آفاتار: عبث الرغبة في الاحتلال والسيطرة على الطبيعة

حجم الخط
0

أحمد عمرحكاية فيلم افاتار الحائز جائزة (الغولدن غلوب) للمخرج جيمس كاميرون مخرج فيلم ‘تيتانك’ الرومانسي عام 1997، تختصر بالمثل المصري ‘تجي تصيده يصيدك’ فجيك سولي (الممثل سام ويزينغتون) أو ‘الكولومبس الأزرق’ في ‘ارض الحليب والعسل’ على كوكب باندورا؛ هو مخلص شعب الافاتار المنتظر. يأتي بغاية ثم ينقلب عليها.. المخلص ليس ابيض هذه المرة، لكنه من صنع البيض، نصفه بالمخلص لأن الطبيعة تحتفي به وترسل علامات وإرهاصات نبوية، مثل سقوط الأزهار عليه وهو يتمتع بشجاعة فائقة، وهو الوريث الشرعي للجد الأكبر لشعب النافي فهو مروض طائر التاروك الديناصوري (يتصف المقاتل الأبيض بالجبن فهو لا يقاتل إلا في قرى محصنة أو من وراء جدران). المخلوق العلمي الخيالي الذي دسّه برنامج تنمية الموارد البشرية الأمريكي المسمى بالافاتار على شعب النافي لمعرفة أسرارهم ونقاط ضعفهم وقوتهم. افاتار مصطلح من الديانة الهندوسية ينم عن الحلول الإلهي، حسب معتقداتهم، في جسد كائن حي. يتسلل ‘سولي’ إلى شعب النافي ويطلب التعلم من الصبية ناتيري التي تقع لاحقا في حبه. تقول سيدة التنين له: (الكأس الممتلئ صعب ملؤه) لكن جيك سولي الذي تلقبه ‘ناتيري’ بالأحمق، هو ‘ابن أنبوبة’ بالمصطلح الطبي، فهو كائن شبه معقم مع انه مزود ‘بهارد وير’ مارينزي وكان الزعيم الفيتنامي هو شي منه عندما دخل مراكز الجيش الأمريكي في سايغون المليئة بالأجهزة قد وصف الأمريكيين، وهو يرى كل تلك الأجهزة التي تدير حياتهم وتتحكم بها: الآن عرفت لماذا انتم حمقى.

لقد علمتنا المخترعات العلمية الحقيقة والخيالية أنها غير وفية بدءا من وحش فرانكشتاين وقنبلة نوبل وانتهاء بجيك سولي.. مهما يكن فإن فيلم افاتار يجسد الكثير من أحلام الغرب وأفكار وقيم ما ‘بعد الحداثة’ و’نهاية التاريخ ‘، ففي نهاية التاريخ يبدأ تاريخ آخر من جديد، والحقيقة أن تخلي جيك سولي عن جسده الأبيض كان له مكاسب نفعية ولم يكن تضحية خالصة، فجيك سولي كائن مؤقت ذو مهمة ينتهي عمره عندها.. كان يمكن لمؤلف النص أن يخلص الشخصية من هذه الاحتمالات لكنها عقلية الأمريكي النفعية، فقد استبدل جيك سولي قدمين معطوبتين بذيل وهي’صفقة’ رابحة فضل فيها أن يكون قردا متطورا على أن يكون دودة بيضاء زاحفة. الفيلم يظهر أنماط تفكير الرجل الأبيض وأمراضه الفكرية والنفسية، فهو يكرر قصة وحش فرانكشتاين (لماري شيلي) لكن هذا الوحش الفرانكشتايني ايجابي، كما انه يعبر عن الميول الغربية الجديدة إلى الوثنية بعد أن اغتربت القيم المسيحية بسبب الإفراط في الإصلاحات الدينية وميكافيلية الكنيسة الغربية، ولنقل العودة إلى الطبيعة وعبادتها، أو إلى الديانات الخام كما فعل ريتشارد غير، الذي اختار الهندوسية، ومارلون براندو الذي اختار ديانة الهنود الحمر. إنها أسطورة العود الأبدي حسب مرسيا الياد.

يمكن بسهولة مقارنة آفاتار مع ‘الرقص مع الذئاب’ فقصته تشبهها إلى حد التطابق، الخلاف هو في التفاصيل والمكان والزمان، بل إن أسماء أفراد شعب النافي هي أسماء هندية (سيدة التنين مثلا) كما أن الهنود النظيفين كانوا يشتكون من نتن رائحة الأمريكي الأبيض، كما يحدث في هذا الفيلم. ويشبه كذلك ‘فيلم البعثة’، وفيلم ‘ماتريكس’ (المصفوفة) من حيث التقنيات كما انه يذكر بجول فيرن من حيث اختراق الزمن، فآلة الافاتار تخترق الأجساد والبرازخ، كما انه يتضمن مشاهد من ‘حرب النجوم’. الفيلم الامريكي بداهة يعني الحرب والقتال والصراع والمطاردات. اعتبر النقاد فيلم ‘الرقص مع الذئاب’ اعترافا متأخرا بالذنب عن إبادة القارة الهندية وتدمير حضارتها الزاهية، التي تقدمت على الغرب في كثير من المجالات، مثل الفلك والزراعة والهندسة، اللهم إلا في مجال القتل والإبادة، فعلوم الموت البيضاء فاقت علوم الحياة الهندية الحمراء. وإذا كان فيلم ‘الرقص مع الذئاب’ يكشف عن عقدة ذنب ‘الواسب’ الامريكي رغم محاولة الاعتذار الخجولة، فإن مشاهده ظلت تحتفظ بنظرته الفوقية العنصرية المركزية، ففي احد المشاهد يطلب ‘الراقص مع الذئاب’ قبعته من هندي استولى عليها، ونعتقد مع الروائي والكاتب لوكليزيو – وهو احد العاشقين لحضارة الهند المزركشة- أن الهندي يأبى تقلنس قبعة الأبيض، فهو سيغدو بها مهرجا، وفي مشهد آخر أكثر تركيبا يسرق الأبيض أخلاق الهندي وسلوكياته، هو مشهد الهندي الهارب من عري الرجل الأبيض (عند خروج الراقص مع الذئاب من النهر عاريا والعكس صحيح في ما نراه، فالهندي يعيش شبه عار) وفي هذا الفيلم لم ينج المخرج من هذه النظرة العنصرية رغم النهاية التي انحاز فيها لقوم النافي، وعلى الرغم من انتصار الطبيعة على الآلة (رواية موبي ديك لهرمان ملفل تقول ان الطبيعة لا يمكن قهرها وأنها تنتقم ولو بعد حين). لقد اختار المخرج أن يجعل لكائنات منطقة الاوماتيكايا في كوكب باندورا ذيولا وآذانا كآذان الخفاش! إنهم أنصاف حيوانات رغم أنهم ضخام الأجسام، وكان يمكن له أن يختارهم زرقا طوالا وحسب، لكنه أبى إلا انه يضع لهم ذيولا، كما نقرأ في النكات العنصرية عن العرب و الهنود الحمر الهمج.

يعكس هرب مخرج فلم التيتانك جيمس كاميرون إلى ‘الانيمشن’ وإلى فتوحات الكومبيوتر الجديدة وما تقدمه من إمكانات الخيال الجامح سعي الأبيض إلى الجديد وملله الدائم. فيلم الافاتار فيلم بيئة أيضا، وفيلم خيال وفانتازيا فهو يتخيل جزرا طائرة، وهو فيلم يدين جموح الإنسان الأبيض وعطشه إلى الاحتلال والسيطرة على الطبيعة غير القابلة للترويض. كلف الفيلم 237 مليون دولار حسب الموازنة المعلنة رسمياً، وهو فيلم سياسي استشراقي معكوس بالدرجة الأولى أنتج ما بعد الحادي عشر من ايلول/سبتمبر، وفيلم مايكل مور الوثائقي (11- 9 فهرنهايت)، فهو يستخدم مصطلح ‘الحرب على الإرهاب’، وغيرها من المصطلحات الحربية التعبوية، ولقد كان الشرق دائما في الفكر الغربي، والامريكي خاصة كوكبا آخر بعيدا مثل باندورا في عام 2154، الذي يبعد 4.3 سنة ضوئية عن الأرض، أما خامات المعدن TID Unobtainium الاسم الرمزي للبترول، بعد أن تم استنزاف الشركات لموارد الطاقة الأرضية حتى النهاية. باندورا في الأساطير الإغريقية هي حواء، وهو الاسم الذي يطلقه جيمس كاميرون في الفيلم على كوكب غني جداً بالحياة النباتية والحيوانية يعيش فيه شعب ‘النافي’ Navi الذي يعيش في تناغم مع الكوكب وكائناته، مثل شعب الهنود الحمر في قارة أمريكا. وقد استعان المخرج ببروفيسور لغويات لكي يطور لغة خاصة لشعب النافي، هي مزيج من اللغة الأمهرية المستخدمة في الحبشة، ولغة الماوري للسكان الأصليين في نيوزيلندا. و كان قد صدر كتاب من 224 صفحة في 24/11/ 2009 عن التاريخ الاجتماعي والحياة البيولوجية لكوكب باندورا الخيالي، أي قبل إنتاج الفيلم في 18/12/2009 في الولايات المتحدة. ‘افاتار’ فيلم ذو وظيفة تطهيرية وتنويرية، كما في نظرية الفن عند أرسطو، وقد التقط الفلسطينيون بذكاء رموز الفيلم ووظفوها في مظاهراتهم عند جدار الفصل العنصري، فلونوا أجسادهم بالأزرق، وهي رسالة سهلة الفهم من الجمهور الأبيض.

من الجدير بالذكر أن فيلم ‘أكاذيب حقيقية’ True Lies الذي أخرجه كاميرون عام 1994، كان معاديا للعرب والمسلمين، ومؤيدا للعمليات العسكرية الأمريكية الاستعمارية[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية