تلميع لضباط اجهزة الأمن وتقديم صورة ذميمة للاسلاميينأحمد الغريبأمر طبيعي أن تساهم الدولة في إثراء الحياة الفنية، وأن تدعمها وتنفق عليها، لكن بهدف إعلاء الكثير من القيم والمبادئ النبيلة، مثل الوطنية والبطولة وغيرها من الصفات الجميلة التي يجب أن يتحلى بها أبناء أي شعب كريم حر. لكن غير الطبيعي أن يكون الفن بوابة لتمرير مفاهيم مغلوطة، وأن يكون ممراً لتجميل صورة قبيحة وذميمة، وهو الأمر الذي تجسد وبقوة من خلال ما جرى عرضه على شاشات التلفزيون والسينما في مصر، عبر استخدامهما كأداة لتحسين صورة ضابط أمن الدولة المعروف ببطشه وجبروته وسطوته وتكبره وغروره، ليس فقط مع سائر أفراد الشعب ولكن مع أصدقائه الذين لم يحالفهم الحظ للعمل بجهاز مباحث أمن الدولة، فالكل يهابه ويخشى منه ومن قوة نفوذه.
وعلى مدار ثلاثة عقود لعب الفن في مصر دورا غريبا وعجيبا في تكريس صورة ذهنية مخالفة للواقع، بل لا تمت له بأي صلة، فالجميع يعلم حقيقة تلك الشخصية التي سعت كي تلعب دور الحاكم بأمر الله، حيث يسمح لها أن تبطش وتعذب وتسفك الدماء وتعتقل وتتجبر على خلق الله وكل ذلك بحجة حماية أمن الوطن والوطن منهم براء.
كنا جميعا ننتظر شهر رمضان بفارغ الصبر لكي نتابع أحدث ما ينتجه التلفزيون المصري من مسلسلات تجسد شخصيات من ملفات المخابرات العامة المصرية، كي نستمتع بحب الوطن ونفكر كيف نكون أبطالاً مثل هؤلاء الرجال الذين يعملون في الظل كي يفتدوا الوطن بأرواحهم، كانت البداية مع مسلسل ‘جمعة الشوان، ثم رأفت الهجان، والعميل 1001 والثعلب’، وكذلك أفلام عدة من بينها ‘إعدام ميت وبئر الخيانة والصعود للهاوية’، وجميعها قصص مستوحاة وبحرفية عالية من ملفات المخابرات العامة المصرية.
وقبل هذا كنا ننتظر من عام لعام ولا زلنا أفلام بطولات حرب أكتوبر التي وعلى الرغم من أننا نحفظها عن ظهر قلب إلا أننا نشعر حينما نعيد مشاهدتها بتجدد دماء حب الوطن في عروقنا، وذاك هو الفارق الرهيب والشاسع بين من يقدم لنا واقعا قائما على ثوابت وحقائق، ومن يصنع لنا واقعا مزيفا لا يمت للحقيقة بصلة، واسألوا في ذلك ضباط أمن الدولة أنفسهم.
رأينا بأعيننا واقعا جميلا يدفعك لحب الوطن والعمل على خدمته مهما كلفك ذلك من مشقة وعناء، وتمنى كل واحد فينا أن يتحمل ولو قدرا قليلا من أي عمل يعبر من خلاله عن اخلاصه وحبه للوطن.
وفجأة ومن دون سابق إنذار وجدنا أنفسنا أمام مسلسلات وأفلام تحاول تكريس صورة ذهنية لشخصية ضابط أمن الدولة، الذي يسهر على أمن بلاده ويعمل من أجل حماية أراضيه من الإرهابيين والحمقى ومن يعملون في الظلام.
ومع دخول مصر في دوامة الصراع بين النظام السابق والجماعات الإسلامية، ظهرت شخصية ضابط أمن الدولة وبقوة حيث يعمل ضباط هذا الجهاز على مكافحة الإرهاب وملاحقة كل من تسول له نفسه أن يعبث بأمن الوطن، ووسط هذا أراد البعض التودد إلي جهاز أمن الدولة وتقديم صورة الضابط المثالي المدافع عن أمن وطنه وبلاده.
وعن نفسي كنت أمقت هذا النوع من المسلسلات والأفلام، حيث كانت نفسي تحدثني عن رفض هذه الصورة وتجبرني على لعن من حاول أن يعبث بعقلي وعقل غيري، خاصة من البسطاء الذين يلتفون حول شاشات التلفزيون ويصدقون وهم لا يعقلون.
فعلى سبيل المثال شاهدنا جميعاًَ قبل سنوات فيلم ‘اللعب مع الكبار’ للفنان عادل أمام والفنان حسين فهمي الذي لعب دور ضابط أمن الدولة الوقور الهادئ الطباع، الذي يسعى للحفاظ على أمن البلاد ويعمل جاهداً من أجل الوصول للحقيقة، لم نشاهد تعذيبا ولم نشاهد سحلا، بل شاهدنا شخصيات مثالية تتعامل بكل ما تحمله معاني اللياقة والأدب من معنى.
مثال آخر شاهدناه في مسلسل ‘يتربى في عزو’ لمؤلفه السينارست يوسف معاطي، وهو شخصية النقيب حسام عزو التي جسدها الممثل الشاب ياسر جلال، فطوال أيام الشهر رمضان الكريم تابعناها بما تحمله من تكبر وغرور غير مبرر، وبدا الأمر وكأنه من المفروض علينا جميعاً أن نقبل هذه الشخصية المغرورة المتغطرسة لكونه ضابط أمن دولة يعلم ما لا يعلمه الآخرون.
والغريب في الأمر أن مؤلف المسلسل نفسه أكد في سياق حوار له مع صحيفة ‘المصري اليوم’ إبان عرض المسلسل أنه استعان بضباط كثيرين من أمن الدولة، بخصوص دور النقيب حسام، حيث حصل منهم على معلومات عن طريقة التعامل مع القضايا ومع رؤسائهم، وعن طريقة جلوسهم ونوع البدل، وأوقات ارتداء الكرافتات وكلها معلومات دقيقة ساهمت في رسم الشخصيات.
وفي حينه خرج علينا اللواء فؤاد علام، نائب رئيس جهاز مباحث أمن الدولة الأسبق، ليؤكد لنا أن ظهور جهاز أمن الدولة بشخصياته ليس جديداً على الدراما التلفزيونية فقد سبق وظهر الجهاز في أكثر من عمل، وسبق أيضاً وظهر الرئيس السادات والرئيس عبدالناصر وحتى بوش نفسه، وبالطبع كانت محاولة يائسة لتمرير هذا النوع من الفن المدلس.
وخلال شهر رمضان الماضي وقبل اجراء انتخابات مجلس الشعب المزورة الأخيرة تحملنا عناء مشاهدة مسلسل ‘الجماعة’ الذي تعرض لقصة حياة حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، وكتبه وحيد حامد، وبالطبع كان الهدف هو تكريس صورة قبيحة وذميمة لجماعة الإخوان المسلمين، ودفع المشاهدين لكراهية الجماعة عبر تشويه متعمد وقاس لتاريخها، حتى لو اختلفنا على بعض تفاصيله.
المثير للدهشة هو تأكيد الدكتور سيد خطاب، رئيس هيئة الرقابة على المصنفات الفنية، أن مسلسل الجماعة لم يتم عرضه على الهيئة، وأنه فُوجئ بالشركة المنتجة تقوم بتصويره؛ وهو ما دفعه إلى الاستفسار عن المسلسل، وكيف بدأ تصويره من دون عرضه على الهيئة، ولم يرد إليه ردٌّ رسميٌّ، وإنما قِيل له شفهيًّا: ‘ملكش دعوة بالمسلسل ده.. بيتصور بناء على تعليمات من جهاز مباحث أمن الدولة، ولا علاقة لأية جهة رقابية مهما كانت بإنتاجه’. قائلاً فى معرض تعقيبه على وجود ‘إسكربت’ للمسلسل داخل مقر أمن الدولة بمدينة نصر: إن جهاز أمن الدولة كان يتدخل في كل جوانب الحياة ويحد من حرية الإبداع، وكان يمنع أي فنان من الحصول على تصريح تصوير قبل الاطلاع على المشهد وما به، وأعطى لنفسه الحق في مساومة القائمين على العمل بعدم إظهار الشرطة في أي مشهد من الممكن أن يسيء إليها، وإلا لن يعطي لهم التصريح، ومشيراً إلى أن الرقابة كانت موضوعة من قِبل الدولة لتكون هي الحائط الأعلى الذي يهاجمه المبدعون بعيدا عن الدولة أو الهجوم عليها؛ ولكن جاء جهاز أمن الدولة ليرفض أعمال المبدعين التي توافق عليها الهيئة، ومطالباً بوضع قانون جديد يحمي حرية الإبداع والتفكير من دون الصدام مع قيم المجتمع وثوابته، في ظل وجود المادة الثانية من الدستور؛ التي تجعل من الإسلام الحاضن لكل الأفكار والمعتقدات والتناقضات، كما أن الإسلام له القدرة على احتواء كل الألوان والأطياف.
وبالطبع كان هناك العديد من المسلسلات والأفلام التي حاولت تكريس الصورة الزائفة لبطل ضابط أمن الدولة، لكن لا يتسع المجال هنا لذكرها، ولكن ربما جاء هذا المقال ليكون مقدمة لفتح باب المناقشة في وسائل الإعلام للوقوف على حقيقة ثلاثين عاماً من التدليس والتزييف المتعمد وإجبار المشاهد على قبول صورة جيمس بوند الشاشة المصرية، أي ضابط أمن الدولة، وأعتقد أن هذا الأمر كرس عملية صناعة شعب خائف يهاب من دون أدنى وجه حق هؤلاء الضباط ويخشى من مجرد ذكر لفظ أمن الدولة، وكأن الهواء يلتقط تلك الكلمة ويصعد بها لسموات هؤلاء الزبانية لكي تعود لتقتص منه ومن أمثاله.
أخيرا كان من العيب على البعض أن يقبل أن يكون ممراً لتجميل صورة هي قبيحة في الأصل لا تقبل التجميل، ولا يمكن لها أن تكون جميلة وهو الأمر الذي لن نقبله من الآن فصاعداً.
فمصر الجديدة التي نريدها… وطنية تتحلي بأجمل الصفات والقيم النبيلة وكم فيك يا مصر من الشخصيات التي نريد أن نعرف تفاصيلها كي نقتدي بها ونسير على دربها وهديها، ووداعاً لمسلسلات أمن الدولة ومرحباً من جديد بفن حب الوطن.
كاتب مصري