حاز جائزة أفضل فيلم عربي في مهرجان الدوحة ترايبيكا السينمائي:
هيفاء أبو النادييعدّ إبراهيم البطوط أحد رواد السينما المصرية المستقلة معدومة الميزانية، واسماً مميزاً في الحركة السينمائية الجديدة في مصر. صنع العديد من الأفلام الوثائقية المهمة التي كانت شاهداً على حروب في بلاد عدة، كالعراق والبوسنة والهرسك وفلسطين وإيران وغيرها الكثير. ينطلق فيلمه الروائي الثالث ‘حاوي’ الطويل نسبيّاُ (112 دقيقة) من نقطة مظلمة في حياة مجموعة من الشخصيات ويضيء حولها الكثير من النقاط الجوهرية. يحتفي الفيلم أيضاً بفكرة الرجوع إلى الأوطان بعد سنين طويلة غائرة في الغربة، ويقول بأن الجذور متأصلة في النفوس مهما بعُدَ الأفراد عن أوطانهم وذويهم.’حاوي’ الذي أنتج عام 2010، وحاز جائزة أفضل فيلم عربي في مهرجان الدوحة ترايبيكا السينمائي في نفس العام، يستشرف الثورة بتسليط الضوء على الشباب ومحاولة إنقاذه من الوقوع في هوة اليأس والإحباط اللذين يفتكان به أينما حلّ ووطئت أقدامه. فيه تقدير لجهود الشباب المختلف ومحاولة حثيثة لجعله يصحو من أوهامه ويبدأ ويستمر في استلهام وتمييز السمين من الغث من أجل تقديمه طازجاً للوطن وللنفس أيضاً. بكل تأكيد الفيلم مختلف تماماً كاختلاف موسيقى هذا الجيل الرافض والمتحدي لواقعه الذي يعيشه رغماً عنه. فهذه الأرض أرضه مهما قست عليه، لأنها رحمه الذي لفظه بحب أحياناً وبغلظة أحياناً أخرى.
يتناول الفيلم العديد من الأفكار التي تشغل بال الكثيرين، ويقول بأن المنغصات كثيرة جدّاً لكنّ الناس ـ وعلى الرغم من كل شيء ـ لا زالوا قادرين على الحياة والتنفس. فالحياة تستمرّ حتى لو خفتت الأنفاس. والموهبة موجودة وبغزارة لذلك فمن المهم جدّاً أن يعرف الناس ماذا عليهم أن يفعلوا كي يعززوها.
الفيلم صاخب بالصور والأصوات البعيدة عن التصنع والقريبة جدّاً من محاولة الوجود الفعليّ في بلاد كانت تغوص في ما يعرف اليوم برواسب النظام السابق. فالراقصة المتعلمة ‘حنان’ التي تتنفس الرقص كمهنة وهواية تحب ممارستها وتتقاضى عنها مرتباً، تأكلها الحيرة حين تتعرض للسرقة، فلا تعرف لمن تلجأ. تقف عاجزة عن إدراك ما يحدث عندما تسبقها جرأتها وتذهب إلى قسم الشرطة لتبلغ عمّن سرقها، إلا أن الضابط لا يكف عن مضايقتها والسخرية منها، ويحاول جاهداً أن يلجم لسانها ويحجّمها، ويخطف منها صوتها كي تكف عن محاولاتها الدؤوبة في إيجاد حلّ لمشكلتها وإلحاحها على أنها مواطنة كباقي المواطنين، ومن حقها التبليغ عن السرقة، وعلى الحكومة واجب إلقاء القبض على المجرمين الذي قاموا بذلك. لكنها تصاب بخيبة أمل فظيعة حين تصبح هي في موقف المتهم بدلاً من الضحية! وعلى الرغم من كل ذلك، يفاجئنا إبراهيم البطوط بقوله على لسان ‘حنان’ بأنها لا تيأس مهما حصل، وستلاحق الذين سرقوها لأنها تحفظ وجوههم، وتستمر في ممارسة الرقص مع أخذ الحيطة والحذر فتطلب مساعدة صديق أخيها ‘إنسانية’ وهو اسم أحسن البطوط في اختياره، حيث كان اسماً على مسمى وحاول أن يحمي ‘حنان’ وكان عنصراً فاعلاً في أحداث الفيلم.’حنان’ شخصية متأزمة، هي أيضاً تعتني بعقلها جيداً وتفكر في التناقضات التي تملأها، تدرك جيداً أن الصواب والخطأ مفردتان لا تكفان عن الصراخ في رأسها، وتؤمن أيضاً كما يؤمن غيرها بأن لكل فرد منا صوابه وخطؤه، وما يقاس على الأفراد يقاس أيضاً على الجماعات والحكومات. ‘حنان’ مثلها مثل ‘آية’ التي لا تعترف باسم أبيها ‘إبراهيم’ الذي لعب دوره البطوط نفسه، لأنه خرج من حياتها وهي صغيرة جدّاُ. بالنسبة لها أن تكون ‘آية’ فقط بغض النظر عما يحمله الاسم من معنى هو أمر كافٍ، فلقد نشأت وأصبحت صبية يافعة دون ‘إبراهيم’ ما تبقى من اسمها، فيما يبدو للمشاهد إشارة مقصودة لسيرة المخرج الذاتية. حتى ‘يوسف’ الذي يظهر في بداية الفيلم معتقلاً، يعود فيظهر مرة أخرى في محاولة جريئة منه لتفعيل حكم القصاص بمن سلب منه حقه في الحياة، يعود ليجد أن ابنته الكفيفة تتقن الغناء، وتتنفس الحرية من خلاله، وتعبر بكل مساحات صوتها عن الحرية التي ينشدها هو في أحلامه ويحاول الوصول إليها في واقعه المرير المتخبط.
كثيرة هي الشخصيات التي رصدها وتابعها إبراهيم البطوط في فيلمه ‘حاوي’ ومهمومة ومتأزمة أيضاً ووتيرة الرمزية فيها عالية، وعلى الرغم من كل شيء فما زالت تجرب وتحاول، وإن فشلت فلا يسرق اليأس منها ابتسامتها، وإن سقطت، تحاول الوقوف من جديد.
تقنيّاً، بدا الفيلم في مشاهده رتيباً نسبيّاً، لا لشيء، بل لأن إيقاع لقطاته ومشاهده بطيء بالفعل، وبرأيي فإن هذا الأمر مبرر وصادق، هكذا هي حياة شخصيات ‘حاوي’ مفعمة بالحياة رغم حالة الإحباط والتردي المصحوبة بالحزن والانغلاق بعض الشيء لدى الجميع، إلا أن الواقع بكل ما فيه من مرارة هو أيضاً الترياق والحلّ لفكرة الخروج من المأزق والانعتاق ومواصلة المحاولة في أن ‘أطلّع من ضلوع الفقر لقمة عيش’ كما تقول أغنية الفيلم ‘بقيت حاوي’ التي يغنيها فريق من الشباب الموسيقي الموهوب ‘مسار إجباري’ المعروف بحبه وانشغاله بالموسيقى البديلة، ولكنه لا ينسلخ أبداً عن واقعه، فنجده يستقي كلمات أغنيته من الشاعر محمد جمعة، ويلحنها بطريقته ويغنيها على هواه، ويبتكر منها ‘فيديو كليب’ رائعاً لفريق موسيقيّ يغني على ‘كاريتا’ أي عربة يجرها حصان ـ ندرك أثناء مشاهدة الفيلم أنه حصان متعب القلب ـ وتقوم معظم شخصيات الفيلم بلحاق العربة في مشهد يستشرف خروج الناس أفراداً وجماعات إلى الشوارع في الثورة.
تساءلت أثناء متابعتي للفيلم: لماذا لم يقم بأداء شخصيات ‘حاوي’ نجوم كبار أو على الأقل ممن يحفظ المُشاهِد وجوههم، فيخفت بذلك ثقل تغيّر المشهد إلى الذي يليه، مما يجعلنا كمشاهدين قادرين على تذكر قسمات الوجوه المتأزمة تلك وحفظها فلا نقع في مطبّ السؤال المشروع: ‘من هذا؟
، ومن تلك؟’ بالطبع، الإجابة معروفة، فالفيلم ميزانيته معدومة، وكل من شاركوا وساهموا فيه لم يتقاضوا أي أجر لقاء عملهم أو تمثيلهم. وها أنا أسأل من جديد: لو تحقق مثلاً واستطاع المخرج أن يحصل على التمويل، فهل كان سيستعين بالنجوم ليحملوا على أكتافهم هموم كل من إبراهيم ويوسف وآية وحنان وجعفر وإنسانية وغيرهم من شخصيات الفيلم الكثيرة؟
حاول الفيلم بكل الأحوال أن يقطع كل ما من شأنه أن يعيق تحققه، أو أن يلجم صوته، يضاف إلى ذلك أن إبراهيم البطوط أراد وتعمد صنع فيلم روائي طويل بميزانية معدومة ليثبت للجميع إمكانية فعل ذلك والحصول على نتيجة رائعة تماماً كما فعل في فيلميه السابقين ‘إيثاكي’ و’عين شمس’. عمل الفيلم ـ وربما بدون أي قصد ـ على رعاية مواهب الشباب، وصدّر فكرة رائدة وفي محلها تقول بأن الأجيال كلها من أصل واحد، ولا مستحيل أبداً يمكن له أن يعيق تواصل الجيل الراحل بالجيل الحالي، وأن فكرة العرّاب زائفة برأيي، فالكبير يرعى ويراقب من بعيد فقط، ولا يحق له تصدير نفسه كعرّاب للشباب، لأنه يعي جيداً أن في قلب كل شاب مدرك وواعٍ يكمن عرّاب للثورة على الظلم والذل والإحباط واليأس ومحاولات الهرب من مرارة الواقع.
البطوط أراد لفيلمه أن يكون قويّاً بأفكار شخصياته وأداءاتهم الأقرب للواقع، لذلك تعمد أن يعبر الممثلون عن فكرة المشهد كما يشاؤون، فهناك دائماً مكان للارتجال حتى في فيلم يُصنَعُ على مراحل من ميزانية معدومة ويصدّر الأمل بالمجان.* كاتبة وأكاديمية أردنية / فلسطينية