مروان العياصرة الحالة الشعبية العربية الراهنة، التي لم يسبق أن عاشتها من قبل، فضحت الزمن الرأسمالي الذي أرخى سدول ليله الكئيب على انفاس الناس، بما اقترف سدنة الرأسمالية من جنون المادة الذي حول الحياة إلى قيمة تمويلية، كما حول الإنسان إلى سلعة وسيلة إنتاج كالآلة، وعامل سخرة بلا مواربة، فتقلصت قيمة الفرد ـ الإنسان، واختصرت مسيرة كبيرة من عمر الإنسانية، بقول أونوريه جابرييل المشهور بالكونت دي ميرابو، حين اختصر كل ما انجزه الإنسان بقوله ‘توجد ثلاثة اختراعات عظيمة، هي الكتابة والنقود والجدول الاقتصادي’، وليس هذا فحسب، بل إن العالم اليوم كنتيجة للرأسمالية تحول إلى نظام كارتل، أعطى الفرصة للشركات الكبرى أن تقتسم العالم والإنسان معا، كسلعة أو ملكية خاصة، بابتزاز مقيت وحرية مزيفة.
الأنظمة العربية ليست رأسمالية بقدر ما هي حارسة من حراس الرأسمالية، بما تمتلك من مقومات مادية كبيرة، وصناديق الثروة السيادية العربية تشهد على أنها كانت وما زالت مؤسسات تابعة للحكومات وتستخدم أموال شعوبها في عمليات الاستثمار ذات الأمد الطويل خارج دولها، بلا أي مردود، إلا على اقتصادات الدول المتقدمة التي تستوعبها بجشع مقيت، حيث تشكل نسبتها حوالي نصف قيمة وموجودات الصناديق السيادية العالمية، بما يعادل حوالي 1779 مليار دولار.
كما هو حال رأس المال باعتباره جبانا، فإن الرأسمالية تعتبر نظرية جبانة، وتخسر من قيمتها مع أي تهديد، فكيف يمكن أن يكون جبنها في حال الثورات العربية الحالية، والصورة واضحة من خلال ارتفاع اسعار النفط وانخفاض الاسهم والهروب إلى أصول الذهب، والتضخم والركود، كل هذه حركات رأسمالية جبانة، تنبئ عن أن هذه الرأسمالية قائمة على الجشع وعلى حساب ويلات الشعوب وأوجاع الناس، ولأن هذه الرأسمالية المعاصرة التي تآكلت معها كل الطبقات الوسطى في العالم، خاصة العالم الثالث، فإنها لم تكن ذات تأثير سلبي على مستوى الاقتصاد فحسب، بل تعدى ذلك إلى المستويات الثقافية والاجتماعية وما يتصل بهذين المستويين من مسائل حقوق الإنسان وكرامة الفرد، وبدلا من أن تصبح الحياة مع ما قدمه العلم من تطورات أكثر تمكينا وأعلى قيمة وجودة، فقد أصبحت بفضل الرأسمالية الجشعة ونظامها الكارتيلي المتوحش أكثر تعقيدا وظلما واستهانة بالقيمة العليا للإنسان لكونه إنسانا، ولذلك فإن من خرج في ثورة تونس ومصر وليبيا واليمن وغيرها، لم يخرج لمجرد أنه جائع، بل خرج أيضا لأن ثمة ما هو أسمى من الغذاء، وهو الحرية والكرامة والعدالة والمساواة التي شوهتها وطحنتها آلة الرأسماليين العمياء، التي لا ترى غير عوائدها الربحية.
الاحتكارية الرأسمالية انجزت مشروعها على أحلام الناس البسطاء والمعدمين، وعلى صمت العاجزين الذين فاض بهم ما ولدته هذه الاحتكارية الرأسمالية من كراهية في نفوسهم لما آلت إليه حالهم من تردٍ مادي ومعنوي، وفقدانهم الإحساس بالحياة الحرة الكريمة، وشعورهم بجدواهم وبأنهم عبء على الحاضر والمستقبل، فإنه ولأجل كل هذا فإن هذه الجموع من الشعوب تنجز الآن مشروعها في الحرية والكرامة والعدالة والعيش الكريم، بفضح النظم السياسية المتعفنة جراء تقادمها وتراكم مخلفاتها من الاستبداد.
وبفضح الزمن الرأسمالي الذي أصبح اكثر هشاشة وضعفا بعدما أوهنت قوته ثورة العقارات الطاحنة التي أصابت الاقتصاد العالمي بشلل وألحقت به خسارات فادحة، إنهما ثورتان تكادان توديان بالنظرية الرأسمالية الاحتكارية الجشعة، وتضعانها على سطح ساخن، لتواجه جدلا حاداً بجدواها وقدرتها على تحمل الأزمات التي صنعتها وكرستها في العالم، إنها تصل اليوم إلى حالة من الإفلاس توجب على سدنتها وحراس فكرتها أن يقتنعوا بهذا قبل فوات أوانهم، وقد فات فعلا، فالتغيير الذي تنادي به هذه الثورات التي ليس من المتوقع أن تتوقف، بعدما أدركت الشعوب حدود قدرتها وتأثيرها، ليس تغييرا على مستوى النظم السياسية القائمة فحسب، بل وعلى مستوى النظام الاقتصادي (الرأسمالي)، وعليه، فإن ثورات الشعوب يجب أن تبقى ممسكة بزمام تقدمها، وليس لها أن تقف في المنتصف.’ كاتب أردني