قراءة التاريخ وتعاطي الكيف

حجم الخط
0

أصبحت قراءة كتب التاريخ أشبه بتعاطي الكيف، تضيع الحقيقة في بحور من الظن والاحتمالات، فالمؤرخ لدينا لا يكتب التاريخ، بل يصنعه، ينسفه، يفككه ويعيد تركيبه، يلونه برؤيته، فقد أصبح مفكرا، يحمل فكرا، ويسعى لإثباته، بدلا من أن يستقرأ الواقع ليخرج لنا بمنظار جديد نفهمه على أساسه، وقد أصبح كذلك مخرجا، يمارس فن المونتاج فيختار تلك الواقعة – على ما تحويه من هشاشة ـ لأنها تتفق مع الرسالة التي يريد إيصالها، ويهمل تلك – على عظم شأنها – لأنها تافهة تنقض المبدأ الذي خرج به، تقوض بناءه، وهو مازال قيد الإنشاء، وفي النهاية عندما يقتنع القارئ المسكين لكتب التاريخ بما وصله، يصعب عليه أن يصدق عكسه فيما بعد، وتندرج أي رؤية أخرى لديه تحت بند الحاقدين والمشككين. وكاتب التاريخ عاطفي أيضا في أحكامه، عاطفي لحد التطرف، فالحاكم إما نبي ملهم، بطل مناضل، لا يأتيه الباطل من بين يديه، وأخطاؤه كلها سببها الآخرون وإما خائن عميل، مستعمر، مخطئ دائما، وإن أصاب فليس لشيء فيه، لكن لمن حوله من رجال ذوي كفاءة، وهكذا تصبح كتب التاريخ ملاحم من الكذب، واللعب بالألفاظ وظلال الكلمات، فلا النضال نضال، ولا البطولة بطولة، ولا الخيانة خيانة، هذا عن التاريخ المعاصر الذي ما زال عطره ودمه ورصاصه تتردد في النفس والذاكرة حارت بحكاواه، فما بالنا بالتاريخ منذ آلاف السنين؟ فهل نثق في ضمير مؤرخينا؟ هل نثق؟ محمود طارق الدمرداش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية