جولة في معرض الرياض للكتاب: ضياع الشعر وسط زحام الروايات والكتب الدينية

حجم الخط
0

معتز طوبرفي الطريق الى معرض الكتاب في الرياض كان عليّ أن أقطع مسافة ساعة بالسيارة من مدينة ‘الخرج’ باتجاه الشمال الغربي. على جانبي الطريق مزارع نخيل كثيرة وهي أشبه بنقاط سوداء وسط صحراء مترامية الأطراف، إلا أنها تنتشلك في كثير من الأحيان من هذه الوحشة الحارة التي تكاد أن تطبق عليك في لحظات شرودك وهي تتعارك مع مرايا الغيب ولامرئيات صحراء الربع الخالي بثيمات من ذيول الحياة. في طريقي وقبل أن أصل الى لافتة مكتوب عليها ‘هيت’ ربما كانت بلدة صغيرة، أشاهد على اليمين مزارعَ لتربية الخيول وعلى اليسار بمسافة قصيرة يوجد بازار للإبل وهو كبير جدا يصح أيضا لحلبات سباق خاصة بالإبل، يصل سعر الجمل أو الناقة الى مليون ريال أو أكثر ومعيار الشراء هو الجمال (بفتح الجيم) قبل القوة والسرعة حسب ما تتناقله الألسن. وهذه اللافتات التي كتب عليها ‘هيت’ و ‘بدع بن عرفج’ و’ العماجية’ و ‘السيح’ و’ وادي الدواسر’ وغيرها الكثير أصبحت تكر كشريط سينمائي حتى في نومي أو أثناء مشاهدتي للافتات الزرقاء في الأفلام السينمائية الأجنبية… صمت وسكون مطبق مغلف بغبطة على الطريق يقودني بسرعة باتجاه المعرض.

كعادتي عندما أصل الى معرض الرياض اتجه مباشرة الى دار التكوين السورية، تربطني بهذه الدار عاطفة غامضة لا عقلانية ومحترقة أحيانا ربما لأنها نشرت كتابي الأول عام 2003م أو ربما لأنني أعرف صاحب الدار الذي اعتاد دائما أن يقابلني بوجه بائع ناشف وأقابله بوجه ساذج مغتبط يمتص حتى رواسب القيعان من الأفكار الجاهزة المملحة بالنميمة. توجد عناوين كثيرة لدى الدار، ادونيس وسعدي يوسف.. الخ. كان صاحب الدار قد حصل على وكالة خاصة بنشر أعمال سعدي يوسف جميعها الشعرية والمترجمة. أقرأ على الرفوف ‘أوراق العشب’ لويتمان ترجمة سعدي يوسف. قلت: من غير المعقول أن يكون كتاب ‘أوراق العشب’ بهذا الحجم فقط سيما وأنه يضم كل ما كتبه ويتمان، لكنني بررت تصرف سعدي يوسف بترجماته كما يفعل دائما وحبي لترجماته أيضا على الرغم من إصرار صاحب الدار على رأيه بأن هذا هو ‘أوراق العشب’ فقط. و تجد ترجمته ‘وداعا للإسكندرية التي تفقدها’ لكفافي بلونها الأزرق الظليل. كفافي الذي دمر بلدانا في دواخلنا ‘من دمر حياته هنا فقد دمرها أينما ذهب’ سوف لن يتعرف على شكل الخراب الذي حلّ في هذا العالم لو قدر لشبحه ان يرفرف بجناحي ملاك في هذا العالم من جديد، ترجمها هنا سعدي يوسف ‘وكما خربتَ حياتك هنا / في هذه الزاوية / فهي خراب أنى ذهبت. تقرأ أيضا ‘إيماءات’ لريتسوس صاحب القصيدة اليومية الرائعة التي تركن الى نبض ظل مهمل في شارع مشمس إنها تفصيلٌ عملاقٌ في وكر جماعة من النمل. ريتسوس الأب الشعري لسعدي يوسف عندما يكتب هذا الأخير قصيدته بأكثر اللحظات قربا منه.(لا أخفي غبطتي بنظافة المعرض ودرجة التنظيم العالية فيه متناسيا الفوضى والغوغائية التي حدثت في اليوم الأول من قبل بعض المحتسبين والاعتراضات الكثيرة عليها. حتى ان معظم الصحف الرسمية في السعودية استنكرت هذه الفوضى) فاذهب مباشرة الى جهاز الكمبيوتر الموجود ابحث عن العناوين التي خططت لشرائها من المعرض، عملية البحث رائعة في الجهاز توفر الوقت والجهد فالمعرض كبير جدا ودور النشر كثيرة جدا. بحثت عن الكثير من الكتب. عن طريق الجهاز حصلت على كتاب ‘مرايا فرانكشتاين’ لعباس بيضون، كتاب يقارب السيرة الذاتية للشاعر ويؤرخ لها كما قرأت عنه. واحصل على كتاب ‘فيزيك’ لحسن داوود اشتريتهما من ‘دار الساقي’ باعني إياهما بسعر مرتفع جدا بالمقارنة مع احد أصدقائي السعوديين ولا ادري لماذا؟ يالله كم أحببت محمد وطفا إحدى قصص ‘فيزيك’ عندما قرأتها لأول مرة إنها الأفلمة بمعنييها العامي والسينمائي عندما يكتبها حسن داوود والزعبرة في ارض الواقع عندما تروى كحكاية او تسفسط بين الناس (من السفسطة). عملية البيع والشراء عرض وطلب كما يروِّج لها الناشرون، والأسعار ترتفع وتنخفض باجتهاد من البائعين أنفسهم ومن الصعب أن تكون هناك مراقبة على البيع فالطاسة تضيع كما يقول المثل في هذه الزحمة الشديدة وتهافت الناس على الشراء، إضافة الى أن الناشرين يستغلون القوة الشرائية في سوق السعودية. عدا عن أنهم يريدون تعويض خسارتهم في معرض القاهرة فزادت الأسعار واستغلت الدور الرغبة في الشراء فزاد الجشع في البيع والبكاء عند الشراء وزاد معها أيضا تلميح أصحاب الدور إلى أن هذه الصناعة خاسرة بابتسامة في الحلق من الصعب إخفاؤها ولو تستروا عليها.

كنت أنوي أيضا اقتناء بعض ترجمات سامر أبو هواش للشعر الأمريكي من ‘دار الجمل’ ولكن الدار مُنعت من المشاركة، العام الفائت قرأت تشارلز سيميث وبوكوفسكي ضمن السلسلة الشعرية تلك. قرأت في بداية التسعينيات بوكوفسكي ‘كلب من جهنم’ في ترجمات غير كاملة في مجلة مغربية تسمى ‘إسراف’ إذا لم تخني الذاكرة ولا ادري هل توقفت ام ما زالت تصدر. وعلى ذكر ‘دار الجمل’، في بداية التسعينيات أحببت كتاب ‘عيون فكرت بنا’ لخالد المعالي ولكن لا اخفي غبطتي أنني لا أراه الآن لأنني كرهت كثيرا أن يتحول شاعر الى بائع وبائع من تحت الطاولة. إنه أمر مذل… لماذا؟ وربما هذا هو سبب المنع، البيع من تحت الطاولة! في الماضي ‘قرفتُ’ من شيوعي يتحول الى تاجر لأنه يعرف لعبة رأس المال جيدا وبيده أن يكون تاجرا طاغية أما الشاعر فالأمر محيّر. أذكر أن الروائي السعودي عبده خال قاطع المعرض، لم أقرأ أسباب مقاطعته للمعرض ولكن ربما بسبب روايته ‘ترمي بشرر’ التي كان من المفترض أن تعرض في ‘دار الجمل’. الكتب الشعرية لـ ‘دار الغاوون’ موجودة في زاوية بعيدة ومعتمة في جناح ‘دار بيسان’ أسعارها مرتفعة جدا إذ طلب مني البائع 40 ريالا ً ثمن كتاب ‘رسائل حب الى زهرة الارطانسيا’ فلم اشتره وهو مقاطع شعرية على طريقة الهايكو اليابانية، لا تخرج ومضاته الشعرية من النظر الى الطبيعة كمركز الكون تلك الصفة الشعرية التي تدور حولها شعرية الهايكو عامة فنحن لن ننسى أزهار الكرز في شعر الهايكو أبدا حتى يخيّل إلينا بأنها المرأة في الشعر العربي الذي يدور في فلك مركزه الإنسان أو قيمة مطلقة يخترعها لنفسه. مررت في طريقي الى جناح دار ‘ورد’ وكعلامة عليها صاحب الدار هو ابن الروائي الشهير حيدر حيدر، رأيت رواية ‘السجينة’ لمليكة اوفقير. يا الله كم أحببت هذه الرواية. إنها ملحمة ترصد المأساة الإنسانية لعائلة قضت أكثر من عشرين عاما في سجون رطبة مظلمة بعيدة عن أي شرط إنساني للحياة، كرمى للراوية فقط حلمت وتمنيت أن تمتد هذه الثورات العربية الجارفة الى المغرب. قلت للبائع / صاحب الدار متغاشما بأنه يوجد هناك رواية بنفس الاسم فقال لي مستهزئا هذه هي الأصل وتلك مقرصنة مستغلا طريقة أسلوبي في التغاشم واللامبالاة. الرواية التي قرأتها صادرة عن ‘دار الجديد’ صاحبة حقوق نشر الرواية عدا عن ترجمتها الرائعة لنهلة بيضون، لا أريد أن أتجنى على صاحب الدار ولكن انه لمن المؤسف هذا التصرف غير اللائق عند الناشرين ومدعي الثقافة (قال لي زميلي كتبه كما تتناقلها الأخبار في الصحف او القنوات الفضائية معظمها مقرصنة). ولكن أقول بأن معظم كتب ‘دار ورد’ موجودة على شكل ملفات pdf على الشبكة العنكبوتية. ربما يردّ أحدهم الأذى بأذى اكبر ومن نفس الطينة فلذلك لم أتكبد عناء شراء كتب هذه الدار فهي بالمئات على الانترنت.

قطعت فرصي من ‘دار الريس’ فلا أمل في أن أجد فيها كتبا جيدة ويبقى عنوان ‘الساقطة’ لهيفاء بيطار يتصدر الذهن في دار الريس ولا ادري اذا ما كانت موجودة الى الآن أم لا.. كتبه جميعها قديمة.

مررت الى جناح ‘مركز دراسات الوحدة العربية للنشر’. أملتُ في ان أجد كتابا شبيها بكتاب سوزان سونتاج ‘ضد التأويل’ إذ غدا الفن والأدب هنا عاطفيا لا فكريا، يحلل ويستساغ طعمه عبر الحواس مباشرة بلا مخابر العقل وتعقيداته وهذه متعةُ أنْ لا نرى شيئا بعين تأويلية حيث يخفي المضمونُ تحت كل طبقةٍ طبقةً أخرى من مضمونه. ‘المضمون لمحة خاطفة عن شيء ما، لقاء هو أشبه بالومضة متناهي الصغر للغاية ‘هذا هو مدخل كتابها وأيضا ‘.. إن سر الكون في ما ظهر لا فيما لا يظهر’ واختصرتْه سونتاج بـ ‘ضد التأويل’ الذي نُشر في بداية الستينيات في القرن الماضي وضم مقالات في النقد والسينما والمسرح والرواية تجعلك تعيش أجواء الستينيات وجوها الثقافي كما لو سُحب الزمن إليك أو سحبت إليه. وجدت على الرفوف في هذا الجناح كتاب ‘الماء والأحلام.. دراسة عن الخيال والمادة’ لغاستون باشلار ترجمة الدكتور علي نجيب ابراهيم أستاذ الأدب في جامعة تشرين / سورية سابقا والهارب والمنفي الآن فكريا الى فرنسا والكتاب من تقديم ادونيس. لم اشترِ الكتاب لأنه لدي نسخة الكترونية منه. يقول عنه ادونيس: ‘هذا الكتاب علم بلغة الشعر، وشعر بلغة العلم. تقرؤه فتشعر كأنك تقرأ قصيدة يتشابك فيها الحلم والواقع، المخيلة والمادة.. إنه كتاب يقرع باب المخيلة العربية لكي تستيقظ من سباتها الطويل حيث حلت الأشياء التي تصنعها المحاكاة محل الأشياء التي يبدعها الطبع محضونا بالطبيعة’. هل أصبحنا فعلا كما يقول ادونيس ريبوتات نحاكي الغريزة ولا نتكلم بها؟ كم نحن بحاجة الى لحظات صفاء مطلقة كي نتحد مع قوانين الطبيعة.

ومررت بجولتي الى جناح (دار الأزمنة) الأردنية، على الرفوف تجد رواية ‘ارض اليمبوس’ لالياس فركوح (القائمة القصيرة لجائزة بوكر العربية 2008م) وكتاب ‘شارع ذو اتجاه واحد’ وكتاب ‘مقالات مختارة’ لفالتر بنيامين (1892- 1940 م) ترجمة أحمد حسان. فالتر بنيامين هذا هو صاحب مقال ‘العمل الفني في عصر الاستنساخ الميكانيكي’ ويشير فيه الى أنه يتم التمتع بما هو تقليدي بطريقة غير نقدية بينما يتم انتقاد ما هو جديد حقا بكراهية شديدة.. ونتمنى ان لا تنتج هذه الترجمة الى العربية شكلا مغايرا عن النص الأصلي سيما وأن هذه الفكرة من أفكار بنيامين نفسه في إطار كلامه ونقده للترجمة. وتجد في الدار نفسها كتاب ‘الالتفات إلى ألم الآخرين’ لسوزان سونتاغ ترجمة محمد البرغوثي وتقرأ ‘إلم’ الهمزة أسفل الألف عندما يكرر العنوان في الجزء الذي يحدد سماكة الكتاب. سوزان سونتاغ (1935- 2008 م) كما نقرأ في التقديم ‘أكثر نساء أمريكا ذكاء’ وهذا الكتاب هو آخر ما نشرته. وتجد ايضا في هذه الدار كتاب ‘لو كان آدم سعيدا’ لإميل سيوران ترجمة محمد علي اليوسفي. كم احببت كتابه الاخر ‘المياه كلها بلون الغرق’. في كتابه ‘آدم لو كان سعيدا’ تقرأ شذرات رائعة عن الحب واللذة والخوف من مثل ‘الأمل هو الشكل السوي للهذيان’ و ‘الموت هو امتن ما ابتكرته الحياة حتى الآن’ عدا عن هذا المثل الصيني العظيم ‘عندما ينبح كلب واحد لرؤية شبح، يتولى عشرة آلاف كلب مهمة تحويل هذا الشبح إلى حقيقة’. سيوران يشكك حتى في حقيقة وجودنا وهل لنا قدر اخر غير هذا الجسد يبعدنا عن هذا الشكل المموه للعبودية.

أخيرا قبل أن تكتمل دائرة جولتي على المعرض، مررت بـ ‘دار الشروق’ المصرية وسألت عن رواية ‘النبطي’ ليوسف زيدان، صاحب رواية ‘عزازيل’ تلك الرواية التي قرأتها بشغف كبير وهي بعكس الكثير من الروايات التي غلبت فيها اللغة الشاعرية على الموضوعة، تجد فيها انسجاما مبهرا للغة الشاعرية مع الموضوعة المعرفية. إنه كتاب بحثي معرفي بلغة شاعرية يسحبك الى زمنه وتحاكي شخوصه لدرجة رؤيتهم في الأحلام ويجعلك تتمنى لو كنت واحدا من أولئك النسطوريين العقلانيين الذي وقفوا ضد الطغي والقمع الديني المخزي. لم اجد رواية النبطي ولكنني وجدت بدلا منها ‘اسطاسية’ لخيري شلبي، تعبت من هذه الجولة وتمتمت بيني وبين نفسي المثل المصري ‘خود فكرة وتعال بكرة’ أيسر لك الآن. خرجت مع الأصدقاء من المعرض (تاركين وراءنا المعرض مع من فيه ممن يودون توقيع كتبهم وتسجيل محاضراتهم) باتجاه مقهى الأمم على طريق الدمام حبا لنَفَس أركيلة أولا ولنكمل أمسيتنا التي بدأت بعد الرابعة عصرا مستغلين تواجد الكثير من الأصدقاء. وفي طريقنا تكلمنا على العناوين الشعرية القليلة جدا في المعرض واتفقنا على فكرة هي أن الكتاب الذي دفعت لنشره لن تجده في المعرض او عند صاحب الدار، فالدار تكون قد أخذت أرباحها فلماذا يتكبد صاحب الدار عناء حمله وتسويقه طالما حصل على أرباحه منه، إذ الأحرى به أن يحمل كتابا دفع هو لنشره وليس صاحبه وهنا ضاعت عناوين الشعر وسط زحمة الروايات والكتب الدينية والكتب الفكرية وغيرها سيما وأن معظم الشعراء يدفع لنشر شعره.

شاعر من السعودية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية