أبسط ما تفصح عنه الأزمة الليبية الحالية ذات الخطوط المتشعبة محلياً وعربياً ودولياً، هو الدور الذي تلعبه المصالح التجارية والاستراتيجية في مواقف الدول، متقدمة على المبادئ والقيم النبيلة التي ما فتئ الغرب يصدع رؤوسنا بها، ويدعي تبنيها والعمل بموجبها. ونظراً لهذا التشعب الواسع في الأزمة، يحلو للكاتب المشاكس أن يسلط الضوء على زاوية واحدة من زوايا هذا الصراع الدامي، حريصاً على أن تكون هذه الزاوية طريفة في التناول، بسيطة في التداول. فمن يتابع الأفعال التي تقوم بها كتائب القذافي تجاه الثائرين ضد نظام الحكم، لا يتمالك نفسه ـ بعد نبش يسير في الذاكرة – إلا أن يشبهها بما كانت تقوم به الكتائب اليهودية التي نشطت في ظل الانتداب البريطاني، مثل الهاغانا والأرغون وشتيرن، تلك الكتائب التي كان هدفها الأساسي ارتكاب المجازر لترويع الفلسطينيين، سكان الأرض الأصليين، ودفعهم إلى الهجرة. يومها كان من البديهي أن يفر من هو قادر على ذلك، وكان التوقع حينذاك أن لا يبقى في فلسطين سوى الشيوخ والعجزة من الرجال والنساء، أما الشباب القادرون على الفرار، فسيقومون به بمجرد أن تبدأ المذابح في القرى وأطراف المدن، فتخلو الأرض لليهود المقيمين في المستعمرات، ولاحقاً للمهاجرين الجدد، وعندما يموت الشيوخ، كانت فلسطين ستخلو من سكانها الأصليين القادرين على إفشال المخطط الصهيوني.
وليد الحلبيالولايات المتحدة الأمريكية