نصر شمالي يشهد العالم اليوم بداية عمليات استرداد العرب لذاتهم بعد طول ضياع، وتحقيق حضورهم بعد طول غياب، فقد مضى عليهم حوالي قرن من الزمان وهم يتخبطون عموماً، فيضربون خبط عشواء يساراً ويميناً، ويتوهمون حيناً أنهم في وضع دفاعي، ويتوهمون حيناً آخر أنهم في وضــــع هجـــومي، بينما هم ليسوا في هذا الوضع ولا في ذاك، بل في حالة من الضلال وانعدام الوزن. لقد أخذت الأمة أخيراً وضعية الهجوم المنطقية المطلوبة متغلبة على جميع التعقيدات، ووضعت قدميها على أوّل الطريق الصحيحة مكتشفة جميع العقبات (في تونس، وفي مصر تحديداً) وإنّ ما أنجزته، كمنطلق، يبدو الآن غير قابل للنكوص، لأنّ هذا الإنجاز ينهض ممتلكاً لشروط النجاح التاريخية الأساسية، ولن يضير الأمة بعد نجاحها في هذين القطرين أن تتعثّر أقطارها الأخرى أو تتلكّأ إلى حين، لأنّ نجاحها وتقدّمها فيهما يعني أنّ العملية التاريخية (عملية استرداد الذات وتحقيق الحضور) قد حدثت، وانطلقت، وانتهى الأمر. لكننا، ونحن نعيش اليوم ما تحقّق حتى الآن، في تونس وفي مصر، ينبغي أن لا يغيب عن أذهاننا أنّ كثيرين من العرب، في الجولات الماضية وعلى مدى القرن الماضي، كانوا يعتقدون أنّ الأمة في وضع دفاعي، ويتصرفون على هذا الأساس، انه الاعتقاد الذي استقرّ في لاوعيهم، وجعلهم غريزياً على أهبة الاستعداد دائماً للدفاع عن ‘استقلال’ قطرهم، وعن إعلان نصرتهم للدفاع عن ‘استقلال’ قطر شقيق آخر، إنها وضعية ‘الدفاع’ التي اقتصرت عموماً، وغالباً، على الخطابات والكتابات، والانفعالات والمسيرات، والجولات الحربية الآنية السطحية، فكأنّما عمليات العـدو ضد الأمة، في هذا القطر أو ذاك، عمليات مباغتة غادرة، عابرة، يشنّها بهدف الحصول على غنيمة. على مدى القرن الماضي، وفي مواجهة كلّ عملية نظمها العدو ضد الأمة، جرى التعامل مع العملية في حدود زمانها ومكانها، فبدت مقطوعة عمّا قبلها وعمّا بعدها، أي أنها وضعت خارج سياقها التاريخي المتكامل، فكأنّ العدو يأتي في كلّ مرّة، بين حين وآخر، من خلف البحار والمحيطات، ليشنّ الغارة، ويأخذ الغنائم، ويعود من حيث أتى، وكأنّما الذي يحدث حالة طبيعية أزلية، وهكذا شاع الوهم بأنّ الأمة في وضع دفاعي، بينما هي ليست كذلك، لأنّ أوضاعها الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية ليست من صنعها، بل من صنع أعدائها الذين رتّبوا أوضاع كلّ قطر بالصورة التي تجعله مجرّد منطقة مدارة بحكم ذاتي، فكيف تكون الأمة في وضعية الدفاع عن هكذا أوضاع؟
هل من المنطقي والمعقول أن تكون الأمة في وضعية دفاع عن عوامل ذّلها وهوانها، وفرقتها وضعفها وغيابها؟ طبعـاً لا، علماً بأنها لو كانت ‘ولايات متحدة’، لا أمة مندمجة عضوياً، لكانت دولتها الاتحادية متكافئة مع الولايات المتحدة الأمريكية بشـرياً وجغرافياً واقتصادياً. ولو أنها كانت ‘اتحاداً أوروبياً’، لا أمة واحدة مادياً وروحياً وتاريخياً، لكان اتحادها متفوقاً على أي من التجمعات البشرية في حوض المتوسط بمجمله. وهكذا، فإنّ العرب، عندما يتوهمون، وحالهم كذلك، أنهم في وضع دفاعي، يكون دفاعهم غريزياً، بدائياً، يقتصر على مجرّد حماية وجودهم الأولي ككائنات حيّة.
والحال أّن ما يجب أن يكون عليه وضع الأمة هو الوضع الهجومي لا الدفاعي، حيث ما ينبغي عليها فعله هو استرداد ذاتها وإنسانيتها وحريتها، واسترداد ثقافتها وأراضيها وثرواتها، وهو ما لا يحقّقه الوضع الدفاعي، الذي أوهمها الأعداء والمتواطئون معهم أنه المطلوب والصحيح، لكنّها على أية حال، لم تنجح في وضعية الدفاع الوهمية، ولم تأخذ وضعية الهجوم الضرورية، فكانت حالة انعدام الوزن التي جعلتها تتخلّف عن أمثالها من الأمم ما لا يقلّ عن خمسين عاماً. في أحد كتبه، أظنه كتاب ‘قراصنة وأباطرة’، نقل نعوم تشومسكي عن هنري كيسنجر قوله ان ثلاثة أطراف لا تسمح واشنطن لأي منها بالتدخل في شؤون المنطقة العربية: أوروبا الغربية، والاتحاد السوفييتي.. والعرب، نعم، هذا ما قاله! أي أنّ العرب، مثلهم مثل الأوروبيين والسوفييت، ممنوع عليهم التدخّل في شؤون بلادهم (الشؤون الأساسية طبعاً) التي هي مناطق نفوذ واستثمار ومجال حيوي للولايات المتحدة، أي أنّ الأمريكيين في وضعية دفاعية (لا هجومية) عن بلادنا التي تخصّهم وحدهم، أمّا العرب فقد توهّموا طيلة الوقت، ويا للعجب، أنهم في وضعية الدفاع عن بلادهم بالصورة التي هي عليها، والتي تجعلهم لا يملكون من أمورها وشؤونها الأساسية شيئاً.
لقد كان على العرب (وما زال) البقاء في حالة انعدام الفعالية حتى في بلدانهم ودولهم الملفّقة في معظمها، وقد تحقّق إقصاؤهم بجعلهم يسهرون للدفاع عن أوضاعهم بالصورة التي هي عليها، تحت إدارة تحالف الخيانة والانتهازية والجهل، وبجعلهم على أهبة الاستعداد الناقص، الاستعراضي، لمواجهة الغارات المتباعدة، التي تأتي بين حين وآخر بغتة من خلف البحار والمحيطات، بينما العدو يقيم في بلادهم، بين ظهرانيهم على مدار الساعة، يتحكّم بتفاصيل حركتهم الإجمالية، ويأخذ ضدّهم وضعاً دفاعياً، لا هجومياً.
إنّ للعمليات الحربية الأطلسية/الأمريكية/الإسرائيلية، التي تعرّضت لها البلاد العربية من حين لآخر وما زالت، أسبابا ثلاثة: أولها التصدي لخطر عربي، أي لمحاولة تمرّد ما في قطر ما ضدّ الترتيبات الاستعمارية السائدة، وهو تصدّ دفاعي لا هجومي، سواء قامت به قوة محلية أم أجنبية. وثانيها العمل على إضافة مزيد من الترتيبات الاستعمارية التي تحقق مزيداً من الهيمنة والنهب. وثالثها التصدّي لقوة أجنبية أخرى تحاول التسلل والمزاحمة. غير أنّ الحال تغيّر جذرياً بعد احتلال العراق، في المنطقة العربية وفي العالم عموماً، حيث المقاومات المسلحة، العربية والإسلامية، أخذت وضعيـــة الهجوم بالصورة التي يتطلبها استرداد ذات الأمة وتحقيق حضورها اللائق، فأسقطت قواعد اللعبة الأجنبية التي سادت لعقود طويلة، وحرمت الأعداء لأول مرّة من تقرير نتائج المعارك الحربية لصالحهم مسبقاً، وأنهكت الولايات المتحدة وأنزلتها عن عرشها الدولي، فكان ذلك تمهيداً عملياً، ميدانياً، للانتفاضات الثورية الشعبية، السلمية، الهجومية، الاستردادية، التي انبثقت وانطلقت من أعمق أعماق الأمة ومن أعمق أعماق تاريخها. كاتب سوري