كمال زايتالجزائر ـ ‘القدس العربي’ قالت مصادر دبلوماسية فرنسية لـ’القدس العربي’ ان التحضير جار للذكرى الخمسين لاستقلال الجزائر، التي ينتظر أن يتم الاحتفال بها العام القادم، مشيرة إلى أن السلطات الفرنسية تريد أن تخلد هذه الذكرى لكنها لا تدري بأي طريقة يمكنها القيام بذلك، خاصة في ظل رفض الطرف الجزائري أي مبادرة فرنسية في هذا الشأن.
وأشارت المصادر التي فضلت عدم الكشف عن هويتها أن مرور نصف قرن على استقلال الجزائر ‘ليس بالحدث السهل بالنظر إلى الماضي المثقل بذكريات الفترة الاستعمارية’، موضحة في المقابل أن اقتراحات كثيرة مطروحة من الجانب الفرنسي من أجل جعل هذه الذكرى نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة، لكن الطرف الجزائري ليس متحمسا لأي مبادرة فرنسية في هذا الاتجاه، على اعتبار أن الذكرى جزائرية ولا دخل لفرنسا القوة المستعمرة السابقة فيها. وذكرت أن الموضوع شائك وملغم حتى في فرنسا، لأن هناك شرائح واسعة في المجتمع الفرنسي لم تهضم بعد استقلال الجزائر، وخاصة في أوساط المعمرين الذين تم ترحيلهم بعد الاستقلال وهم المسمون بـ’الأقدام السوداء’، وهو ما يزيد في الحرج الذي تجد فيه الحكومة الفرنسية نفسها، على اعتبار أنها لا تريد، حسب المصادر ذاتها، أن تتحول الذكرى إلى فرصة للتباكي على الجزائر المفقودة. وكان عبد العزيز بلخادم وزير الدولة والممثل الشخصي للرئيس الجزائري قد اعترض بشدة على موضوع احتفال فرنسا بمرور نصف قرن على استقلال الجزائر، مؤكدا على أن هذا الحدث يخص الجزائريين وحدهم، وأن أي محاولة لكتابة التاريخ بمنظور فرنسي مرفوضة. وعلى جانب آخر ذكرت المصادر ذاتها أن العلاقات بين البلدين خرجت من النفق المظلم الذي كانت قد دخلت فيه قبل سنتين تقريبا، مشيرة إلى أن استئناف زيارات الوزراء والمسؤولين الفرنسيين منذ الخريف الماضي خير مؤشر على تحسن العلاقات، وأن هناك زيارات أخرى مبرمجة لوزراء جزائريين إلى فرنسا، مثل وزير الصناعة وترقية الاستثمار محمد بن مرادي في شهر نسيان/ أبريل القادم، كما وجهت الدعوة لزيارة باريس أيضا لوزير الاتصالات موسى بن حمادي.
وأوضحت أن جولة جديدة من المفاوضات بين الجزائر وفرنسا ستنطلق خلال الأيام القادمة لمراجعة اتفاقيات 1968 المتعلقة بالهجرة ووضعية الجزائريين المقيمين بفرنسا، علما وأن الحكومة الفرنسية تحاول منذ فترة إقناع نظيرتها الجزائرية بضرورة إجراء عملية تحيين على هذه الاتفاقيات، في حين يرفض الطرف الجزائري هذا الاقتراح، لاقتناعه بأن باريس تريد التراجع عن بعض الامتيازات الممنوحة للجزائريين في إطار هذه الاتفاقيات. وسيشرف على هذه الجولة الجديدة من المفاوضات من الجانب الفرنسي ستيفان فراتاتشي الأمين العام السابق لوزارة الهجرة والهوية الوطنية التي ألغيت في التعديل الحكومي الذي أجراه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي على حكومة فرانسوا فيون في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، وستجري هذه المفاوضات في العاصمة الجزائرية.
وأكدت المصادر نفسها أن هناك امتيازات أخرى يمكن للجزائريين الاستفادة منها، والتي أضحت ممكنة بفعل التطور الذي حصل في قوانين الهجرة، وأنه في حال ما إذا لم يتم تعديل هذه الاتفاقيات سيظل الجزائريون محرومين منها، مشددة على أن الحكومة الفرنسية تريد أيضا الحصول على تسهيلات بخصوص حرية تنقل الأشخاص وإجراءات الحصول على التأشيرات والإقامة في الجزائر بالنسبة للفرنسيين.
وذكرت أن الكثيرين صفقوا عند إلغاء وزارة الهجرة والهوية الوطنية في الخريف الماضي، ولكنهم لم يتنبهوا إلى أن مجموع الصلاحيات التي كانت لدى هذه الوزارة انتقلت بشكل كلي إلى وزارة الداخلية الفرنسية، التي أصبحت تسير ملف الهجرة والإقامة فوق التراب الفرنسي وموضوع تنقل الأشخاص والتأشيرات، وأن الداخلية بحكم مهمتها الأولى ستتعامل بمنطق أمني محض في المقام الأول، خلافا لوزارة الهجرة أو لوزارة الخارجية التي كانت تتولى بعض الصلاحيات المتعلقة بهذا الموضوع. وأكدت على أن موضوع ترحيل الجزائريين المقيمين بصفة غير شرعية على التراب الفرنسي يطرح إشكالا بين البلدين، موضحة أنه قبل عام 2008 كانت الأمور تسير بشكل إيجابي نوعا ما، ولكن بعد هذا التاريخ توقفت العملية تقريبا بشكل نهائي، بعد أن توقف القنصليات الجزائرية في فرنسا عن التعاون مع السلطات الفرنسية من أجل ترحيل الجزائريين المقيمين بصفة غير شرعية، مشيرة إلى أنه بالرغم من أن السفير الفرنسي الحالي اكزافييه دريانكور التقى مع وزير الداخلية السابق نور الدين يزيد زرهوني ومع المدير العام السابق للأمن علي تونسي، إلا أن الوضعية بقيت على حالها.