علي كنعانمن حق الكاتب أن يحلم ويعبر عن أحلامه بحرية مطلقة، وهو لا يملك غير هذه الأحلام العزلاء. لكن المشكلة أن الأغلال تحيط به من كل جانب وتحاصره بالمداهمات والشكوك والاتهامات الجائرة، ولا يلبث الجلادون الذين يلبسون أقنعة القضاة أن يتهموه بالعمالة للأجنبي والمتاجرة بمستقبل الوطن ومصير أبنائه. كيف تسامح الدين الحنيف إزاء موقف الإنسان من خالقه: ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) وأعمدة النظام العربي الاستبدادي لا يسمحون حتى بالسؤال وإبداء الملاحظة، فكيف باقتراف جريمة الارتياب والانتقاد والمساءلة؟! إن المقولة القديمة القائلة: إن العبيد لا يخسرون في ثورتهم سوى أغلالهم، تثبت من جديد مصداقيتها، وتؤكد ثورة الجماهير المسكونة بعشق الحرية في ميادين التحرير أنها الشعار المثالي الحكيم لتحقيق الآمال في العدل والمواطنة والمساواة.ربما كانت ثورة الشعب في ليبيا من أقسى مشاهد الدراما الوطنية الممهورة بالدماء في سبيل التحرر والخلاص من الظلم والطغيان، وهي لم تعد مقتصرة على هذا البلد الحبيب، بل أصبحت رمزا لجماهير الأمة جميعا وتطلعاتهم المشروعة في تحقيق الحرية والعدل والكرامة وسيادة القانون، بعيدا عن أقبية القهر والظلام وعصابات المافيا التي نهبت ثروات الوطن وسلبت المواطنين كرامتهم وجهودهم وأحلامهم. وإذا كان الأمل في باقي البلاد العربية، ومنها سورية، ما زال كبيرا بأن يتغلب الوعي والحكمة وفهم قوانين التاريخ على عشق السلطة وعصاب العبقرية الحزبية وحب التفرد والاستئثار بمفاتيح الحل والعقد، بعيدا عن معالجة مستقبل الوطن وبناء العملية الديمقراطية المنشودة، فإن الوقت لا يسمح بالتسويف والاسترخاء وانتظار الرياح الموسمية القادمة من الغرب.معروف جدا أن مصر غير تونس، اليمن غير ليبيا، سورية غير اليمن والسعودية والعراق، وبالتأكيد غير إيران الملالي، لكن هناك قوانين عامة تحكم حركة التاريخ في كل عصر ولا يمكن العبث بها، مهما كنا مولعين بالأمجاد الإمبراطورية، سواء كانت من طراز ستالين أو تشاوشسكو أو حتى الع’يد القذافي. وهناك أيضا خصوصية لكل بلد متمايزة عن البلد الآخر، إنما محكومة بالسياق العام وليست معزولة عنه أو استثناء من القاعدة. إننا لا نمارس هنا لعبة الكلمات المتقاطعة للتسلية وتزجية الوقت حتى نختلف على مواضع الحروف والنقاط وأشكالها في أسماء بلداننا. إن الاستبداد واحد كما هو حال الفساد، والمعاناة الشعبية متماثلة، وأحوال السجون والمعتقلات واحدة.. وكذلك عقلية المشرفين على هذه المرابع الخرافية متشابهة. وفي الضفة المقابلة، فإن عملية التغيير ـ وليس الترقيع بالإصلاح الشكلاني- صارت حتمية تاريخية، سواء أدركنا ذلك وفتحنا الباب واسعا للتشاور وتبادل الآراء في جو من التفهم الحضاري والاحترام المتبادل، طموحا وتفاؤلا بالوصول إلى الصيغة الوطنية المطلوبة في تغيير سلمي سلس وآمن، أو اكتفينا بتأمل وجوهنا في قاعة المرايا وأعشت أبصارنا وبصائرنا أضواء البهرجة والمهرجانات ودوختنا طبول المتزلفين الدجالين وهتافات المنافقين. قبل أكثر من خمسين سنة نشر المفكر العربي الرائد خالد محمد خالد كتابه ‘مواطنون لا رعايا’. ومن مرارة السخرية أن موجة الانقلابات العسكرية لتحرير فلسطين وأحلام حرق المراحل لبناء الاشتراكية، تلك الموجة العشواء حالت دون تحقيق التطور الطبيعي السليم، واغتالت أحلام الانتقال الحضاري السلس من واقع الراعي والقطيع إلى صيغة مقبولة من الحكم الديمقراطي، بحيث نصبح مواطنين محكومين بدستور وقوانين عصرية تراعي حقوق الفرد والجماعة والمؤسسات وواجباتها. لكن فرض الأحكام العرفية والمحاكم الاستثنائية وتأميم الإعلام وكتم الأنفاس وتعليب الفكر في قوالب الحزب الواحد، ذلك كله أدى إلى غياب المواطنة والعدل والمساواة وهو الذي أوصلنا إلى هذا المستنقع الوبيل. وهكذا انقلب كل شيء إلى نقيضه المأساوي المدمر، فلا حرية للمواطن ولا تحرير أرض محتلة، ولا إنجاز حد أدنى من التنسيق العربي على مستوى الأمة، ولا ضرورة لذكر الوحدة، ولا نجاح لمشاريع التنمية.. لا شيء تحقق غير تدجين الناس وبناء مزيد من السجون والمعتقلات، فضلا عن انتشار أمراض النفاق والقلب والسرطان.يتحدث السوريون عن انتخابات البرلمان في الشهر القادم. إنه مجلس الشعب ـ وفق التسمية الرسمية، ولا علاقة لجماهير الشعب بهذه المؤسسة إلا من حيث تشابه الحروف. النتيجة معروفة من الآن: واحد وخمسون بالمئة للحزب القائد ومعه الأحزاب الهامشية الملحقة به في الجبهة، ونسبة كبيرة من الباقين تضم مجموعة من الانتهازيين والوصوليين والمتسلقين. ولن يزيد عدد الوطنيين الشرفاء فيه عن عشرة بالمئة، في أحسن تقدير. وهذه النتيجة سوف تقررها مؤسسة الأمن التابعة لوزارة الداخلية، ويعلنها سيادة الوزير بصوته ـ لا فض فوه. ومن المؤكد أن من لا يسند ظهره إلى مسؤول حزبي أو أمني أو لص مليء في الرأسمالية المتوحشة.. لا يمكن أن يصل إلى هذا المجلس. والنكتة التي كانت تدور على كل لسان تقول: إن المكسب الأسطوري الذي سوف يحلم به كل عضو حملته الرياح إلى قاعة المجلس هو رخصة سيارة مرسيدس بلا رسوم جمركية، وذلك هو الإنجاز الوطني الفريد في هذه المؤسسة التشريعية العتيدة!ولنلتفت قليلا إلى الحزب القائد، حزب البعث العربي الاشتراكي، حيث كنا نهتف بحماسة لا تلين: ‘أهدافنا: وحدة، حرية، اشتراكية’! وبعد خمسين سنة من استلام الحكم، يكفي أن نتأمل رقعة الشطرنج العربية وما عليها من بيادق تنتظر من يحركها من وراء البحار، تلك هي خلاصة الوحدة. أما الحرية فقد قرأنا عليها الفاتحة منذ عهد بعيد، وما جرى في تونس ومصر، وما يجري في اليمن وليبيا والبحرين، مشاهد مسرحية لا تعنينا في ظل تألق الدراما في الفضائية السورية وحكيمها العبقري الذي أنهى اختصاصه الجراحي في إيطاليا. وليس من حقنا هنا أن ننسى روعة السينما الإيطالية ونجومها الوهاجة، والسينما غير المافيا بالتأكيد ولا يجوز الخلط بينهما.الحزب القائد لم ينشأ فيه أي مفكر سياسي جديد طوال خمسين سنة، إذا استثنينا الأحلام التي تراود بعض السفراء الذين زوَّقتهم باريس/ مربط خيلنا! والمنطلقات النظرية التي أسهم في صياغتها طارق عزيز ـ فك الله أسره – مع عدد من الرعيل القيادي الراحل هي أفضل ما في خزينة هذا الحزب من أفكار، وإن كان الزمن قد تخطاها. هل من حق الكاتب العجوز أن يحلم، وقد صار مستقبله وراءه؟! هذا بعض ما كان يردده للضحك والتسلية ذلك الشاعر الموسوعي الفقيد.دلال9/3/2011ثقافةتحت عنوانأحلام.. وأغلال080311عدد الكلمات: 888أحلام.. وأغلالعلي كنعانمن حق الكاتب أن يحلم ويعبر عن أحلامه بحرية مطلقة، وهو لا يملك غير هذه الأحلام العزلاء. لكن المشكلة أن الأغلال تحيط به من كل جانب وتحاصره بالمداهمات والشكوك والاتهامات الجائرة، ولا يلبث الجلادون الذين يلبسون أقنعة القضاة أن يتهموه بالعمالة للأجنبي والمتاجرة بمستقبل الوطن ومصير أبنائه. كيف تسامح الدين الحنيف إزاء موقف الإنسان من خالقه: ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) وأعمدة النظام العربي الاستبدادي لا يسمحون حتى بالسؤال وإبداء الملاحظة، فكيف باقتراف جريمة الارتياب والانتقاد والمساءلة؟! إن المقولة القديمة القائلة: إن العبيد لا يخسرون في ثورتهم سوى أغلالهم، تثبت من جديد مصداقيتها، وتؤكد ثورة الجماهير المسكونة بعشق الحرية في ميادين التحرير أنها الشعار المثالي الحكيم لتحقيق الآمال في العدل والمواطنة والمساواة.ربما كانت ثورة الشعب في ليبيا من أقسى مشاهد الدراما الوطنية الممهورة بالدماء في سبيل التحرر والخلاص من الظلم والطغيان، وهي لم تعد مقتصرة على هذا البلد الحبيب، بل أصبحت رمزا لجماهير الأمة جميعا وتطلعاتهم المشروعة في تحقيق الحرية والعدل والكرامة وسيادة القانون، بعيدا عن أقبية القهر والظلام وعصابات المافيا التي نهبت ثروات الوطن وسلبت المواطنين كرامتهم وجهودهم وأحلامهم. وإذا كان الأمل في باقي البلاد العربية، ومنها سورية، ما زال كبيرا بأن يتغلب الوعي والحكمة وفهم قوانين التاريخ على عشق السلطة وعصاب العبقرية الحزبية وحب التفرد والاستئثار بمفاتيح الحل والعقد، بعيدا عن معالجة مستقبل الوطن وبناء العملية الديمقراطية المنشودة، فإن الوقت لا يسمح بالتسويف والاسترخاء وانتظار الرياح الموسمية القادمة من الغرب.معروف جدا أن مصر غير تونس، اليمن غير ليبيا، سورية غير اليمن والسعودية والعراق، وبالتأكيد غير إيران الملالي، لكن هناك قوانين عامة تحكم حركة التاريخ في كل عصر ولا يمكن العبث بها، مهما كنا مولعين بالأمجاد الإمبراطورية، سواء كانت من طراز ستالين أو تشاوشسكو أو حتى الع’يد القذافي. وهناك أيضا خصوصية لكل بلد متمايزة عن البلد الآخر، إنما محكومة بالسياق العام وليست معزولة عنه أو استثناء من القاعدة. إننا لا نمارس هنا لعبة الكلمات المتقاطعة للتسلية وتزجية الوقت حتى نختلف على مواضع الحروف والنقاط وأشكالها في أسماء بلداننا. إن الاستبداد واحد كما هو حال الفساد، والمعاناة الشعبية متماثلة، وأحوال السجون والمعتقلات واحدة.. وكذلك عقلية المشرفين على هذه المرابع الخرافية متشابهة. وفي الضفة المقابلة، فإن عملية التغيير ـ وليس الترقيع بالإصلاح الشكلاني- صارت حتمية تاريخية، سواء أدركنا ذلك وفتحنا الباب واسعا للتشاور وتبادل الآراء في جو من التفهم الحضاري والاحترام المتبادل، طموحا وتفاؤلا بالوصول إلى الصيغة الوطنية المطلوبة في تغيير سلمي سلس وآمن، أو اكتفينا بتأمل وجوهنا في قاعة المرايا وأعشت أبصارنا وبصائرنا أضواء البهرجة والمهرجانات ودوختنا طبول المتزلفين الدجالين وهتافات المنافقين. قبل أكثر من خمسين سنة نشر المفكر العربي الرائد خالد محمد خالد كتابه ‘مواطنون لا رعايا’. ومن مرارة السخرية أن موجة الانقلابات العسكرية لتحرير فلسطين وأحلام حرق المراحل لبناء الاشتراكية، تلك الموجة العشواء حالت دون تحقيق التطور الطبيعي السليم، واغتالت أحلام الانتقال الحضاري السلس من واقع الراعي والقطيع إلى صيغة مقبولة من الحكم الديمقراطي، بحيث نصبح مواطنين محكومين بدستور وقوانين عصرية تراعي حقوق الفرد والجماعة والمؤسسات وواجباتها. لكن فرض الأحكام العرفية والمحاكم الاستثنائية وتأميم الإعلام وكتم الأنفاس وتعليب الفكر في قوالب الحزب الواحد، ذلك كله أدى إلى غياب المواطنة والعدل والمساواة وهو الذي أوصلنا إلى هذا المستنقع الوبيل. وهكذا انقلب كل شيء إلى نقيضه المأساوي المدمر، فلا حرية للمواطن ولا تحرير أرض محتلة، ولا إنجاز حد أدنى من التنسيق العربي على مستوى الأمة، ولا ضرورة لذكر الوحدة، ولا نجاح لمشاريع التنمية.. لا شيء تحقق غير تدجين الناس وبناء مزيد من السجون والمعتقلات، فضلا عن انتشار أمراض النفاق والقلب والسرطان.يتحدث السوريون عن انتخابات البرلمان في الشهر القادم. إنه مجلس الشعب ـ وفق التسمية الرسمية، ولا علاقة لجماهير الشعب بهذه المؤسسة إلا من حيث تشابه الحروف. النتيجة معروفة من الآن: واحد وخمسون بالمئة للحزب القائد ومعه الأحزاب الهامشية الملحقة به في الجبهة، ونسبة كبيرة من الباقين تضم مجموعة من الانتهازيين والوصوليين والمتسلقين. ولن يزيد عدد الوطنيين الشرفاء فيه عن عشرة بالمئة، في أحسن تقدير. وهذه النتيجة سوف تقررها مؤسسة الأمن التابعة لوزارة الداخلية، ويعلنها سيادة الوزير بصوته ـ لا فض فوه. ومن المؤكد أن من لا يسند ظهره إلى مسؤول حزبي أو أمني أو لص مليء في الرأسمالية المتوحشة.. لا يمكن أن يصل إلى هذا المجلس. والنكتة التي كانت تدور على كل لسان تقول: إن المكسب الأسطوري الذي سوف يحلم به كل عضو حملته الرياح إلى قاعة المجلس هو رخصة سيارة مرسيدس بلا رسوم جمركية، وذلك هو الإنجاز الوطني الفريد في هذه المؤسسة التشريعية العتيدة!ولنلتفت قليلا إلى الحزب القائد، حزب البعث العربي الاشتراكي، حيث كنا نهتف بحماسة لا تلين: ‘أهدافنا: وحدة، حرية، اشتراكية’! وبعد خمسين سنة من استلام الحكم، يكفي أن نتأمل رقعة الشطرنج العربية وما عليها من بيادق تنتظر من يحركها من وراء البحار، تلك هي خلاصة الوحدة. أما الحرية فقد قرأنا عليها الفاتحة منذ عهد بعيد، وما جرى في تونس ومصر، وما يجري في اليمن وليبيا والبحرين، مشاهد مسرحية لا تعنينا في ظل تألق الدراما في الفضائية السورية وحكيمها العبقري الذي أنهى اختصاصه الجراحي في إيطاليا. وليس من حقنا هنا أن ننسى روعة السينما الإيطالية ونجومها الوهاجة، والسينما غير المافيا بالتأكيد ولا يجوز الخلط بينهما.الحزب القائد لم ينشأ فيه أي مفكر سياسي جديد طوال خمسين سنة، إذا استثنينا الأحلام التي تراود بعض السفراء الذين زوَّقتهم باريس/ مربط خيلنا! والمنطلقات النظرية التي أسهم في صياغتها طارق عزيز ـ فك الله أسره – مع عدد من الرعيل القيادي الراحل هي أفضل ما في خزينة هذا الحزب من أفكار، وإن كان الزمن قد تخطاها. هل من حق الكاتب العجوز أن يحلم، وقد صار مستقبله وراءه؟! هذا بعض ما كان يردده للضحك والتسلية ذلك الشاعر الموسوعي الفقيد.