النظام السياسي في تونس على مفترق الطرق

حجم الخط
0

ليس اختيار طبيعة النظام السياسي هو جوهر الإشكال وحقيقته اليوم، إنما التخلص من رواسب الماضي وخلفياته والتفكير بشكل موضوعي بعيدا عن الانفعال وردود الأفعال، ذلك أن رفض النظام الرئاسي اليوم فيه تعجّل وتسرّع، والمطالبة بالنظام البرلماني فيه مجازفة ومغامرة. ومهما يكن فان النظام السياسي التونسي لم يكن رئاسيا ولم يكن برلمانيا، وربّما لا تنسحب عليه حتى شروط النظام الرئاسوي، أما إذا اعتبرناه رئاسويا لانحرافه بالنظام الرئاسي بأي شكل من الإشكال، فهو أيضا وبأي شكل من الأشكال انحرف بالنظام البرلماني، لاسيما بعدما تم تطعيمه بتقنيات النظام البرلماني لسنوات، وفي كل الأحوال فان ما يتميز به النظام السياسي التونسي هو الاستئثار بالسلطة التنفيذية من قبل رئيس الدولة، واختلال التوازن بين بقية السلطات لفائدة السلطة التنفيذية.

وهو تميز لا نعثر عليه إلا في الدستور التونسي، وليس له أي علاقة بالنظام الرئاسي. من هنا فان الخلط بين النظام الرئاسي والنظام التونسي فيه تجن والفرق بينهما شاسع وكبير، ولو كان النظام الرئاسي نظاما متسلطا ما كان للولايات المتحدة الأمريكية أن تصل إلى ما وصلت إليه من مستوى قانوني متقدم. صحيح ان النظام الرئاسي لا يخلو من إمكانية الانحراف به، ولكنه يوفر الاستقرار السياسي ويستجيب إلى نظرية مونتسكيو المتعلقة بالفصل بين السلطات، وينسجم مع الحالات الانتقالية وحتى الثورية، وليس صدفة أن تعتمد الولايات المتحدة الأمريكية، وهي في حالة شبه ثورية بعد حرب الانفصال، النظام الرئاسي والحال أن النموذج البريطاني كان ماثلا أمامها وكان بإمكانها أن تتبناه.

أما النظام البرلماني فرغم قدرته على احتضان كل الحساسيات السياسية والتنوعات الإيديولوجية، فان نجاحه يبقى رهن تراكم التجارب الدستورية والتطورات التاريخية، وهو من هذه الناحية يأتي إفرازا طبيعيا لمرحلة تاريخية سابقة، وليس إعلانا لمرحلة سياسية قادمة. وليس صدفة أن تنجح الأنظمة البرلمانية في ظل الأنظمة الملكية والمجتمعات المستقرة المتميزة بالتماسك اللغوي والحضاري والديني، وإلا فان مجرد الاختلاف في الرأي سرعان ما سيتحول إلى انقسامات وصراعات، ويصبح عدم الاستقرار سيد الموقف. وهو يحتاج إلى مجتمعات لها وعي سياسي كبير بحيث لا تسقط ضحية المزايدات السياسية الرخيصة والتجاذبات الحزبية التي بإمكانها تعطيل تشكيل الحكومة إلى اجل غير مسمى أو إسقاط الحكومة بين يوم وليلة. وهو ما يمكن ملاحظته عبر تجارب عديدة كلبنان والعراق وايطاليا وبلجيكا وحتى الكويت.

لا اعتقد أن التونسيين لهم ما يكفي من سعة البال والنفس الطويل لمتابعة الشأن العام واحتراف السياسة صباح مساء، ضمن اطر صحافية وإعلامية حرة ووفق تصورات ممنهجة وايجابية. ونحن نرى اليوم كيف أن الإعلام التونسي عاد بنا إلى العهد البائد، في محاولة حثيثة لتشتيت الرأي العام وتوجيه أنظاره إلى المسلسلات والرياضة، وبعد أيام سنجد المزود وقد استرجع موقعه على القنوات التونسية كأن شيئا لم يكن، حتى الأخبار العربية وهي أخبار ثورية باتت مستهدفة وتخلق نوعا من الضيق والقلق لدى المشرفين على سياسة الإعلام في تونس، على اعتبار أنها لا تساهم في التهدئة وتفتح عقول الناس على تجارب وحقائق لا يريد أن يستمع إليها النظام ويتبناها. باختصار لم يكن عيب النظام الرئاسي في نسخته التونسية عيبا في النظام ذاته، ولكن في الأشخاص الذين كانوا فيه. وإذا ما اتفقنا على أن العيب يكمن في الأشخاص وليس في النظام، فهذا يعني إن النظام البرلماني يمكن أن ينحرف به في اتجاه التسلط والفساد، إذا ما كان الأشخاص القائمون عليه منحرفين ومستبدين تماما كما ان النظام الرئاسي يمكن أن يكون ديمقراطيا إذا ما كان الأشخاص القائمون عليه ديمقراطيين. لسنا من أنصار النظام الرئاسي الذي يتميز بمميزاته الخاصة ويصعب على النخب السياسية التعاطي معها وعلى مجتمعنا تفهمها، يكفي أن نذكر أن رئيس الدولة لا يملك حق اقتراح القوانين، وان السلطة الفعلية قد تتحول بيد القضاة. ولسنا من دعاة النظام البرلماني الذي يبقى وسيبقى دخيلا على مجتمعنا السياسي ويصعب التكيف معه بطريقة ايجابية، إذ بمجرد أن ينسحب حزب واحد في حكومة ائتلافية يمكن أن ينجر عنه سقوط الحكومة بكاملها. لم يعد هناك سوى النظام شبه الرئاسي الذي اعتمدته فرنسا مع الجمهورية الخامسة وتبنته مختلف دول أوروبا الشرقية بعيد سقوط جدار برلين، هو الأصلح للاهتداء به في المرحلة الراهنة، ولكن اعتقادنا أن التجربة التونسية قادرة على أن تفرز نظاما أكثر استجابة لواقع تونس الموضوعي. ويستجيب لظروفها الخاصة وإذا كان لزاما علينا أن نبقى في ظل ثنائية النظام البرلماني أو الرئاسي فبالإمكان اعتماد نظام يقوم على المزج بينهما. صحيح أن ما حصل منذ الاستقلال إلى الآن هو المزج بين مختلف عناصر النظام الرئاسي والنظام البرلماني بما يخدم الانفراد بالسلطة وهو ما أفضى وظيفيا إلى نظام رئاسوي وهيكليا إلى نظام برلمانوي، ولكن الوقت حان لكي نأخذ من النظام الرئاسي ومن النظام البرلماني أفضل ما فيهما في عملية مزج ربما تؤسس لنظام جديد يمكن وصفه بالنظام البرلماسي.

شاكر الحوكي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية