حدث في زمن التخوين والجاسوسية: التلفزيون المصري.. ثلاثون عاماً من خرس النبلاء وصخب الأدعياء

حجم الخط
0

القاهرة ‘القدس العربي’ من كمال القاضي: ظل النظام الإعلامي السابق طوال ثلاثين عاما يفرض قيودا صارمة على المذيعين والمذيعات، ممن لديهم فكر سياسي من اي نوع، ولكي يضمن سريان قراراته، أخذ بقاعدة ‘المساواة في الظلم عدل’ وحرم جميع التيارات من النفاذ بأفكارها الى الشاشة الصغيرة. وبات عرفا ان ترفض كل القنوات التلفزيونية إذاعة أي برامج تتضمن في مفهومها العام تصريحا أو تلميحا سياسة غير سياسة الحزب الوطني، ولم يقتصر الأمر على ذلك فحسب، وإنما اتخذت إجراءات وقرارات بنفي جميع العناصر التي ترتبط ثقافتها بأي حزب أو جماعة حتى وإن لم تكن فاعلة في تلك الأحزاب أو الجماعات، ولكن فقط يكفي انتماؤها النفسي لها للدفع بها خارج المدار الإعلامي برمته، ولم يفرق الحاكم بأمره في مبنى الإذاعة والتلفزيون في هذا بين يساري ويميني، الكل في نظره خطر على الأمن العام، لأن وجود هؤلاء يشجع عموم العاملين على التمرد والعصيان ويعكر صفو الحكام، وربما يغير أيضا شكل الشاشة فينقلب نظام الحكم، ظل هذا الاعتقاد راسخاً في عقول كل من لديه سُلطة تمكنه من الإطاحة والشطب والإقصاء. وتحول المبنى التلفزيوني الى قلعة أمنية تراقب بكاميرات التجسس وتوضع على مداخلها ومخارجها بوابات الكترونية لا تسمح بمرور نملة، وحتى الضيوف أنفسهم الذين كانوا يستضافون للحديث في البرامج المرئية والمسموعة طبقت عليهم القواعد، ولم يكن يسمح لأحدهم بدخول المبنى إلا بتصريحات خاصة من قطاع الأمن الرابض بالدور الخامس، بل تجاوز القمع حدوده إلى ما هو أبعد من فكرة التأمين، إذ نجح المسؤولون في الوقيعة بين الإعلاميين بعضهم ببعض فاستقطبوا الموالين لهم وسخروهم لكتابة التقارير في زملائهم، مقابل التمييز المالي والأدبي، بوضع برامجهم في صدارة الخريطة اليومية والإغداق عليهم بالحوافز والعلاوات والرحلات والبدلات، إلى آخره.

على الجانب الموازي كان أصحاب الآراء الحرة يتضورون جوعا ويحرمون من كافة الحقوق والمزايا، وهناك أمثلة صارخة لأولئك الذين عرفوا بمظاليم ماسبيرو، من بينهم الإذاعي المعروف شفيق شلبي، أحد ضحايا الاستبداد في منظومة السيادة والريادة الإعلامية، فهذا الرجل تحول من مذيع مرموق الى شخص منزوع الصلاحيات خالي الوفاض، واستمر لسنوات طويلة بلا دور ولا منصب إلى أن بلغ سن التقاعد، وأصبح كل ما يربطه بالإذاعة هو المعاش الذي يتقاضاه شهريا، علماً بأنه الأكثر موهبة ونضجاً، لكن لأنه يساري الفكر ودأب على النضال من أجل تأسيس نقابة للإذاعيين، فقد تم التخلص منه بالعزل والحصار لأكثر من ثلاثين عاما، حيث بدأت أزمته مبكرا مع الرئيس السادات، وبالتالي تم تسليم ملفه لما يليه بوصفه أحد الخطيرين، ووفق ذات المنهج حوصرت المذيعة الكبيرة كاريمان حمزة ومنعت من الظهور تماما، لأن كتبة التقارير قالوا انها من التيار المحافظ بما فُسر أمنياً على أنها تنتمي لجماعة الإخوان المسلمين ‘المحظورة’، وعليه جلست السيدة كريمان في منزلها لأجل غير مسمى ولم يعرف الناس عنها شيئاً إلا بعد قيام الثورة في 25 يناير، حيث نشرت صورتها بإحدى الصحف المستقلة مرفقة بخبر يؤكد عودتها للشاشة هي وعدد من المذيعات المحجبات اللاتي كن من المغضوب عليهن، ولا يمكن أن ننسى الإذاعي الكبير الراحل جلال معوض الذي مات مقهورا وأصيب بالزهايمر من فرط اكتئابه وحسرته، فالراحل كان محسوبا على النظام الناصري فألقي به وهو لا يزال في كامل عطائه ولياقته في غياهب النسيان وأحيل للاستيداع، فلم يسمع له أحد صوتاً منذ أن أقيل قسرا لكونه أخطأ على الهواء مباشرة فبدلا من أن يقول الرئيس السادات قال الرئيس جمال عبدالناصر، وكان ذلك في معرض تقديمه للسادات في واحدة من خطبه بمجلس الشعب عقب وفاة عبدالناصر عام 1970 وتولى الرئيس ‘المؤمن’ زمام الحكم، وبخلاف النماذج الأوضح التي ذكرناها تبقى هناك عشرات النماذج الأخرى من الصف الثاني والثالث والرابع وقع عليها الضرر والغبن وعانت الأمرين من سيطرة المحاسيب وأصحاب النفوذ وذوي القربى على المقرات والمناصب، مما خلق حالة من السخط والاستياء سادت طويلا وعبر عنها العاملون بجمل مقتضبة ودلالية كتبوها على الجدران الداخلية للمبنى وفي دورات المياه، وكلها كانت بمثابة وثائق وشهادات تدين القيادات الرئيسية بجميع القطاعات وتلفت النظر الى جرائم الفساد والاختلاس والرشوة وبيع البرامج بالوكالة وشراء المواقع القيادية والكراسي الصغيرة والكبيرة، وقد ظلت حرب المنشورات والبيانات هي وسيلة الضعفاء في الثأر من جلاديهم فأضعف الإيمان هو التشهير والفضح، لذلك لم تكن المستندات التي تسربت من ملفات أمن الدولة بعد حريق معظم المقرات مفاجئة بالنسبة لكثيرين، فما تم العثور عليه قبل عمليات الفرم معلوم بالضرورة لمن كتبوه ودبجوه وأرسلوا به الى أسيادهم حاملا الوشايات والتهم وخطط الابتزاز والوقوع بالخصوم في حبائل الانتقام وبراثن التعذيب فوق وتحت الأرض والسراديب السرية والسرية جدا والسرية للغاية، حسب الخطورة المزعومة للشخص وفق المعلومات والتقارير الواردة من مجهولون ومعلومون للزبانية وآلهة العذاب، ومن أغرب الأمور وأعظم الشرور أن قطاع الأمن باتحاد الإذاعة كانت له نفس الفلسفة في إرهاب الإعلاميين، فبوسعه الزج بأي شخص في نار جهنم لمجرد الاشتباه في عدم ولائه للمؤسسة الرسمية وعادة ما أتبع أساليب الترهيب للحيلولة دون وصول المعلومة الصحيحة لعموم الناس، وقد كانت لي تجربة شخصية كدت أتعرض فيها للأذى عندما شب حريق مروع بمخازن الديكور والملابس وكابلات الكهرباء، وفرض حظر مشدد على دخول الصحافيين المبنى فتحايلت على عملية الحظر وتسللت الى موقع الحريق مدعيا أنني من العاملين بالقنوات المتخصصة وأرغب في الصعود للدور السابع لإنقاذ أشياء مهمة تخصني، ولما منعني انتهزت فرصة الفوضى وانشغال الجميع بجمع الركام ومخلفات الحريق ودخلت مهرولا وتم القبض عليَّ من قبل رجال علاء بسيوني مدير أمن التلفزيون الاسبق عليه رحمة الله، ولم يرحمني منهم سواه فقد كان يعرف انني صحافي بجريدة ‘الأهالي’ ومندوبها حينئذ بوزارة الإعلام فخشي أن يتسبب إيذائي في مشكلة تصل أصداؤها الى صحيفتي والصحف المجاورة فأمر بخروجي سالماً وبشكل كريم، وبالفعل تم ما أمر به وقال لي أحد رجاله جملة لن أنساها، لقد أنقذك ‘علاء بيه’ فلولاه كنا عملناك كفتة! وبدوري لم أعلق وخرجت من باب ‘4’ الرئيسي وأنا أتشاهد على نفسي وقمت بكتابة كل ما حدث تفصيليا ونشرته في سياق تغطيتي للحريق وتوابعه وها أنا ذا حي أرزق أسجل شهادتي بمنتهى الأمانة عما كان يحدث في زمن التخوين والجاسوسية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية