ماجد عاطفيؤخّر الرجل الأربعيني قدماً ويقدّم أخرى، فيرتطم بالمارة والعربات التي تعرض بضائعها على الرصيف. إنّه غارق في صراعه الذي لم يحسمه بعد: أن يذهب إلى الطبيب المجاني أو أن يمضي إلى معتقله الاختياري أو شبه الاختياري. الخيار الثاني هو الذي يرجح عنده لأن كل مخططاته قامت عليه.. ويعترض رصيفه بائعُ خروبٍ يهمُّ بصب كأسٍ من الشراب البارد، لولا أنه يهز له رأسه رافضاً.
لا.. خياره ليس صعباً إلى هذا الحد. والدليل على أن خياره عقلاني تماماً هو أنه ما كان سيختاره لولا يقينه من الراتب الذي تصرفه هيئة الأسرى لذوي المعتقلين، كل شهر. صحيح أنّه مخصص للذين يقومون بأعمال وطنية تؤدي بهم إلى المعتقل، لكن مَن سيعلم أنه دفع نفسه لاحتمال الاعتقال شبه الأكيد؟
؟ ولا أوهام لديه.. لا وطنية ولا ما يحزنون! صحيح أنه اعتقل في شبابه لسنتين مثلما أمضى أعواماً ناشطاً في حزب، لكنه لم يعد يعتبر نفسه مناضلاً، هذا إذا ظلَّ يؤمن بالنضال: ما فائدة شيء يمكن لبعضهم ركوبه أو تحويره؟
وتتعالى في مخيلته شعلة حارة وهو يتذكر التونسي الذي أحرق نفسه. جعلوا منه بطلاً ومبرراً لاحتجاجات كانت مكبوتة طويلاً، لكن الأكيد أن التونسي سئم أن يكون في غير مكانه ويُهان مع ذلك. لم يكن في مكانه كإنسان قبل أن يكون جامعياً والأكيد أنه لم يكن يحلم بثورة من أي نوع. لقد قرر أن ينتهي وحسب. لم يكن يأمل من أحد شيئاً على الإطلاق.. أيقارن نفسه بالتونسي؟
لا وجه للمقارنة. سيفعل ما سيفعله لسبب واحد بسيط: أن هناك راتباً يمكن الحصول عليه طوال مدة الاعتقال.. سيكون غائباً عن أولاده وزوجته، غير أن فائدة ما منه ستتوفر. هكذا لن يناقش أحد فائدة وجوده على قيد الحياة ولن يكون مضطراً حتى للتحسس – أو القلق – على حاجاته الأولية، ففي المعتقل ستكون هناك وجبات، وسيمتلك وقتاً ليعيد النظر في أشياء كثيرة.///وتنبّه الرجل الأربعيني إلى أنه أخذ طريق العيادة النفسية والتي لا طائل منها أيضاً. حمقى يوزعون الأدوية العامة كما يُوزَّع الأسبرين للصداع، بصرف النظر عن مسبباته. لم ينجح ولو لمرة واحدة في أن يوضح ما يختلج داخله من اشتعالات جعلته مدة ستة أعوام إنساناً منسحباً من كل شيء. لا أحد يهتم بأحاديث ذاتية مختلطة ما بين مشاعر وخبرات أو فلسفات ربما تكون، في النهاية، خرقاء أو محض هلوسات. لا أحد سوى حبيب، وحتى الحبيب ـ بعد وقت – يصبح نفعياً لا أكثر، في صراع عقيم من صراع الذوات الأنانية.
ولو كانت له وسيلة دخل، لما اكترث أحد بكونه عاطلاً عن العمل أو أن زوجته هي التي تنفق على البيت. لا أحد يمكنه أن يفهم عدم قدرته على احتمال ما هو سطحي من إيماءات وكلمات وسلوكيات ودوافع.. وأنه، إذا حشر في الزاوية، فسيتحوّل إلى شخص عنيف قد يثور لأتفه خلجة على الوجه ملوّنة أو مركّبة، وراغباً في الابتعاد تماماً عن كل الناس، وبالتأكيد ليس قادراً على العمل.
فماذا سيفعل في المعتقل إن حشر مع دزينتين من الخلق في غرفة واحدة أو خيمة؟
تجنب الآخرين سهل، أما الاختلاط بهم فهو المشكلة.///لقد وصل.
أمامه الحاجز والجنود وطابور من المنتظرين الذين يتسربون ببطء من البوابة. لم تخطر له حتى هذه اللحظة الطريقة التي سيعرض نفسه للاعتقال فيها. لو كان دافعه نضالياً لاختار زجاجة حارقة أو سكيناً تلحق ضرراً وبأقل قدر من المخاطر. لكنه لا يريد أن يؤذي أحداً، ولم يعد يهتم بالدوافع النضالية.. لم يعد يكترث بكل تلك الكلمات الجمعية الكبيرة التي تخفي تحتها نوازع ذاتية! والحجارة تبدو له فكرة طفولية تصلح للمراهقين فقط. ومع ذلك هي كل ما يملكه ويمكنها أن تدفع الجنود إلى إلقاء القبض عليه وتتسبب له، نظراً لسوابقه، بحكم ما بين الشهور والسنتين على الأكثر.
وشرع الرجل الأربعيني على مرأى من الجميع، جنوداً ومنتظرين، يلتقط الحجارة والزجاجات الفارغة ثم يرميهما بشراسة أتته من حيث لا يعرف. وبمجرد أن طار الحجر الأول وتكسّرت الزجاجة الأولى اشتعل فيه أمل لم يعد يكترث معه إن كان سيؤذي أحداً أو أنه ربما يصيب المنتظرين. ولعله كان يتذوّق أمل اليأس حين أطفأت رصاصة مباشرة شاشة مخيلته.
كاتب من فلسطين