الرياض ـ وكالات: ساد الهدوء معظم المدن السعودية الجمعة بعد أن فشلت محاولات تنظيم تظاهرات يوم الغضب في نحو 17 مدينة سعودية باستثناء تظاهرة شارك فيها عشرات انطلقت بعد صلاة الجمعة من مسجد أئمة البقيع في الاحساء شرق السعودية إلا أن قوات الأمن فرقتهم ولم ينتج عن ذلك أية إصابات. وقال مسؤول سعودي، لوكالة الأنباء الألمانية ‘د.
ب.
أ’، إن اكتشاف السعوديين لأولئك الذين يقفون وراء الدعوة إلى تظاهرات كانت سببا رئيسيا في إحجام السعوديين عن المشاركة. وكانت وسائل إعلام غربية كشفت انه تبين بعد البحث في ‘فيس بوك’ أن من يدعم هذه الحملة هو مواطن في سهل نينوى بالعراق والمعارض السعودي سعد الفقيه المقيم في لندن وآخر مصري الجنسية يدعى ‘صبيح’ وآخر يدعى ‘الوسمي’ إيراني الجنسية. وقالت مصادر سعودية أن عشرات المتظاهرين خرجوا في مسيرة سلمية من مسجد أئمة البقيع في الاحساء شرق السعودية إلا أن قوات الأمن فرقتهم ولم ينتج عن ذلك أية إصابات.
وفي القطيف المجاورة عمد بضعة أشخاص إلى تكسير واجهات لمحال تجارية وتم القبض على مرتكبيها من قبل قوات الشرطة.
وتتمركز الشرطة حاليا في ساحة القلعة وسط القطيف، تحسبا لأي تظاهرات محتملة وسط انتشار أمني وتحليق مروحيات في سماء الأحساء والقطيف وحي العنود بالدمام على ارتفاعات منخفضة.
يأتي ذلك عقب مظاهرة شارك فيها نحو 200 شخص شهدتها مساء الخميس مدينة القطيف (شرق) أصيب خلالها ثلاثة من المتظاهرين بإصابات خفيفة نتيجة إطلاق رصاص من قبل قوات الأمن وتم نقلهم إلى المستشفى العسكري في الظهران وسط إجراءات أمن مشددة فيما أصيب رجل أمن من قوات الطوارئ الخاصة وجرى نقله بطائرة الإخلاء الطبي إلى الرياض.
وأكدت مصادر أمنية سعودية انه تم تعزيز الإجراءات الأمنية حول شركة ‘ارامكو’ السعودية ومنشآتها النفطية بالمنطقة الشرقية تحسبا لأية أعمال تخريبية. وأكد مصدر أمني أن الإجراء الأمني الأخير’اعتيادي في مثل هذه الظروف’ في إشارة إلى الدعوة إلى تسيير مظاهرات. وأضاف’رغم أن دعوة تظاهرة يوم الغضب لم تنجح وانقلبت إلى يوم الرضا إلا أن إجراءاتنا الأمنية مستمرة ولن نتهاون فيها’. وارامكو السعودية الحكومية من اكبر شركات النفط في العالم وتم تأميمها بالكامل عام 1988ومن أعمالها التنقيب والإنتاج، والتكرير والتوزيع، والشحن، والتسويق.
وتحتل المرتبة الأولى في العالم في مجالات احتياطيات النفط الخام وإنتاجه.
من جانبه، قال شاهد عيان، لـ(د.
ب.
أ)، إن قوات الأمن السعودية انتشرت بعد ظهر الجمعة بكثافة على جانبي طريق العليا في حي العليا الراقي شمال العاصمة السعودية خصوصا عند المجمعات التجارية وتقاطعات الشوارع. وأضاف الشاهد أن ‘ قوات الأمن سمحت في خطوة حضارية لرجال الصحافة والتلفزيون بتغطية عملية المراقبة ونقاط التفتيش التي أقامتها القوات على جانبي الطريق’. كما لوحظ وجود رجال الأمن مدججين بجميع أنواع الأسلحة خاصة خلف المباني على جانبي الطريق. ورفض مسؤول أمني التعليق على الوجود المكثف لقوات الأمن بهذه الطريقة في هذه الأماكن واكتفى بالقول إنها ‘إجراءات أمنية احترازية’. وقال شاهد العيان إن طائرات الهليكوبتر تجوب سماء العاصمة الرياض وخصوصا في الشمال وهو المكان الذي حدده بعض الشباب الذي كان ينوي الخروج للتظاهر على شبكات الإنترنت. في غضون ذلك، تركزت خطبة الجمعة التي ألقاها مفتي عام المملكة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ على ‘حرمة الخروج على الحاكم’ حيث أكد انه مادام يحكم بشرع الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويقيم حدود الله فإن الخروج عليه حرام. واطلقت مجموعة من الناشطين نداء عبر موقعي فيسبوك وتويتر الى التظاهر في حي شمال العاصمة السعودية بعد صلاة الجمعة. وشملت الدعوة مدنا اخرى من بينها جدة غرب المملكة والدمام في الشرق. ويطالب هؤلاء الناشطون باقامة مؤسسات منتخبة بدلا من مجلس الشورى الذي يعين الملك اعضاءه، والحكومة التي يبت الملك ايضا في تعيين اعضائها. ولم تسجل اي تظاهرات في الرياض. وصباح الجمعة تمركزت عشرات من سيارات الشرطة في منطقة العليا بشمال العاصمة واقيم حاجز على الاقل للتحقق من هويات المارة على الشارع الرئيسي للمنطقة. وذكرت السلطات السعودية مرارا خلال الايام الاخيرة بحظر التجمعات والتظاهرات في المملكة وبان الشرطة مخولة التدخل لفرض احترام القانون. ولا تشاطرهم واشنطن هذا الموقف. فقد صرح بين رودس كبير مستشاري الرئيس الامريكي باراك اوباما للسياسة الخارجية ‘سندعم مجموعة من المبادئ العالمية في كل دولة في المنطقة’، مؤكدا ان بلاده ستدافع عن ‘المبادئ العالمية’ مثل الحق في التظاهر. واضاف ‘سنواصل بالطبع متابعة الوضع عن كثب’. ومن هذه القيم ‘الحق في التجمع بشكل سلمي وفي حرية التعبير’. ويطالب الناشطون الذين يقفون وراء الدعوات الى التظاهر ويقيم مععظمهم في الخارج، بالافراج عن المعتقلين السياسيين، وبحرية التعبير والتجمع في المملكة. كما يطلبون رفع الحد الادنى للاجور الى عشرة آلاف ريال (2667 دولارا) واستحداث وظائف للسعوديين في بلد تقدر نسبة البطالة فيه باكثر من عشرة بالمئة وبثلاثين بالمئة بين الشباب الذين تتراوح اعمارهم بين عشرين وثلاثين عاما. وكان العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز (86 عاما) اعلن عند عودته الى المملكة بعد غياب ثلاثة اشهر لاسباب صحية عن سلسلة من الاجراءات الاجتماعية تبلغ قيمتها اكثر من 35 مليار دولار. وفي الاطار نفسه، اعلنت دول الخليج امس انها ستنشئ صندوقا للتنمية بقيمة عشرين مليار دولار لمساعدة البحرين وسلطنة عمان البلدين العضوين في مجلس التعاون واللذين يشهدان احتجاجات شعبية. وكانت الشرطة تدخلت مساء الخميس لتفريق تظاهرة لمئات الاشخاص يطالبون بالافراج عن سجناء في القطيف في المنطقة الشرقية الغنية بالنفط التي يشكل الشيعة غالبية سكانها. وقال شهود عيان ان ثلاثة متظاهرين شيعة جرحوا عندما اطلقت الشرطة السعودية النار اثناء محاولة تفريق التظاهرة. لكن مسؤولا سعوديا قال ان متظاهرا اطلق النار على الشرطة. واضاف هذا المسؤول ان ‘الرجل جرح واعتقل’. ويشكل الشيعة 10′ من سكان السعودية وهم يشكون من التهميش. وعلى الرغم من قلقهم من أن يمتد الحماس الثوري الى مناطق أخرى بالشرق الأوسط فإن مسؤولي المخابرات والأمن القومي الأمريكيين يعتقدون أن السعودية أقل عرضة لخطر الاضطرابات من جيرانها.
وتوفر السعودية 12 في المئة من احتياجات الولايات المتحدة من النفط الخام وهي موطن أقدس المواقع الإسلامية كما أنها حائط الصد في مواجهة النفوذ الإيراني في الخليج ومن شأن اي اضطرابات بها أن تترك آثارا فورية ومدمرة على المصالح الأمريكية.
ويشير تحليل لمؤسسة ريموند جيمس وشركاه للاستشارات المالية الى أن وقف إنتاج السعودية من النفط بالكامل قد يرفع الأسعار الى 200 دولار للبرميل على الأقل ويسبب نقصا هائلا. لكن التحليل أشار الى أن احتمال حدوث هذا خمسة في المئة.
ويتفق مسؤولون أمريكيون حاليون وسابقون على أن احتمال حدوث اضطرابات كبيرة في المملكة التي تحوي اكبر احتياطيات للنفط الخام في العالم ضئيل.
وقال مسؤول أمريكي إن واشنطن تراقب الاحتجاجات عن كثب لكن الخبراء الحكوميين الأمريكيين لا يعتقدون أن الاضطرابات الحالية تمثل تهديدا كبيرا لاستقرار السعودية. وقال المسؤول الذي طلب منه تقييم للاحتجاجات ‘لا أحد في هذه المرحلة… يعتقد أن النظام السعودي سيسقط () او في اي وقت قريب’. وأضاف ‘مقارنة بأشياء نجا منها (النظام) في الماضي فإننا لم نقترب من هذا بعد’. وقال مسؤول أمريكي آخر إنه ‘لا توجد مؤشرات’ على انتشار اضطراب وشيك بالمملكة على نطاق واسع مشيرا الى أن الحكومة لديها موارد اكثر من اي دولة أخرى تواجه اضطرابات كما تتمتع بسيطرة محكمة على كل أراضيها تقريبا بما في ذلك المناطق التي يغلب على سكانها الشيعة. وأضاف المسؤول أن السعودية تستخدم المال مع مواطنيها حتى يرضوا بالوضع القائم فلا تفرض ضرائب ولديها نظام كبير للرعاية الاجتماعية.
ويقول مشككون إن رياح التغيير التي هبت على العالم العربي قد تصل الى المملكة في نهاية المطاف غير أن المسؤولين الأمريكيين يقولون إنه ليس هناك مؤشرات على هذا في الوقت الحالي.
وقال مسؤول أمريكي ثالث ‘المملكة تواجه بعضا من نفس المشاكل الاجتماعية التي يواجهها معظم الشرق الأوسط ومنها تزايد أعداد الشباب والبطالة لكن ثروة البلاد توفر مصدا لا بأس به للشعب’. ورغم أن السعودية ملكية مطلقة وأجهزة أمنية لا تعرف الهوادة وصف خبراء حكم آل سعود بأنه نظام سياسي موثوق به ومتأصل اكثر من النظامين اللذين كانا في مصر وتونس. ولا تنفصل شرعية الأسرة الحاكمة عن المؤسسة الدينية التي تدعمها ولهذا فإن النتيجة مجتمع اكثر استقرارا من جيرانه.
ويقول تشاس فريمان السفير الأمريكي السابق لدى السعودية والدبلوماسي المتقاعد ‘المملكة لديها تقاليد سياسية محلية مستقرة نوعا ما. إنها متفردة’. واستطرد قائلا ‘هذا يعطي للمكان درجة من الأصالة والصمود والمناعة ضد بعض العلل التي تؤثر على بقية العالم العربي’. وهناك عوامل تزيد من تعقيد تقييم المخاطر من بينها الشكوك المحيطة بصحة الملك عبد الله وولي عهده الأمير سلطان وعملية الخلافة من بعدهما التي يشوبها نوع من الغموض والتي ستحددها هيئة البيعة التي أنشأها الملك.
وقال بروس ريدل خبير شؤون الشرق الأوسط السابق بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي.
آي.
ايه) إن على الرغم من أن النظرية التقليدية هي أن السعودية غير معرضة للاضطرابات فإن المملكة نفسها تبدو الآن قلقة. وقال ريدل ‘بالنسبة لي هذا يعني أن الأسرة السعودية الحاكمة قلقة… اذا أصبحت احدى الممالك الخليجية دستورية فأين سيتوقف الأمر؟’. وقال توبي جونز استاذ التاريخ بجامعة راتجرز إنه لا توجد وسيلة للتكهن بما اذا كان من المرجح حدوث اضطرابات كبيرة لكنه أضاف ‘إذا سألت نفسي هل هناك في رأيي احتمال ولو ضئيل بأن يحدث هذا.. سيكون الرد نعم بالقطع.
وقال جونز ‘هناك درجة لا يستهان بها من خيبة الأمل في السعودية منذ فترة طويلة.
وأضاف ‘السعوديون غاضبون مما يعتبرونه فسادا في ظل إسراف الأسرة الحاكمة. وبالتالي هناك أسباب قوية لغضب الناس تجعل من الوارد جدا تعبئتهم. واستطرد قائلا ‘إنها لا تختلف بهذا الصدد… عن اي مكان آخر في العالم العربي.
ويقول خبراء أمريكيون إن المنطقة الأكثر عرضة للاضطراب السياسي في السعودية هي المنطقة الشرقية الغنية بالنفط حيث يعيش معظم المنتمين للأقلية الشيعية. ومنذ مولد الدولة السعودية الحديثة لم تتأثر الأسرة الحاكمة بأي تحديات واجهتها.
ومن بين هذه التحديات اغتيال الملك فيصل على يد ابن أخيه عام 1975 وحادث احتلال الحرم المكي والهجمات التي شنها تنظيم القاعدة على العاصمة الرياض وجدة وعلى منشآت نفطية في عامي 2003 و2004 . ويقول جون الترمان من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إن الأسرة الحاكمة لها تاريخ من القدرة على التعافي بعد الانتكاسات.
وأضاف الترمان العضو السابق بفريق تخطيط السياسات بوزارة الخارجية الأمريكية ‘من الصعب جدا المراهنة على عدم استقرار السعودية. الحقيقة أنهم واجهوا تحديا خطيرا بعد عام 2003 وأعادوا تنظيم أنفسهم وهم أقوى بسببه’. وقال روبرت جوردان الذي كان سفير الولايات المتحدة لدى المملكة عامي 2001 و2002 ‘قيل أكثر من مرة على مدى الأعوام الثلاثين الماضية إن أسرة آل سعود في خطر وتكهن البعض بنهايتها. وفي كل مرة يثبت خطأ هذه التكهنات’. واستطرد قائلا ‘إنهم بارعون للغاية في القدرة على البقاء’.