ذبح الشعب الليبي معاداة للاستعمار؟

حجم الخط
0

حسام الدين محمد

استقطبت انتفاضة الشعب الليبي ضد سلطة العقيد معمر القذافي، مع انطلاقتها في اغلب المدن الليبية، بما فيها طرابلس العاصمة (باستثناء مدينتي سرت وسبها، المعقلين القويين للقذافي) رأيا عاما عربيا وعالميا مؤيدا لها، وقرأنا مئات التحليلات عن دكتاتورية القذافي وأسرته، وسيطرتها على مقدرات البلاد السياسية والاقتصادية. ما لبثت بعد ذلك ان ظهرت مقالات أخرى محذرة من الحظر الجوي والتدخل الأجنبي ومخاطر ذلك على ليبيا والمنطقة. الأسباب التي استندت اليها هذه الآراء المحذرة من التدخل الاجنبي يمكن تلخيصها بالتالي:

ـ التجربة الدموية للعالم العربي والاسلامي مع التدخل الامريكي في افغانستان والعراق.

ـ الدعم الأمريكي الفاضح لاسرائيل.

ـ موقف الدول العربية الخليجية الرافضة للتدخل الأجنبي (وحتى العربي) عندما يتعلق الأمر باسرائيل.

ـ ان التدخل هدفه تأمين صفقات كبيرة لشركات الاسلحة والنفط الغربية.

تكشف هذه النقاط بحقّ، التناقضات التي تغلّف توجهات بعض الدول الغربية للتدخّل في ليبيا، وتربطه بمخزونها النفطي الكبير، الذي عادة ما يعتبر السبب الأول لرغبة هذه الدول في التدخل، كما انها تكشف التخاذل الامريكي والخليجي العربي كلما تعلّق الأمر بحروب اسرائيل ضد المنطقة وشعوبها، كما حصل في لبنان والهجوم على غزة، اضافة الى رغبة الدول الغربية استغلال الوضع المتفجر لتحسين اقتصاداتها، خصوصـــا شركات السلاح والنفط فيها.

وتطالب المقالات المحذرة من التدخل الاجنبي الثوار الليبيين بالرفض المطلق لأي تدخل عسكري خارجي، من جهة، وتبدي ثقتها في الشعب الليبي بتحقيق الانتصار على نظام القذافي، من دون اي مساعدة خارجية، من جهة أخرى.

قوة القذافي الداخلية تتضمن القبائل المؤيدة التي تسيطر على بعض المدن المهمة، وعلى رأسها طرابلس العاصمة، وتتضمن ترسانته أسلحة طيران ومدفعية ودبابات وقادة عسكريين نظاميين، اضافة الى اجهزة امنية باطشة تراقب الاتصالات وتعتقل من تصل اليه من المحتجين او المناهضين او الثوار، وأجهزة اشارة تشوّش على الفضائيات، واجهزة هندسة تضع الألغام، اضافة الى اجهزة اعلامية واموال هائلة ما تزال بحوزته، واخيرا هناك الأجهزة الرديفة من لجان ثورية وغيرها.

لا يخفى ايضا ان عددا من الدول العربية تقوم بتأييد القذافي وتساعده بشكل او بآخر، ولوحظ ايضا تعاطف روسيا والصين معه، الذي يتبدى اعلاميا وسياسيا بأكثر من طريقة.

باستثناء التأييد الشعبي الكاسح في المناطق التي يسيطرون عليها، وتعاطف الرأي العام العربي والعالمي، والكثير من دول المنطقة والعالم الغربي عموما، فان الثوار، على الأرض، لا يمتلكون غير بعض الاسلحة الخفيفة والدبابات ومضادات الطيران.

وقد لعبت الخطابات الأولى التي القاها سيف الاسلام ومعمر القذافي دورا كبيرا في ارهاب الكثير من الليبيين، خصوصا في المناطق التي تنتشر فيها قوات عسكرية كبيرة موالية للقذافي، واذا اضفنا الى ذلك ردوده القمعية الهائلة، فان كل ذلك خلق رد فعل عالميا كبيرا ضده ساهم في القرارات التي صدرت عن مجلس الأمن ومحكمة الجنايات الدولية.

امام استراتيجية البطش التي اتبعها القذافي في طرابلس، ومع صمود تحالفاته القبلية في مدن مثل سرت وسبها، وزحفه لاستعادة المناطق التي تحررت من سلطته، لم يكن امام المنتفضين في المدن المحررة الا اللجوء لتنظيم آلية مستعجلة للدفاع عن النفس، باستخدام الأسلحة الخفيفة التي غنموها وبادارة قيادات عسكرية انضمت للثوار ومتطوعين للدفاع عن هذه المدن، وهو الأمر الذي خلق حالة غير مسبوقة في سياق حركة الثورات العربية التي ابتدأت في تونس وانتقلت الى مصر واليمن وبلدان اخرى.

رغم البطولات الفردية والروح المعنوية العظيمة فان موازين القوى في معركة مثل هذه مختلة بشكل كبير لصالح القوات المناصرة للقذافي، وهو ما يطرح معضلة حقيقية امام الثوار الذين رفضوا غريزيا اي تدخل خارجي.

القذافي في سنواته الأخيرة قام بتطبيع علاقاته مع الغرب، وكشف كل اوراقه لحماية مصالحه، وكانت سياساته – التي أدت الى اشكال عديدة من التدخلات الخارجية والمصائب الضخمة التي تحملها الشعب الليبي وحده – انتهت بما يمكن اعتباره اتفاقا على اطباقه على عنق الشعب الليبي مقابل تأمين المصالح الغربية.

متشبثا بكرسي السلطة ومحضرا اياها ليرثها ابناؤه، اقام القذافي علاقات ‘مميزة’ مع زعماء العالم الغربي، وسلّم ملفاته الاقتصادية لشركات، لا تخطئ العين معاني اختيارها واسبابه، مثل علاقته بعائلة روتشيلد في اوروبا، وعلاقاته بأشخاص من طراز توني بلير وريتشارد بيرل وبيتر ماندلسون، وكذلك الأمر في ما يتعلق بشركات العلاقات العامة والاستثمار في امريكا.

في ظل تركيز الثروة الليبية في يد القذافي وابنائه والتصرف بها كما يشاء، لا نعلم تحت اي نمط من انماط المحلي او الوطني يمكن تصنيف هذا الحكم تحت خانته، وفي ظل الخراب الرهيب الذي تعيشه ليبيا وتدهور المرافق الصحية والتعليمية، لا ندري ما هو الفرق بين الحكم الوطني للقذافي وعائلته والاحتلال الخارجي؟

لا ينطبق المثالان العراقي والأفغاني بالضرورة على الحالة الليبية، فكرزاي والجلبي وامثالهما تم تدجينهم وتدريبهم في مختبرات الاجهزة الغربية، وقدموا الى بلادهم على ظهور الدبابات.

الليبيون شعبّ اشمّ وقوي وقد ثاروا على حاكم لا نظير له، واذا كان هناك اشخاص ذوو ارتباطات في الخارج يحاولون امتطاء الحركة الثورية فهذا لا يعني انهم قادرون على تحديد حركة الداخل والاستيلاء على شعلتها.

نحن في حالة سياسية غير مسبوقة ولا يجوز قياسها بغيرها، واذا كان عرب الخليج لم يتحمسوا لغزة او جنوب لبنان، كما يفعلون اليوم مع ليبيا، فهذا، لا يمكن تبريره بالتأكيد ويضع اشارات استفهام على ردود فعلهم على ما يحصل، لكن سياسات دول الخليج نحو القذافي ونظامه لا يمكن تفسيرها بالعلاقة مع الغرب فحسب، فهناك عداء تاريخي معلوم بـــين السعودية والقذافي، كما يمكن قراءة الأمر كصــراع بين الأنظمة الملكية والأنظمة الانقلابية.

على اية حال فالمسألة هنا هي، هل المطلوب من الدول الخليجية ان تقوم بدعم القذافي لتثبت عدم تعاونها مع الغرب؟

ومن ناحية أخرى هل يتنافى نقد دول الخليج على تقاعسها في دعم صمود غزة ولبنان مع تأييدنا لدعمها للشعب الليبي ضد دكتاتورية القذافي؟

طروحات الذين رفضوا التدخل الخارجي هي طروحات وطنية، من دون شك، لكنها لا تقدم جوابا على المشكلة الاخلاقية العظيمة التالية:

ما هو الثمن الذي سيدفعه الشعب الليبي لو ان قوات القذافي قامت باستعادة السيطرة على كل شبر ودار وزنقة في ليبيا؟ وهل سيؤدي ذلك الى ايقاف ربيع العرب الثوري الذي ابتدأ بتونس ومصر، ويفتح المجال لطغاة آخرين لذبح شعوبهم ان ثارت عليهم؟

نحن نعرف الحيثيات البشعة التي نتجت عن احتلال العراق، لكننا لا نعلم حقيقة الحيثيات التي سيقود اليها دعم خارجي لثورة شعبية في ليبيا، وبالتالي فان نقد التدخل الخارجي فحسب هو ترف لا يستطيع الشعب الليبي تحمله، وهو يشبه ترف القذافي حين وضع الاف الفلسطينيين في صحراء ليبيا طالبا منهم مواجهة اسرائيل، وكذلك طلبه، من خيمته البعيدة في ثكنة العزيزية، من الفلسطينيين اثناء حصار بيروت 1982 البقاء في المدينة حتى الموت وعدم مغادرتها.

بعد اعوام طويلة على تغني القذافي بانجازاته، وخصوصا منــــها النهر الصــــناعي ‘العظيم’، يبدو انه يريد ان ينهي مشواره المرعب الذي بدأ عام 1969 بانجاز أخير: نهر صناعي عظيم… من دماء شعبه.’ كاتب من سورية يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية