لا شك أن ما شهدناه من ثورات شعبية مباركة في أرجاء وطننا العربي قد عكس حالة من التطور في الفكر السياسي والثقافة السياسية لدى الشعوب العربية وهذا التطور له أسباب متعددة أولها حالة الظلم والقهر التي عاشتها وتعيشها تلك الشعوب بالرغم من أنها حالة قديمة ومتجددة إلا أنها كانت الوقود الذي أشعل تلك النيران والسبب الثاني هو ما شهده العالم من تطور في وسائل التكنولوجيا والاتصالات والتي ساعدت على نشر الوعي والثقافة السياسية لدى هذه الشعوب ومكنتها من التواصل وتبادل الرأي والهموم وإيجاد الوسائل التي تؤدي الى تكوين وجة نظر واحدة تجاه جميع الأوضاع على الساحات المحلية والدولية فحينما تستعرض المنتديات على الشبكة العنكبوتية أو مواقع التواصل الاجتماعي فإنك تستقرئ بوضوح فكرا واحدا تجمّع من ثقافات متعددة عنوانه إنكار الواقع السياسي العربي والذي صنعته الأنظمة الرسمية العربية.
وبدأت هذه الثورات المباركة في تونس ثم مصر والتي عكست نموذجا رائعا ومتحضرا من الثقافة السياسية جنى ثمارها الشعب العربي عموما وأصبحت تلك الثورات سلاحا وعمقا ومحركا لكل الشعوب العربية فهي نموذج فريد وجديد من الثورات بكل المقاييس فكانت حضارية في قيامها وأسلوبها السلمي وتعاطيها مع النظام وما بعد خلع النظام وهذا منبعه ثقافة جديدة تولدت لدى الشعوب العربية فمثلت ثورة ثقافية تترجمت إلى وقائع أدت إلى التغيير لم يكن لها قائد أو منظم سوا الفكر والثقافة فسميت بجدارة ثورات ثقافية.
أما معكوس هذا المصطلح فهو ثقافة الثورات.. وهي ثقافة لازمت الشعوب العربية منذ بداية القرن الماضي فكانت ثورات على المستعمر ثم على حلفاء المستعمر ثم على بقايا المستعمر.. ثقافة نشأت عليها أجيال القرن الماضي فكان الخطاب الرسمي للأنظمة العربية والمبرر لشرعيتها وسلطتها بل وان الثورة هي نهر العطاء الذي لم ينضب.. ثقافة الثورة التي عملت الأنظمة على نشرها وتعزيزها بل وتوقف الزمن عندها وأصبحت الهاً خالدا يعبد ودينا يتّبع فكانت أشبه بنسر ويعوق الذين ماتوا رجالا صالحين وأصبحت قبورهم أصناما تعبد من دون الله.. إن الثقافة كيان معنوي أساسه مبادئ ثابتة تنطلق من العقيدة والتاريخ والجغرافيا إلا أن هذا الكيان له روح.. تجسدها الحرية والفكر المتجدد في إطار مبادئه التي انطلق منها فنعم لثورة الثقافة وألف لا لثقافة الثورات.
قيس عمر المعيش العجارمة – الاردن