّة نموذجيّة جديرة بالتأمُّل.

يُشبِه جابر عصفور، إلى حدّ ما، النمر الذي ظلّ يزمجر في قفصه. فنحن لا ننسى أن هذا الرّجل هو واحد من أبرز المثقفين العرب الذين نادوا بخطاب التنوير الذي تشهد عليه كتبه: ‘دفاعاً عن التنوير’؛ ‘التنوير يواجه الظلام’؛ ‘هوامش على دفاتر التنوير’؛ ‘أنوار العقل”.. الخ. وإن كان الفارق بين الكائنين (النمر وعصفور)، هو أن الأخير لم يعانٍ من جوع عقابيّ كالذي عرفه نمر الورق، حيث تسنّم الرّجُل مواقع عالية في عهد مبارك، من رئاسة المجلس الأعلى للثقافة، إلى رئاسة المركز القومي للترجمة، إلى احتلال منابر كثيرة فتحت صدرها له، في مصر ودول عربيّة شتّى. ومهما يكن، فإن إمكانياته الثقافيّة والشّخصيّة، وسعة اطّلاعه، أهلته إلى تحقيق نجاحات لا تُنكر في هذا المجال. غير أن سعة الثقافة، لا تبدو أنها تبلُغ دائماً مستوى الرؤية الصائبة التي تحول دون سقوط مثقف طموح لا يغالب ضعفه أمام مسأئل السلطة.. والمجد.. والمال.

قد لا نستطيع تتبُّع خريطة الطريق التي سار عليها عصفور منذ البداية وحتّى السقوط، لكن النهايات تأتي دائماً كحال البدايات، أو كما يقول الشيخ محي الدين بن عربيّ: ‘كلّ نهاية يصحبها حال البداية، لا يُعوّل عليها’. ونهاية عصفور لا شكّ في أنها صحبت حال بداياته. وهنا أستعيد حكاية الصديق إبراهيم نصر الله، (التي رواها في معرض حديثه عن سقوط عصفور وسقطته الأخيرة)، حول المثقف الذي عمل طويلاَ مع أجهزة السُّلطة في بلده، ثمّ ادّعى لأحد أركانها بأنه عمل معهم طويلاً دون أن يتغيّر. فأجابه المسؤول: ‘أنت لا تستطيع أن ترى كم تغيّرت، فنحن الذين نرى ذلك’. فهل تغيّر عصفور إلى حدّ الدخول في وزارة سلطة طاغية، في لحظة كانت فيها آيلة للسقوط؟!

هناك رواية أخرى، لا أملُّ من تكرارها، قد تتقاطع أو تفترق مع السّابقة، وقد تجيب على السؤال، تقول: سئل أحد قادة ثورة عربيّة بلغت الحكم: ‘لماذا يتغيّر الناس عندما يصلون إلى السلطة’، فأجاب: ‘إنهم لا يتغيّرون، ولكن معرفتنا بهم هي التي تزداد’. لسوء حظّ عصفور أن زمنه في السُّلطة الثقافيّة (الوزارة) كان أقصر من رفّة جناح عصفور، فحال ضيق الوقت دون أن يستمتع بغواياتها التي لا تقاوم، ومع ذلك فقد كان كافياً لأن نعرفه تماماً، وبما فيه الكفاية. فرغم كلّ ما يملكه من خطاب تنويري صارخ، إلاّ أن أنوار السلطة الساطعة التي تأخذ الأبصار وتعمي القلوب، أسدلت ستائرها على عينيه وقلبه، فظنّ (وكلّ الظن هنا إثم خالص)، أن الحكومة التي دخلها باعتبارها ‘حكومة ائتلاف وطني’، كانت حكومة الحزب الوطني (الذي كان المتظاهرون يصفونه بالحزب ‘الواطي’، وأفرط جابر عصفور في هجائه له في ‘الأهرام’، بعد انتصار الثورةً). فهل ضلّل أحمد شفيق العصفور وقال له أنه ينتمي سرّاً إلى الحزب الشيوعي المصري، مثلاً؟! أكان لا بدّ يا شفيق أن تضيء النور؟! وتكشف وزارتك التي استماتت في محاولة إعادة إحياء الماضي وهو رميم، وإرجاع مبارك إلى صباه؟!

لقد خيّب النوع الرديء، المغشوش، الذي يملكه عصفور من ‘أنوار العقل’، ظنِّ من أحسنوا به الظّن، فلم تحل ‘أنواره’ دونه والهرولة إلى وزارة تعارض الإرادة الشعبيّة وتُبنى كيانها على حافّة جرفٍ من النّار. كما أنها لم تنفعه بعد محاولة العودة اليائسة بعد السقوط الأخير. فها هو التنويري، الذي لم ير مشهد ‘التحرير’ ولم يسمع هتافاته، وظلّ حتى لحظته الأخيرة في السلطة سائراً عكس تيار النيل العظيم، المنادي بإسقاط الطاغية رمز الفساد وسيِّده الكبير، قادراً على أن يروِّج لنظريّة ‘البطانة الفاسدة’، فيعترف أنه كتب، مع استقالته، رسالة إلى السيِّد الرئيس: ‘أنبهه فيها إلى رموز الفساد’؟! (جملة تنويريّة تبعث فينا ضحكاً كالبكاء). لم تكن طريق عصفور إلى الوزارة بعيدة عن طريقه إلى القذافي. فإذا أردت أن تعرف الطريق إلى وزارة ثقافة ‘شفيق يا راجل’، عليك أن تعرف الطريق إلى جائزة ‘القذافي القاتل’. وكلنا بات يعرف ‘زحف’ عصفور المقدّس إلى جائزة رفضها كاتب إسباني شريف هو خوان غويتسولو، لأنها تحمل اسم دكتاتور ليبيا. أمّا عصفور، فقد ظهر في ‘اليوم السابع’ المصرية، كأنما لسان حاله يقول: ‘ما فهيمتونيش’، فهو (يتبرأ) من اسم الجائزة ولا (يتبرّع) بقيمتها الماديّة. فيا لسمعكم الثقيل ولغتكم الخفيفة التي لا تُفرِّق بين ‘التبرؤ’ و’التبرُّع’! ؟. يقول: إن ‘الغوغائيين والمجانين’، (حسب وصفه، لا للقذافي، وإنما لبعض الناس ‘الباحثين عن بطولات’ في المجتمع المصري)، يطالبونه برد الجائزة: كيف أعيدها (قيمتها 150 ألف يورو) وهي ‘منحة من الشعب الليبي لي’، يقول عصفور لا فضّ فوه، مضيفاً إن ‘أيّ رفض لقيمة الجائزة إهانة لمباديء الجائزة’. والحقيقة أنه لم يُضف: وإهانه لمباديء القذافي وكتابه الأخضر. لا شك في أن العصفور يعرف سكّة السلامة ولا يعرف سكّة الندامة. فها هو يمضي متأبياً الاقتداء بفنانات شجاعات من أميركا وكندا، هنّ: ماريا كاري، نيللي فورتادو، وبيونسيه، اللواتي تبرّعن لجمعيات خيريّة بملايين الدولارات التي تقاضينها من عائلة القذافي لقاء حفلات أحيتها العائلة الشغوفة بالفنّ والابداع. فحاشا وكلا أن يتشبّه مثقّف تنويري بالنساء، خاصّة من ذوات الفنّ والطّرب.. والميوعة!

؟ وأمّا الادعاء بجهل الطريق إلى إعادة قيمة الجائزة، فنقول له أن إقامة مركز ثقافيّ في مسقط رأسه، أو أيّة قرية مصريّة، أو المساهمة في إنقاذ مئات آلاف المصريين الهاربين من جحيم العقيد، صاحب الجائزة وحامل اسمها، أولى من إعادتها للدكتاتور. لكن يبدو أن عصفور ما زال مصرّاً على مواصلة رفع شعاره المجيد: ‘عُضّ قلبي ولا تعضّ جيبي’! لقد خلق الله الكون في ستّة أيّام، وفي اليوم السّابع استراح. أمّا العصفور، فقد أبى أن يستريح، وتجلّى في يومه السّابع، مواصلاً إمعانه في تقليد الأصوات نفسها، التي قلّدها ذلك النِِّمر وهو يمضي في مآله.. نحو يومه العاشر[email protected] * شكر واجب: أتقدّم بالشكر لقارئي المواظب، المثقف المغربي هشام بن الشاوي، الذي زودني بمادة ‘اليوم السابع’ (1/3/2011)، وحثني على كتابة هذه المقالة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية